أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: محاكمة أنثى














المزيد.....

قصة قصيرة: محاكمة أنثى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 00:31
المحور: الادب والفن
    


يجلس في موضعٍ مرتفع، مطأطئ الرأس، على ضفة النهر في منتصف نيسان، حين كانت المياه قد غمرت الأراضي المنخفضة على الجانبين. نهرٌ يجري كأنه فقد هدأته إلى الأبد، لا يعرف سكوناً ولا اعتدالاً.
وفي قلب ذلك الصمت العابر، سرعان ما يضع يديه على رأسه، تتخلل أصابعه خصلات شعره، فيما يتأرجح جسده صعوداً وهبوطاً في حركةٍ متتابعة لا تستقر. أمامه ظلٌّ خفيف يتكسّر فوق سطح الماء المتلاطم، يتمدد ويتشظّى حتى يبلغ عشرات الأمتار، إذ كانت الشمس تتهيأ للرحيل.
كأن ذهنه قد تحوّل إلى ساحة حرب لا تعرف غالباً ولا مغلوباً؛ أفكاره تتنازع بعنف داخلي، وتتخذ مسارات متشعبة، بلا قرارٍ يحسم هذا الاضطراب الممتد بين الطمأنينة ونقيضها. كلمات كثيرة انهالت عليه دفعة واحدة، حاول الآخرون زرعها في رأسه قسراً، فسقطت عليه كالصاعقة، تهز كيانه، وتخلخل يقينه. قصصٌ دامغة وأحاديث طويلة، وصورة كانت مشرقة أخذت تتآكل في داخله شيئاً فشيئاً.
يهمس لنفسه:
- أحقاً يُراد لي هذا المصير؟ أهي الحقيقة أم وشاية أريد لها أن تتحول إلى قدر؟
كان تفكيره دائرةً لا تنغلق، ناراً خفية تبحث عن أي مخرج يطفئ هذا اللهيب المستقر بين الأضلاع. ضغطٌ يهبط على صدره، يتصاعد ببطء حتى يلامس مجرى التنفس. وفي خضم هذا الصراع، يتساءل من جديد:
- لماذا هذا الضجر؟ منذ الصباح أشعر أن شيئاً ما مفقود، شيء لا أستطيع تسميته. حديث الأمس ما زال يطرق رأسي بضجيجه وشخوصه وتفاصيله. نومي المتقطع ليس إلا شاهداً على هذا الارتباك.
ثم يبدأ شيء غامض بالتمدّد داخله؛ خياله ينفلت بلا ضوابط، الحواس تستثار، والمشاعر تتقد. تتسع دوائر التصور بين أحلام يقظة وتشتت، فيحاول جمعها في محورٍ واحد، محورٍ يظن أنه قد يخفف هذا الحمل الثقيل .يدور في داخله صوت آخر:
- أعلم أن الحياة لا تُعطى صافية، وأن الكدر جزء من طبيعتها، وأن من يتذوق صفوها خالصاً، يجزع حين تلسعه مرارة الواقع.
ومع مرور الوقت، بدأت هواجس الشك تزحف إليه كظلٍ طويل عند آخر النهار، حتى غطّت ضوء يقينه. أخذ يتجول في الحقول بلا وجهة، سلوكٌ مضطرب لم يجد له تفسيراً، فيما كان المساء يقترب، ومعه يزداد اقترابه من مواجهة ذاته.
يقول لنفسه:
- سأرفع أمرها إلى القاضي في المعبد الرئيس، لعلّي أضع حداً لهذه العقدة التي تخنق صدري.
وبعد ترددٍ طويل أنهكه، حسم أمره:
- سأحكي ما سمعت فقط، فأنا لم أرَ شيئاً بعيني. سيقال إنها ارتكبت ذنباً عظيماً كما يزعمون، لأنها لا تُبالي بتمثال الإله آشور. ولك الأمر يا سيدي القاضي.
يسألها القاضي بنبرةٍ صلبة كالحجر:
- اعترفِي بذنبك.
تنكسر الكلمات في فمها كزجاجٍ متناثر، وتهمس وهي ترتجف:
- وما ذنبي يا سيدي؟ الأمر لا يعدو كونه ظناً لا أكثر.
ثم تنفجر بالبكاء، متقطعاً مضطرباً. أما هو، فكان يتأرجح بين التصديق والتكذيب، وقد أنهكه كثرة الكلام حتى تسرّب إليه الشك.
يصدر القاضي حكمه بعد سماع الشهود:
"ينص القانون على أن تُلقى بها في النهر. فإن اعترفت فهي مذنبة، وإن نجت وهي مقيدة فهي بريئة"
تتمتم هي في داخلها:
- حين تُسلب الإرادة، يصبح الفعل ظلاً للظروف، وتظل النفس أسيرة ما يُملى عليها حتى تنكشف الحقيقة"
وفي مشهدٍ أشبه بخروجٍ من رحم العدالة إلى قسوة المصير، تُقاد إلى النهر، بحضور كاهن المعبد وجمعٍ من الرجال والصبية. كان الألم يتسع داخله كلما بدأ وعيه يتفتح على ما يحدث. وفي طريقها إلى المصير، تدور في ذهنها أروقة المحكمة:
- أما كان لهذا القاضي أن يمتلك محكمةً داخل نفسه؟ ادعاءً ودفاعاً بينه وبين ضميره؟ فالادعاء يدين، والدفاع يبرر، والغرور يعمي القلوب، والظلم إن تُرك بلا مساءلة يستمر.
تخطر له صورة أطفاله، ودموعهم، وذكريات السنوات التي عاشها بجانبها. وحين قيدت أمام عينيه، يضطرب داخله حتى العظم.
يتساءل:
- أأمضي بما تمليه عليّ النواميس؟ وهل يقبل الإله آشور ما أفعل إن استشفعت به الآن؟
ثم يرد على نفسه:
- لا… لا يمكنني التراجع، فقد رفعت الشكوى. يجب أن يُنفذ الحكم.
لكن الصراع بين الرحمة والواجب يشتد، فيسحبها إلى حافة الصخرة المطلة على النهر العنيف. تنهار عند قدميه، تقبلهما وهي ترتجف، تستجدي الحياة بوجهٍ شاحب منكسر. يغضّ بصره، لكن الأوان قد فات. يدفعها، فتهوي، ويعلو صراخها حتى يملأ الفضاء.
يمر وقتٌ ثقيل. يتردد في الأرجاء صوت واحد:
"لن تطفو… فهي مذنبة"
يبقى واقفاً، يحدق في الماء، ينتظر ما لن يأتي.
"أحقاً ستخرج؟"
لكن النهر يلتهم الإجابة.
يعود مثقلاً بصدى صراخها، كأن الخطوات تعيد كل لحظة إلى صدره. يصرخ:
- كيف قتلتُ إنسانة قد تكون بريئة؟
وحين يهب الليل، لا يهدأ داخله. النهر في رأسه لا يتوقف، وصوتها يخرج من الأعماق لا من الماء. كلما حاول النوم، انبثق وجهها من الظلال، لا كخوفٍ فقط، بل كحسابٍ مؤجل. وفي لحظة اختلط فيها الواقع بالوهم، تمتد يدان من العدم إلى عنقه، لا لتخنقه، بل لتعيد إليه أنفاسه المفقودة.
يصرخ:
- كنت مخطئاً… اغفري لي.
فتبتسم في العتمة ابتسامة رماد:
"الغفران لا يُستعاد بعد الموت، ولا تنبت البذور في أرضٍ سُقيت بالندم"
ثم تختفي.
ويبقى صوته يتهدج في الفراغ:
- كم مرة يجب أن أغرق لأتطهر من خطيئتي؟
وفي صباحٍ باهت، على ضفة النهر، لا يُرى سوى أثر خطواتٍ يتجه نحو الماء… ثم لا شيء بعدها.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد
- قصة قصيرة: اللقاء الأخير
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني


المزيد.....




- ساحة الملحمة في جرش تحيي صناعات أردنية تراثية
- مواهب من روسيا والعالم تجتمع في موسكو ضمن المنتدى الثقافي ال ...
- مصر.. إلغاء العرض الخاص لفيلم -الجواهرجي- بعد وفاة شقيق محمد ...
- فيلم -الأوديسة- ينعش سياحة صقلية بنصف مليار دولار
- -فخٌّ أطاح بالشاه ويهدد ترمب-.. هكذا جددت الحرب الأمريكية ال ...
- فيلم -سبايدر مان- الجديد يحقق إيرادات 927 مليون دولار عالميً ...
- نوع من الحبوب يحسن التمثيل الغذائي ويحارب تراكم الدهون في ال ...
- في قلب جبال سوتشي.. -روزا خوتور- يعرّف السياح العرب على ثقاف ...
- فنانة تركية تقطع وعدا على نفسها في حال نجاح طرابزون سبور في ...
- حين أصبح رسم تحضيري أغلى من تحفة فنية.. قصة عمل إيفانوف النا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: محاكمة أنثى