|
|
مع الشاعرة التونسية سلوى بن رحومة: حِوارٌ يَغُوصُ في عوالم الشَّاعِرَةِ (1-3)
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 16:17
المحور:
مقابلات و حوارات
تتسلل الشاعرة التونسية سلوى بن رحومة إلى مشهد الإبداع العربي بروح واثقة، ومخيلة مترعة بندى غابات الزيتون وجنان صفاقس. لا تقف في شعرها عند حدود الكلمة المكتوبة على ورق، بل تقتحم آفاق "الشَّغْر" (بفتح الشين والغين) والأمسيات الممسرحة، لتعيد صياغة العلاقة بين النص والموسيقى، وتمنح الإبداع بعدًا إنسانياً رحباً – تجسّد في لفتتها الرائدة للترجمة بلغة الإشارة لذوي الاحتياجات الخاصة. في هذا الحوار العميق والممتد، يفتح المحاور عطا درغام نوافذ الذاكرة والبوح مع الشاعرة؛ لنكتشف معاً كيف تتشكل الطقوس الداخلية للكتابة، وكيف يُولد النص من رحم الشعور تارةً، ومن تقمص الأرواح تارةً أخرى. هنا تفاصيل البدايات، وعذابات اللغة، وعلاقة العشق الأبدي بالحب والحياة والوطن. المحور الأول: البدايات والتكوين الأدبي كيف تصفين "سلوى بن رحومة" الإنسانة في جملة واحدة؟
يتداخل الموضوعي مع الذاتي في إجابتنا أحيانا . لأننا نحب أن نحب أن يرانا الناس من زاوية أخرى. ليست تلك التي يكونها المتلقي من خلال الأثر أو الصحافة .فصورتنا المنعكسة للاخرين أحيانا مجرد ظل لنا. الأهم أن تكون صورتنا عن ذواتنا واضحة لأعيننا . بزوايانا المظلمة وتلك المضيئة، و الأكثر إضاءة فينا .وأعتقد أن هذا هو السبب الحقيقي لتوازني. و أي صفة تقربنا من إنسانيتنا ستكون سببًا في توسيع الرقعة المضيئة فينا . إنسانيتنا هي ملاذنا الوحيد في هذا العالم الذي ما ينفك يزداد تعقيدًا . لذلك اتشبث بالقلب كبير . زرع في بطريقة لا يمكن أن أغيره وإن حاولت .
من هو "الملهم" الأول الذي دفعكِ لمسك القلم؟
أنا أصغر أختيَّ . أرهقتني الوحدة في البداية بعد أن دخلتا المدرسة لكني بعد ذلك خلقت من الوحدة وطنًا يحتوي خيالي في خلق اللعب و ابتكار الحوارات التي أصنعها في يومي لاتحدث باصوات الشخوص التي ألعب معها . تأخري عنهما في الدخول إلى المدرسة خلق في رغبة في حرق مراحل الانتظار المضني، وسؤالي الذي رافقني طويلًا : متى أكبر؟ . دخلت و الشغف يملؤني لأكون الرقم الأول في قسمي وفعلًا كان لي ذلك خلال سنوات الابتدائي . ثم صار في الثانوي ميلي للتميز في كل ماهو لغة عربية وآداب، وبهذا جلبت إلي اهتمام أساتذتي في هذه المواد، وراهنت على أن أكون الأولى فيها . كنت أكتب لأقطع سلسال الملل خلال عطلة الصيف .العطلة طويلة ووسائل الترفيه قليلة، وكانت كتب المطالعة في تلك المرحلة لمثل عمري غير دارجة إلا من بعض القصص . فكنت أتسلى بالكتابة على الكراسات التي لم نستعملها خلال السنة الدراسية . لا أدري ماذا كتبت خواطر أو خربشات . لكنها أخذت طريقها رويدًا نحو شكل أدبي واضح سطرت خطواته والدتي حين كانت تطلب مني أن أكون شاعرة،و تحثني على التجريب حين أجيبها بأنني لا أعرف كيف أكون شاعرة ! في الثانوي صرت أكتب المقال . أناقش فيه مسألة ما نكون قد تعرضنا لها في حصة القضايا الحضارية و تعلق بذهني فكرة أ،بني عليها و أعطي رأيي فيها وأستدل عليه . أساتذة العربية كنت أسلمهم أشعاري، أو التي أعتقد أنها شعر حينها ؛فيعطروني ملاحظاتهم و يشجعون في الموهبة . أما مقالاتي و آرائي كنت أقرؤها على مسامع التلاميذ في ساحة .
كيف أثرت مدينة صفاقس في تكوين ذائقتك الشعرية؟
انا ابنة فلاح ،ولدت بين غابات الزيتون،و نشأت وترعرت في جنان صفاقس .تفتحت قريحتي بين أغصان أشجار اللوز المرصعة بالزهور البيضاء .، التفاح العربي المتدلي من الشجيرات الصغيرة كان يحمر من لمس يدي و رائحة البرتقال ،كانت تفتح حواسي على استيقاظ الحياة في الصباح . رمال الأرض الحارقة داعبت رجلاي الصغيرتان في سن مبكرة و حرارة صيفها كانت تُثير في نشوة الالتصاق بالأرض. أما السماء البعيدة فقد كانت مصدر حلمي للعلو بابتعادها عن الأرض . باتساعها و صفائها . كنت أحس أنها تشبهني أو سأشبهها يوما ما حين أكبر.
هل الشعر في نظركِ موهبة فطرية أم حرفة تُكتسب بالقراءة؟
لو كان الشعر حرفة فقط ،لكان كل من قرأ العروض شاعرًا.و كل من تخرج من جامعات الآداب و اللغة العربية أديب . لسنوات عديدة كان الشعر حكرًا على الموهبة و الكليات المختصة تخرج لنا دفعات من نقاد و محاضرين . هذا لا يعني أنهم لا يمكن أن يكونوا موهوبين لكن الأكادمية قد تُصقل الموهبة لكنها لا تخلقها. الموهبة الفطرية حقيقة، وهي إما موجودة وإما لا. ووجودها في حد ذاته لا يمكن أن يكون حاسمًا في وصولها إلى مرحلة متطورة او الى مرحلة الاحتراف لان هذه النتيجة مرتبطة قطعا بالمكتسبات التي تشحن بها موهبتك . التطوير المستمر هو الذي ُكسب الموهبة حياة أطول.
ما هو الكتاب الذي قرأتِه في صباك وغير نظرتك للعالم؟
ذالك الصيف الطويل الذي حدثتك عنه، كان أول أسباب البحث عن تغيير وسائل الترفيه؛ فكنت أروح بين التأمل في الطبيعة و الكتابة والقراءة . كبرت قليًا وصرت أتطلع إلى لمس الكتب التي تتبادلها اختي الكبرى مع صديقاتها. شدني غلاف احداها فأخذته إلي أستمتع بجمال الألوان و الايحاءات التي منحتني سعادة للإقبال على القراءة .ولعلها بقيت من عاداتي حتى الآن ،فالغلاف يعني لي الكثير لأمسك كتابًا وأقبل على قراءته . كانت الكاتبة امرأة . وفي تصدير الكتاب أو على غلافه ما يفيد ان الكاتبة طبيبة . هذا التحديد أثار في الفضول فنحن لدينا أطباء كُثر. لكن لا أحد فيهم يكتب الكل يكتفي بالطب . ماذا تكتب هذه الطبيبة..؟ ولماذا لا تكتفي مثل أطبائنا بالطب..؟ماهي دوافعها للكتابة ؟.. تساؤلاتي كانت الإجابة عليها في سطور هذه الكاتبة التي كانت تربط بين علمها البيولوجي و أدبها الاجتماعي ،الذي عرفت فيما بعد أنه نسوي نسبة إلى دفاعها على قضايا النساء وتبنيها في كتباتها.
كيف كانت ردة فعل عائلتكِ تجاه دخولكِ عالم الكتابة؟ أمي حققت من خلالي حلمها الذي خططت له،أما ابي فقد كان يُباهي بي كممثلة يجمع العائلة حوله في بيت جدي- ابيه – و يتفرج معهم على مشاركاتي الصغيرة بكل فخر . أما أمي ،فكانت معارضة لفكرة دخولي التمثيل ولولا موافقة أبي لما قمت بتلك التجارب. ولعله من أسباب عدم مواصلتي لذاك المسار عدم تشجيع أمي و منحي مساحة من الحرية مثل تلك التي منحتها لي كشاعرة. وعمومًا إنني وسط عائلتي الموسعة لا أحب ان يتعامل معي أحد على ذلك الأساس، أريد أن أنسى الألقاب و أكتفي بصفتي العائلية بينهم . وهناك ممن لا اجتمع بهم كثيرا يجدون صعوبة في التعامل معي بصفة القرابة فقط فيوقرون الشاعرة .
ما هي العلاقة التي تربطكِ باللغة العربية: علاقة حب أم علاقة صراع؟
هناك حب يتحول إلى تحدي كلما كان التعلق مرضيًا . وهذا ما حدث لي مع اللغة العربية . كانت وجهتي و بنيت على محبتها طموحاتي و حددت خطواتي إلى الغد البعيد بما فيه المهنة . فقد قررت أن أكون أستاذة جامعية في اختصاص ما في" الآداب و اللغة العربية". و كان رهاني الأول أن يكون العدد الذي أحصل عليه في تلك المادة جيدًا في امتحان" البكالوريا ". وفعلا حصلت على "11.5 "وهو عدد محترم جدًا ويسمح لي بدخول "كلية الآداب شعبة العربية" . الا ان وزارة التعليم ان ذاك كانت لها حسابات أخرى . فقد كان سوق الشغل يفتقد الى أساتذة لغة فرنسية لذلك وافقوا في طلبات التوجيه على آخر طلب، وتم توجيهي إلى "اللغة الفرنسية" و الحال أنني حصلت فيها على "10.5 "فقط . كانت خيبة أمل أثرت في كثيرًا، وحولت كل مساري المهني . لكنها لم تحول قلبي عن محبة هذه اللغة .فأنا أحاول تطوير قاموسي اللغوي من خلال الاستمرار في المطالعة و اختيار المادة بعناية،كما أنني لأوقات كثيرة كنت ناشطة مع منتديات افتراضية تُعنى باللغة العربية و هدفها تمتين اللغة العربية و نشرها و تعظيمها بما هي لغة القرآن ولغة الأمة الإسلامية و العربية. هل تذكرين أول أمسية شعرية شاركتِ فيها؟ وكيف كان شعوركِ؟
هذا السؤال أخذ مني وقتًا في التذكر . الوقت كفيل بتشتيت الذاكرة وجعل أشياء تطفو عوضًا أخرى رغم أنها الأهم العقل يحتفظ بها في الخلف،و يترك المساحة في الذاكرة الأمامية لأشياء أقل قيمة في حياتنا أو أقل جمالًا من التي يعوضها بها . وكأن الذاكرة تقوم بتخزين المواد حسب تاريخ الإنتاج . كان ذلك في وقت متقدم مقارنة بعمري و تجربتي و أشياء كثيرة . مشاركة للقراءة مع أكبر شاعرين من مدينتي "صفاقس" الشاعر الأول:"المنصف المزغني" وهو قيدوم الشعر ونجمه و الثاني :"الفقيدعبد الجبار العش"، الذي بدأ يشتد عوده في الساحة و صار اسما ثانيًا إلى جانب المنصف. كنت معهم على نفس المنصة بدعوة من شركة ثقافية آنذاك مؤسسوها إلى الآن تربطني بهم صداقة . كنت معهم من الرواد و الفاعلين لذلك أعطوني فرصة القراءة لتشجيعي ،ولا أحد يمكنه الاعتراض لأن الداعين لتلك الأمسية هم سندي و عائلتي الثقافية. قرأت وأتذكر أنه لم يكن شعرًا، وإنما نوايا شاعرة.
ماذا تعلمتِ من بداياتكِ التي ربما لم يلحظها الجمهور؟
الجمهور سندي الحقيقي في كل خطواتي؛ لأن الجمهور ليس عددًا وانما داعمين وانا كنت محظوظة بالداعمين في كل مراحل مسيرتي الشعرية وكل داعم كان يسلمني لمرحلة أخرى اجد فيها ايادي تؤمن بتجربتي التي تكبر كل يوم . هذا التحول الذي اساهم فيه كان يعزز الأيادي الداعمة . فقد كنت أكبر كل سنة بالقدر الذي يرضيني قبل أن يرضي جمهوري . وكنت في كل ذلك لا اميل الى حرق المراحل بقدر ما أحب أن تكون قدمي راسخة في طريقها إلى ما تطمح إليه من تكوين شخصية شعرية لها لونها و بصمتها منشوراتها، و لها تجارب خارج السرب حتى لا أكون نسخة باهتة لغيري.
المحور الثاني: تجربة الكتابة والإبداع ما هي طقوس الكتابة الخاصة بكِ؟
ذكرني سؤالك بصدمة بعض الشعراء عندما عرفوا أنه لا طقوس لدي للكتابة؛ لأنه طقس داخلي. أما المحيط الخارجي فهو لا يعنيني كثيرًا .فأنا أكتب في الصباح في ساعات العمل في القطار خلال اقامتي في دعوة شعرية وأنا في قمة الفرح وأنا في قمة الحزن كل حالاتي الشعورية حالات ممكنة للكتابة. أما عما يمكن أن يتخيله البعض من ضرورة الجلوس على مكتب و الإمساك بالقلم و وجود قهوة على الطاولة ،و ربما يخيل للبعض أنه لابد من سجائر أو غيرها من المؤذيات . هذا كله هراء بالنسبة لي فأنا كتبت وسط مجموعة من الناس ،كما أكتب لأني في هدوء الوحدة . باختصار لا مناخ يمكن أن أهيأه للكتابة . المناخ الوحيد الذي لابد أن يكون مهيئًا هو داخلي . روحي التي لابد أن تكون في النقطة المائة من التعبئة المشاعرية حتى تصب خارج الكاس ويكون التفريغ على الورق .
هل يولد النص لديكِ من فكرة، أم من حالة شعورية؟
النص الشعري لابد أن يكون حالة شعورية، لكن هذه الحالة أحيانًا كثيرة لا نعيشها.وإنما تنطلق من فكرة ثم تتحول لحالة شعورية نتبناها؛ بمعنى أنها مثل الدور في المسلسلات الذي يتقمصه الممثل لدرجة أنك تصدقه فتبكي معه وتفرح لفرحه وتناديه باسم الشخصية وتنسى اسمه الحقيقي . الشاعر انسان في النهاية ولا يمكن ان يعيش كل الحالات التي يكتب عنها ومع ذلك هو يحتاج لقارح يُثير مشاعره ليكتب .لذلك أنا شخصيًا أعيش التمثيل لكتابة مواضيع كثيرة، وأتبنى حالات شعورية تصلني في لحظة وتمسني .إما بالطريقة التي وصلتني بها كصدق السارد أو تشريكه لي لفترات طويلة ،تجعلني أعيش محلها أو محله ولا ننسى أن طبيعة الكوتش تجعل الناس تنجذب لي، وتحكي لي قصصًا لا يعرفها أحد وتفاصيل لا يمكن أن تكون لغيري ليس في جلسات فردية ككوتش، وإنما في جلسات عادية لثقة في شخصي .
لماذا "الحب" هو الخيط الناظم في أغلب أعمالك؟
وهل الحياة سوى قلب ينبض بالحياة و بالحب . كنا في الثانوي ندرس القصائد و المعلقات، وكلها قصص حب لم تكتمل،يزيدها الحزن جمالًا إذا افترق الحبيبان و الوصال جمال آخر إذا اجتمعا لا أذكر إلا "أبو الطيب المتنبي"، الذي لم يكن مشغولًا بالعشق أو"عروة بن الورد" و" العبسي" مثلهم كان مشغولًا بالشرف التليد و بقضايا المجتمع . لم أستطع أن أكون" أبو الطيب"، لكني استطعت أن أكون ولادة في شعري و بمقاييس عصري.
هل تكتفين بالقصيدة المكتوبة، أم أنكِ تؤمنين بضرورة "أدائها"؟
شكرًا على هذا السؤال . مهم جدًا أن تكون سباقًا في عصرك ،أن تؤمن بالحركة و التغيير . وأن لا تقف عند مستوى الايمان، وإنما تصل إيمانك بشرف المحاولة . بعد عشرات السنوات التي قضيتها في الأمسيات الشعرية و المهرجانات الثقافية في صفاقس و جل المدن التونسية ،وأيضا نفس النظام ينطبق على الأمسيات و التظاهرات في البلدان التي زرتها في المشرق و المغرب و الغرب . ضيوف تتوالى لتلاوة القصيدة وجمهور يستمع مرغمًا أحيانًا في انتظار قصيدة مفضلة . أمام ظاهرة لم تتحرك ،و أمام خضوع تام لهذا المشهد التاريخي رأيت أن أحمل نفسي مسؤولية التغيير،وأن أضع له خارطة و اتخيل له المشهدية الجديدة . من هنا بدأت نسقًا جديدًا في أمسياتي الخاصة بالفصل بين الاستماع للموسيقى و الاستماع لقصائدي . اخترت في أول سهرة شعرية خاصة بي في مهرجان المدينة سنة2010 ،ان أخرج عن آلة العود التي عادة لها شرف مصاحبة الشعراء ودعوت عازف قانون بما أن القانون أيضًا آلة عربية بامتياز . وخصصت للعزف مساحات خاصة للاستماع و التمتع بها . كما لقصائدي . ثم في دعوة ثانية من مهرجان المدينة سنة 2018 ،لتقديم سهرة ثانية اخترت أيضًا أن أقدم الشعر في طبق مختلفن واخترت لعرضي مجموعة من فناني الجهة؛ ليكون حضورهم على الركح بالتناوب مع أدائي لقصائدي . ولأبين أن الاستماع للقصائد كما الأغاني لمن يحب الفنون، يمكن أن يجمع بينها في ألفة و توحيد . أما تجربة شغر بفتح الشين و الغين و تسكين الراء .فهي تجربة تتعدى المشهدية في العروض إلى تاسيس نمط جديد لقراءة الشعر هو تأسيس علاقة جديدة بين الشعر و الموسيقى . و استفادة من عصر الصورة بتصوير تلك المشهدية، وجعلها متاحة في كل وقت عبر الوسائط . ومن هنا يمكن استقطاب جمهور جديد للشعر يكون من خارج الطبقة المثقفة. هذا الاستقطاب الذي يفتح الآفاق أمام القصيدة لتكون لها نفس شعبية الأغنية.
كيف تصفين تجربتك في "أمسيات الشعر الممسرح"؟
هناك تجارب يكفي أنها وجدت للتاسيس والأجيال المقبلة قادرة على البناء و المراكمة على هذه التجربة. إلى جانب ذلك أحب أن أعرف باختلاف تجاربي.إلى جانب ان التجربة الركحية تُضيف لي الكثير . تختبر ثقتي في و في نصي و جمهوري . الوقوف على الركح ليس مثل الوقوف أمام طاولة قراءة أبدًا .ليست نفس المسؤولية ولا نفس التعب. وأنا اخترت التعب وسعيدة بأنني حاولت، ووصلت إلى نسبة من أهدافي أقلها أنني لم أبق في مرحلة الحلم، وإنما أنجزت . أنا وفية لأحلامي وطموحاتي . وهذا جعل الصحافة تلتف إلي و الإعلام أيضًا إلى جانب القوة الداخلية التي اكتسبتها بعد هذه التجارب . لاسيما تجربة الترجمة للغة الإشارة التي أقدمت عليها في عرض رومنسيات 3 و التي اعبترها سبقًا و التفاتة إنساينة إلى ذوي الاحتياجات الخاصة؛ ليكون لهم الحق في التمتع بالفن وتذوق الإبداع .
هل ترين أن القصيدة لا تكتمل إلا بوجود الجمهور؟
القصيدة لا تحتاج ضرورة إلى جمهور. أما "القصيدة الممسرحة" تحتاج الى جمهور . كل قصيدة جمهورها كاتبها وهي مكتفية به . القصائد التي في الكتب مثلًا هي ليست منقوصة بغياب الجمهور، لكن حضور الجمهور حياة ثانية بالنسبة لها . يمكن القول إن اكتمال القصيدة في إتقان صنعتها بدرجة أولى . لو كانت القصيدة تكتمل بوجود الجمهور سوف نصدر على الكاتب -وهي أساس العملية الإبداعية - حكمًا قاسيًا لا يفي الشاعر حق إحساسه و حرفية نظمه. فكل قصائده سوف تكون مشروطة بالجمهور لتكون قصيدة . القصائد مكتملة بذاتها و مشاركتها يضيف لها حياة ثانية و لا يضيف لها الاكتمال .
كيف تعاملتِ مع فكرة "الجمهور الافتراضي" عبر وسائل التواصل؟
الوقوف على واقع كل فترة زمنية مهم . قبل وجود الافتراضي كانت لنا جبهة واحدة هي الجمهور الحضوري . الامر اختلف منذ مدة مع ظهور" الفيسبوك ط،ثم الوسائط المشابهة له . ومع امتداد هذه الفترة على مدى حوالي 20 سنة صارت المساحة للافتراضي تتسع على حساب الواقعي في كل شيء بما في ذلك قضية الجمهور الافتراضي . لذلك كان لابد من التعامل معه كواقع ملموس ومؤثر أيضًا . وهو مثل كل التكنولوجيات بجانب سلبي و جانب إيجابي .الوعي بهذا الواقع ضروري للاستفادة بخطة تفاعلية مع هذا الجمهور "الحاضر دومًا " و المشكل من أذواق ،ثقافات و أعمار مختلفة .
ما الفرق بين الكتابة للورق والكتابة للشاشة في نظرك؟
يمكن أن ناخذ سؤالك إلى فضاء الكتابة عمومًا وليس للشعر . وأن نخصص به الكتابة الدرامية للمسرح للسينما، الإذاعة أو للتلفزيون؛حيث هناك تقدم الاعمال بطريقة مشهدية للجمهور مرئية كانت أو مسموعة . هذه الكتابة تختلف تمامًا عن الرواية و القصة بأنواعها . فالكتابة للشاشة أو للركح تحتاج التفاصيل . تفاصيل الحركة، ويصبح قيمة المكتوب على الورق في تجسيده وتقاسمه مع أي نوع من جمهور الفنون التي ذكرناها .النص يحيا بالحركة التي تحول الكتابة إلى فعل . أما الشعر، إذا خرجنا به إلى عالم المشهدية؛ فلابد أن نُضيف للكلمة المساحة المرئية التي تكمل النص و تثريه أمام المشاهد؛ فيصبح حين ذاك "الكوستيم "بلغة الدراما و الموسيقى والإضاءة و الحركة كلها في خدمة ذلك النص ،وفي استخراج معانيه المبطنة لتكون ظاهرة بأكثر من شكل على الركح وتتجاوز المعنى المفرد للكلمة .
هل هناك موضوعات تعتبرينها "محرمة" على قلمك؟
أعتقد أن لكل إنسان أو فنان خطوطه الحمراء ،التي تقف عند نقطة مبدئية لا يمكن تجاوزها . وهي تختلف من شخص إلى آخر، وبين الجنسين أيضًا و اختلافها يأتي حسب ثقافة البلد أو الشخص. ويمكن لهذه " التابوهات " أن تتغير من وقت لآخر، كما يمكن ان تكون نفسها طول حياة الشخص ،وهذا راجع لتكوينه و مرونته أن صح التعبير. فالذي نراه اليوم صحيحًا ،يُمكن أن نحكم عليه بالخطأ في قادم الأيام، و العكس صحيح . نحن محكومون بالتغير . كان الحرج في مجتماعتنا العربية كتابة امرأة لقصائد عن الحب ،ثم صار عن الجسد ،ثم صار في براعة التعبير عن التفاصيل. ولم أكن على وعي بكل هذه المحرمات ؛فكنت أكتب بطلاقة من لا حدود لحرفه ولا أقول لمشاعره ؛لأننا نتفق أن كل ما نكتبه ليس الحقيقة . و النص الشعري ليس سيرة ذاتية بالضرورة . كنت أعتقد أنه على الجميع أن يعرف ان القلم قناع شخصية شعرية نلبسه لنؤدي دورًا ما، ثم نخلع ذاك القناع في حياتنا العادية ونعيش دونه طول الوقت. لأن نسبة الشاعر فينا إذا قسناها بفترات تواجده على الركح لا تزيد عن بعض ساعات من حياته . مللت نفس المواضيع التي عرفت بها أكثر من أن أصنفها خط أحمر؛ لأن الخطر الأحمر في قصائدي صار كل ما يُمكن أن يتنافى مع العقيدة الإسلامية . لذلك ،هناك مجموعة كاملة " ذكرى الآتي " لا أنشر منها إلا قليلًا ،ولا أقرأ منها إلا قليلًا أيضًا .
كيف تواجهين "جفاف القلم" أو أزمات الإبداع؟
سؤال ممتاز . يمكن أن نطرح السؤال أيضًا بجفاف القلم و أزمات الإبداع ؛ لأنني أعتقد أن جفاف القلم لغياب القادح و أزمة الإبداع لترهل الملكة الإبداعية . فالقادح لابد منه للكتابة الشعرية أو غيرها ،وعادة يكون مشاعريصا سواء بالتأذي أو بالرضا و السعادة. ويكون بالتبني، بأن تتأثر بمشهد خارجي منفصل عنك، كما يكون واقعيًا أي حالة عشتها أنت . وباعتبار أن تجاربنا في الحياة لا يمكن أن تكون القادح طول الوقت، فكان لابد من استعارة مشاعر الآخرين؛ لنكتب بها -مثل الذين يكتبون عن القضايا الإنسانية ،هم يتبنونها ولا يعيشون ظروفها -وهذا يشكل صعوبة كبيرة في التقمص الشعوري. لكن الدربة على ذلك و الاجتهاد في توفير المناخ الشعوري لتلك الحالة، يمكن أن يُنتج إبداعًا أو يُطلق شرارة الإبداع . لأن الشعور إذا لم نصغه في قالب إبداعي ضاع هباء ،سواء كان شعورًا حقيقيًا أو شعورا "بالتبني". لذلك ،فإن أزمة الإبداع يُمكن أن تُطال الكاتب عمومًا من ابتعاده عن المطالعة ، ابتعاده عن حضور المجالس الثقافية و الاستماع إلى المحاضرات و الفرجة على الأفلام و حضور المسرحيات . كل هذه العناصر بالنسبة لي تخدم الحالة الإبداعية .و جودة ما نتلقاه ونمتلئ به يؤثر فيما ننتجه .
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حوار الشاعرة التونسية سلوى بن رحومة: قضايا الثقافة، التجربة
...
-
نبض الكلمة وحكاية الإنسان.. حوار خاص مع الكاتبة إيناس عتمان(
...
-
إيناس عبد الحميد :بين ثقوب الذاكرة وسيولة العصر الرقمي(1-2)
-
مع الناقدة والشاعرة د. رشا الفوال: تقاطع علم النفس والنقد ال
...
-
مع الناقدة والشاعرة الدكتورة رشا الفوال:جسور بين العلم وجنون
...
-
د.عاطف سلامة: الأدب شاهد على العصر... والكاريكاتير بندقية من
...
-
د.عاطف سلامة: الأدب شاهد على العصر... والكاريكاتير بندقية من
...
-
الممثلة أندريا مارتن واحدة من أكثر النساء فكاهة في برودواي
-
تامارا ليسيتسيان اسم محفور في الذاكرة
-
أكيم تاميروف أعظم ممثل سينمائي على الإطلاق
-
أكيم تاميروف وطريقه إلى النجاح
-
أضواء وظلال الماضي في صور غاغيك هاروتونيان
-
ليوبولد غاشتشيك، بولندي قام بتصوير الأرمن
-
تاريخ أرمينيا من منظور ميشيل أندونيان
-
كيف أعاد إرث المصورة مريم شاهينيان تعريف الوجه المألوف لإسطن
...
-
نمر سعدي: جماليَّاتُ الدهشةِ وفتنةُ المجاز
-
العودة من غياهب النسيان أرميني قام بتصوير الصحاري
-
مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي: المجموعات القصصية وا
...
-
مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي: كتابة التاريخ والترا
...
-
مع الشاعر المصري الكبير عبد الله مغازي-دواوين العامية والفصح
...
المزيد.....
-
هل تصبح نيويورك الجديدة؟ هكذا يغيّر سباق الأبراج الشاهقة أفق
...
-
مطلق نار بمدرسة ينهار باكيا أثناء تحقيق صوتي مسجل.. ويصف ترد
...
-
الحوثيون يضغطون على البحر الأحمر.. وأسواق النفط تواجه أخطر ت
...
-
طائرات حربية بحرينية وكويتية شنت غارات على إيران في رد خليجي
...
-
موجة حر قياسية في إسبانيا.. حرائق تلتهم الغابات وتهدد العاصم
...
-
بالفيديو.. الدفاع المدني اللبناني ينتشل جثثا من زوطر الغربية
...
-
حل مبتكر لتطوير شوكولاتة مقاومة للحرارة
-
متعب لكن عقلك مستيقظ عند النوم؟.. حيل مثبتة لتهدئة الدماغ
-
طبيبة تحذر من شكل خطير للنوبة القلبية
-
فيرشينين: نؤيد تسوية النزاع الأوكراني دبلوماسيا بمعالجة أسبا
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|