أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - مسرحية -أوهام على شاطئ بونتوس-.... تراجيكوميديا في ثلاثة فصول















المزيد.....

مسرحية -أوهام على شاطئ بونتوس-.... تراجيكوميديا في ثلاثة فصول


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 00:20
المحور: الادب والفن
    


الشخصيات

· المُخْرِج – راوٍ/شبحٌ يتحكم في الخيوط، يجلس خلف كواليس الكون
· زيلينسكي – رئيسٌ أوكراني، راقص مبتذل سابقٌ يحاول إقناع العالم بأنّه قيصر
· قائد الناتو – جنرالٌ عجوزٌ يعيش على أمجادٍ باردة
· ضابط آزوف – شابٌّ متعصبٌ يرتدي شارةً نازيةً حديثةً، يحلم بهتلر الجديد
· المفوضة الأوروبية – سيدةٌ أنيقةٌ تحمل حقيبةً مليئةً باليوروهات، توزّعها كالحلوى
· المواطن الألماني – رجلٌ بسيطٌ ينظر إلى فاتورة الكهرباء برعب
· المواطنة الفرنسية – أمٌّ تحاول تدبير لقمة عائلتها
· الجندي الروسي – جنديٌّ عاديٌّ، يرتدي معطفاً ثقيلاً، ويسأل عن معنى الحرب
· صوت البحر الأسود – صوتٌ غامضٌ يخرج من الأمواج

………

الفصل الأول

قاعة الناتو الرخامية – أوهامٌ تتراقص على أنغام الأبواق

المشهد الأول

قاعةٌ فخمةٌ في بروكسل، جدرانها من الرخام الأبيض، وتماثيلُ جنودٍ من العصر الحجري الحديث تُزيّن زواياها. قائد الناتو جالسٌ على كرسيٍّ مرتفعٍ، يمسك بعصاٍ فضية، يلوّح بها كالمارشال. حوله طاولةٌ مستديرةٌ، عليها كؤوسٌ من الكريستال، وخرائطُ منسيةٌ لأوكرانيا. يدخل المخرج من الخلف، مبتسماً، يحمل دفتراً قديماً.

المخرج: (للقائد)
حلمٌ جميلٌ أيها القائد.. تنسج خيوطه من الحرير الأطلسي، وتعلّق عليه أجراس النصر. لكنّ الرياح الباردة تهبّ من الشرق، ألم تشعر بها؟

قائد الناتو: (متعجرفاً)
الرياح؟ نحن الناتو، يا صاحبي، نصنع الرياح ونوجّهها! أليس في جعبتنا ألفُ صاروخٍ، وعشرةُ آلاف دبابة، ومائةُ ألف جنديٍّ مُدرَّب؟! إنّها مجرّد نزلةٍ شتويةٍ في أوكرانيا، سرعان ما تزول.

المخرج: (يضحك بهدوء)
شتاءٌ أيها القائد.. لكنّه ليس شتاء 1941، حين جمّد الألمان أمام موسكو. هذا شتاءٌ مختلف، يأتي من قلب الاقتصاد، ومن أعماق النفوس، ومن بطون الجياع في مدنكم الأوروبية. أنتم تلعبون الشطرنج على لوحٍ جليدي، تظنّون أنّكم تتحكّمون في القطع، بينما اللوح يذوب تحت أقدامكم.

قائد الناتو: (ينتفض)
نحن ندافع عن الديمقراطية! ندافع عن حقوق الإنسان! ندافع عن القيم الأوروبية! ألا يكفي ذلك لتقديس المهمّة؟

المخرج: (يتنهد)
القيم.. أيها القائد، كم هي جميلةٌ عندما تُطرّز على أعلام الحرب! لكنّ الفلاح البولندي لا يرى في فاتورة التدفئة سوى رقمٍ يرتفع، والموظف الفرنسي لا يرى في راتبه سوى ضعفٍ يتراجع. القيم تحتاج إلى خبزٍ قبل أن تحتاج إلى خطابات. هل تظنّ أنّ الأمّهات في برلين يفرحن لأنّ صواريخكم تصل إلى كييف، بينما أبناؤهنّ يعانون من البطالة؟ (يقترب منه) ألم تدركوا بعدُ أن الحرب صارت سلعةً تستهلك شعوبكم؟

قائد الناتو: (يلوّح بعصاه)
إنّه تضحياتٌ ضرورية! وكما قال أسلافنا: لا نصر بلا تضحيات!

المخرج: (يبتسم ساخراً)
أسلافكم قالوا ذلك في حربٍ كانت تُدار برصاصٍ حقيقي. أمّا اليوم فتُدار بفواتيرَ حقيقيةٍ أيضاً، لكنّها تُسحب من جيوب من لا صوت لهم في القاعات الرخامية. (يُشير إلى الخرائط) هذه الخرائط التي تنظُرون إليها ليست سوى مرايا تعكس أوهامكم.. أوهام السيطرة، أوهام الهيمنة، أوهام النصر السريع. هيا، لِنذهب إلى كييف، لنرَ كيف يبدو المشهد على أرض الواقع.

قائد الناتو: (يضيق صدره)
إلى كييف؟ لكنّها محاصَرة!

المخرج: (يأخذ بيده)
تماماً.. لهذا سنذهب. فالوهم يحتاج إلى مرآةٍ حقيقيةٍ ليُفنّد.

يُطفأ الضوء. صوتُ دويّ قصف بعيد. تتراقص ظلالٌ على الحائط.

……..

المشهد الثاني

خندقٌ في ضواحي كييف. المطر يتساقط، والطين يلتصق بالأحذية. زيلينسكي واقفٌ أمام كاميراٍ صغيرةٍ، يرتدي سترةً خضراء، يحاول إلقاء خطابٍ مؤثّر. إلى جانبه ضابط آزوف، يحمل بندقيةً وشارةً عليها صليبٌ معقوفٌ حديث. المخرج يراقب من بعيد.

زيلينسكي: (إلى الكاميرا)
إلى العالم الحرّ.. ها نحن نقف في وجه الطوفان، ندافع عن كلّ شبرٍ من أرضنا، عن كلّ بيتٍ، عن كلّ طفل. ندعوكم إلى مزيدٍ من السلاح، مزيدٍ من الدعم، مزيدٍ من الإيمان بنصرنا المحتوم. (يلتفت إلى ضابط آزوف) أليس كذلك أيّها الضابط؟

ضابط آزوف: (بلهجة متعصّبة)
النصر سيكون حليفنا، يا سيدي الرئيس. فكما انتصر أسلافنا العظام على البرابرة في الماضي، سننتصر اليوم على الاحتلال الآتي من الشرق. النازية الجديدة ستُطهّر الأرض من كلّ دنس! (يرفع بندقيته)

المخرج: (يتقدّم، يضحك)
نازيةٌ جديدةٌ لتطهير الأرض.. هل سمعتم بأنفسكم يا سادة؟ إنّها كوميديا الأمس تعيد نفسها، لكنّ الأزياء تغيّرت. (إلى ضابط آزوف) اسمع أيها الشابّ، لقد انتهت الحرب العالمية الثانية منذ سبعين عاماً، وهتلر تحوّل إلى رمادٍ في قبو برلين. هل تظنّ أنّ إعادة إحياء شعاراته ستمنحكم النصر؟ ألا تعلمون أنّ التاريخ يسخر ممّن يحاولون تقليده؟

ضابط آزوف: (مستفزّاً)
نحن لسنا مقلّدين، نحن مُجَدِّدون! العرق الآري ينهض من جديد، وسنُري العالم معنى القوّة الحقيقية!

المخرج: (يقهقه بمرارة)
العرق الآري.. ألم تحرقوا أنفسكم في ألمانيا بعد أن خسرتم؟ ألم يفرّ النازيون إلى أمريكا الجنوبية يائسين؟ وأنتم تعيدون الكرّة وكأنّ شيئاً لم يحدث؟ (يُشير إلى الجنود في الخندق) انظر إلى هؤلاء الرجال، إنّهم لا يريدون عرقاً ولا تطهيراً، بل يريدون العودة إلى بيوتهم، إلى أطفالهم، إلى حياةٍ طبيعية. أمّا أنت فتملأ رؤوسهم بأوهام هتلرية لا تقود إلاّ إلى المقابر.

زيلينسكي: (مُنزعجاً)
من أنت أيّها الدخيل؟ هذا خطابي الوطني، لا تفسده بتهكمك!

المخرج: (يقترب منه)
أنا صوتُ الحقيقة التي تتجنّب سماعها. أنت تمثّل دور القائد، لكنّك في الحقيقة ممثلٌ يبحث عن دورٍ بطوليٍ في مسرحيةٍ لم يكتبها بنفسه. هل تعلم كم من الأموال أنفقتها أوروبا لدعمك؟ هل تعلم أنّ كلّ يورو يُرسل إليك يُخصم من لقمة طفلٍ في اليونان أو إيطاليا؟ وأنت تقف هنا، تصوّر فيديوهات، وتطلب المزيد، وكأنّ الحرب لعبة فيديو تُشترى نقاطها بالمال.

زيلينسكي: (يصرخ)
أنا أدافع عن بلدي! عن أهلي! عن أوكرانيا التي يحاولون محوها من الخريطة!

المخرج: (بهدوء)
أوكرانيا ليست في خطرٍ من روسيا وحدها، بل في خطرٍ من الذين يستخدمونها ساحةً لصراعاتهم. أتظنّ أنّ الناتو يريد حماية أوكرانيا؟ إنّه يريد تقطيع جسدها ليأخذ ما يشاء. أتظنّ أنّ المفوضية الأوروبية تغدق عليكم الأموال حبّاً بكم؟ إنّها تشتري وقتاً، وتؤجّل انهيارها الداخلي على حساب دمائكم. (يضع يده على كتف زيلينسكي) استيقظ أيّها الرئيس، فالحلم ينتهي دائماً بالصحوة.

يسقط ضوءٌ أزرق. أصوات قصفٍ تتقاطع مع بكاء طفل. المطر يشتدّ.

……….

الفصل الثاني

أوديسا وعاصفة البحر – حصارٌ يُغرق أحلام التجارة

المشهد الأول

ميناء أوديسا المهجور. رافعاتٌ صدئةٌ، وسفنٌ متوقّفةٌ كالتماثيل. البحر الأسود يموج غاضباً. صوتٌ عميقٌ يخرج من الأمواج، كأنّه كائنٌ حيٌّ يتألّم. المفوضة الأوروبية واقفةٌ على الرصيف، ترتدي معطفاً أحمر، وتنظر إلى الأفق بحسرة. المخرج بجانبها.

المفوضة: (بصوتٍ متوتر)
هذا الميناء كان شريان الحياة للعالم.. ملايين الأطنان من القمح، والسلاح، والمواد الاستراتيجية كانت تمرّ هنا يومياً. والآن.. (تتنهد) صار قبوراً عائمة.

المخرج: (بسخرية لاذعة)
تسعون مليار دولار يا سيدتي أنفقتموها على هذه الحرب.. تسعون ملياراً كانت كافيةً لإطعام ملايين الجياع، لكنّكم فضّلتم شراء الصواريخ على شراء الخبز. أتدركين أن أموال دافعي الضرائب الأوروبيين تذهب إلى هذا البحر، فلا تعود، ولا تترك أثراً سوى الألم؟

المفوضة: (تدافع عن موقفها)
نحن نستثمر في الأمن الأوروبي! هذا الميناء لو سقط بيد روسيا، لسيطرت على أسواق الغذاء العالمية!

المخرج: (يضحك بمرارة)
الأمن الأوروبي؟ ألم تلاحظي أنّ أوروبا هي أوّل المتضرّرين من هذا الحصار؟ أسعار الطاقة ترتفع، سلاسل التوريد تنهار، والفقراء في مدنكم ينامون جياعاً. وأنتِ تقفين هنا، تلوّحين بشيكاتٍ فارغة، كأنّ الحرب تجارةٌ مربحة. (يُشير إلى البحر) استمعي إلى صوت الأمواج، إنّه يبكي على السفن الغارقة، وعلى الأحلام التي غرقت معها.

صوت البحر الأسود: (يُسمع من العمق)
أيّها البشر.. كم من الدماء ألقيتُم في أحضاني؟ كم من القمح أغرقتم؟ كم من الأسلحة أفسدتم؟ لقد جعلتموني مقبرةً، وأنا كنتُ ممرّاً للحياة. ارحموا أنفسكم، وتوقّفوا عن جنونكم.

المفوضة: (ترتجف)
من يتكلّم؟ هذا الصوت.. كأنّه من أعماق الزمن!

المخرج: (بهدوء)
إنّه ضميرُ البحر، يا سيدتي. البحر الذي رأى حروبا ًعديدة، وعرف أنّ كلّ إمبراطورية تنهار، وكلّ حلمٍ يتبخّر. أليس من الأجدر أن تنصرفي عن هذا المكان، وتعودي إلى بروكسل لتعلني انسحاب أوروبا من هذه المغامرة العبثية؟

المفوضة: (بحزمٍ مصطنع)
لا يمكننا التراجع الآن! لقد التزمنا، وأيدنا، وتعهّدنا..

المخرج: (يقطعها)
التزمتم بالخراب، أيّتها السيدة. أيدتم الفوضى، وتعاهدتم على إفقار شعوبكم. (يلتفت إلى البحر) انظري.. سفينةٌ جديدةٌ تحاول الاقتراب، ترى ماذا سيحدث لها؟

يظهر في الخلف سفينةٌ شحنٍ تحاول الاقتراب، فيُطلق صاروخٌ نحوها من بعيد. تنفجر السفينة، وتتصاعد النيران. المفوضة تصرخ.

المفوضة: (مذعورة)
لا! هذا فظيعٌ.. لا يمكن أن نسمح بهذا!

المخرج: (بارداً)
لقد سمحتم بذلك منذ اللحظة الأولى. الحرب لا تختار ضحاياها، وأنتم من أصرّ على إشعالها. الآن، اذهبي وتأمّلي هذا المشهد في قاعاتكم الرخامية، واقنعي الأوروبيين بأنّكم تحمونهم.

يُطفأ الضوء. صوت انفجارٍ يتلوه صمتٌ مطبق.

………

المشهد الثاني

غرفة معيشةٌ متواضعةٌ في برلين. المواطن الألماني جالسٌ على كرسيٍّ متهالكٍ، يمسك بفاتورة الكهرباء، يرتجف. إلى جانبه المواطنة الفرنسية، تجلس على الأرض، تحاول حساب نفقات الشهر. المخرج يدخل بهدوء.

المواطن الألماني: (يبكي)
ها هي الفاتورةُ تضاعفت ثلاث مراتٍ هذا الشهر. كيف سندفع؟ كيف سنعيش؟ والحكومة تقول إنّها تدعم أوكرانيا، وإنّ التضحية ضرورية. لكنّني لا أرى أيّ تضحيةٍ من أولئك السادة في بروكسل، بل أراهم يحضرون المؤتمرات الفاخرة ويصفّقون لأنفسهم.

المواطنة الفرنسية: (بحسرة)
نحن في فرنسا، الأمّهات يبكين على أسعار الحليب والخبز. أطفالي يسألونني لماذا لم نعد نشتري اللحوم كما في السابق، ولا أعرف ماذا أقول لهم. أقول لهم: هناك حربٌ بعيدة، وهناك رجالٌ يقرّرون مصيرنا من مكاتبهم المكيّفة. لكنّ قلبي ينكسر حين أراهم ينامون جائعين.

المخرج: (يجلس معهما)
أنتما يا صديقايَ، وأمثالكما، تدفعون الثمن الأكبر. لستم في ساحة الحرب، لكنّكم في ساحةٍ أخرى لا تقلّ فظاعة. إنّها ساحة المعيشة اليومية التي يجهلها القادة في قصورهم. (يمسح دمعته) كلّ يورو يُرسل إلى كييف هو يورو يُنتزع من جيوبكم. كلّ صاروخٍ يُصنع هو قمحٌ لا يُخبز. كلّ خطابٍ ناري هو ضحكةٌ على جهلكم.

المواطن الألماني: (بغضب)
هل هناك من يسمعنا؟ هل هناك من يهتمّ بمعاناتنا؟ لقد سئمنا من شعارات "التضامن" التي تعلو فوق جوعنا!

المخرج: (يهزّ رأسه)
هناك من يسمع، لكنّهم يختارون الصمم. لأنّ الحرب تجارةٌ مربحةٌ لبعضهم. لأنّ هناك شركاتٍ تستفيد من ارتفاع أسعار السلاح والطاقة. لأنّ هناك بنوكاً تربح من الفوضى. أمّا أنتم فأنتم الوقود الذي يحرّك هذه الآلة الجهنمية. (ينهض) لكنّ يوماً ما ستنفد طاقتكم، وعندها سينهار كلّ شيء. انتظروا ذلك اليوم، فلعلّه يكون فجر تحريرٍ حقيقي.

يُطفأ الضوء. صمتٌ ثقيل. ثمّ أصوات بكاءٍ خافتة.

………

الفصل الثالث

خاتمة على ضفاف النهر الجليدي – مرآة التاريخ تنكسر

المشهد الأول

قاعةٌ كبيرةٌ في قصرٍ مهجورٍ بضواحي موسكو. جدرانها مغطّاةٌ بمرايا معتّمة. يجلس المخرج على كرسيٍّ مرتفعٍ، أمامه كلّ الشخصيات السابقة: قائد الناتو، زيلينسكي، ضابط آزوف، المفوضة الأوروبية، المواطن الألماني، المواطنة الفرنسية، والجندي الروسي. الجميع ينظرون إلى مرآةٍ عملاقةٍ في وسط القاعة.

المخرج: (بصوتٍ مهيب)
ها قد اجتمعتم، أيّتها الشخصيات العابثة في مسرحية التاريخ. كلّ واحدٍ منكم حمل وهماً، وكلّ واحدٍ دفع ثمناً. لكنّ المرآة لا تكذب. انظروا إليها، واعترفوا بحقيقتكم.

تتجلّى في المرآة مشاهد متتالية: مدن أوكرانية مدمرة، أطفال يبكون، جنود يتساقطون، أسواق أوروبية فارغة، اجتماعات ناتو فارغة المضمون، زيلينسكي يلوّح بيديه في فراغ، المفوضة توزّع أوراقاً نقديةً تطير في الريح.

زيلينسكي: (بصوتٍ مكسور)
أنا كنت أظنّ أنّني القائد الذي سينقذ بلدي. لكنّني أصبحت أداةً في لعبةٍ أكبر منّي. لقد نسيتُ أن المسرح يختلف عن الواقع، وأنّ الأبطال الحقيقيين لا يُصنعون بالكاميرات.

ضابط آزوف: (خجلاً)
وكنتُ أظنّ أنّ النازية الجديدة ستمنحني الخلود. لكنّني أرى الآن أنّ تلك الأفكار مجرّد أوهامٍ تدبّ في رؤوس المرضى بالتاريخ، وأنّ هتلر لم يكن أسطورةً، بل كان مجرّد مجنونٍ أوصل ألمانيا إلى الدمار.

قائد الناتو: (يتنهد)
كنتُ أؤمن أنّ قوّتنا العسكرية ستُخيف العالم. لكنّ العالم لم يخَف، بل ازداد صلابةً. لقد خسرنا مصداقيتنا، وأصبحنا نادياً للعجزة الذين يحاولون إقناع أنفسهم بأنّهم أبطال.

المفوضة: (تبكي)
ودفعتُ أموالَ الشعوب في سبيل مشروعٍ لم ينجح. لقد خانني التفاؤل، وخانني المنطق. أوروبا تنزف، وأنا وقفتُ على جرحها أصفّق للمشهد الدموي.

المواطن الألماني: (بمرارة)
ونحن دفعنا الثمن من جيوبنا الفارغة، ومن أحلامنا المحطّمة. حربٌ لا ناقة لنا فيها ولا جمل، لكنّها أفقرتنا وأمرضتنا.

المواطنة الفرنسية: (بصوتٍ مرتجف)
أطفالي لن ينسوا تلك السنوات التي حرموا فيها من قوتهم، بينما القادة يتغذّون على أوهامهم.

الجندي الروسي: (بهدوء)
وأنا هنا، أقف بينكم، لا أحمل كرهاً لأحد. كلّنا ضحايا هذه اللعبة العبثية. أنتم تخسرون أموالكم، ونحن نخسر شبابنا. لا منتصرٌ في هذه الحرب، إلاّ الموت والخراب.

……..

المشهد الثاني والأخير

تتحطّم المرآة فجأةً بأصواتٍ مدوّية. ينهض المخرج، ويمسح الغبار عن وجهه. يتقدّم نحو خشبة المسرح، ويخاطب الجمهور (الخيالي).

المخرج: (بصوتٍ حزينٍ وساخر في آن)
أيّها السادة، أيّتها السيدات.. لقد شاهدتم مسرحيةً لا تُعرض في أيّ مسرحٍ بروكسلي، ولا في أيّ سينما واشنطنية. لكنّها تُعرض كلّ يومٍ على أرض الواقع، بمشاهدها الدامية، وحواراتها السخيفة، وشخصياتها المتناقضة.

الناتو يحلم، وزيلينسكي يمثّل، وأزوف يتعصب، والمفوضية تنفق، والأوروبيون يدفعون، والروس يموتون. والكلّ ينتظر النهاية. لكنّ النهاية ليست قريبةً، لأنّ أرباب الحرب يربحون من استمرارها، ولأنّ العقول المريضة بالأوهام لا تشفى بين عشيّةٍ وضحاها.

(يقترب من الجمهور)
لكنّ هناك بصيصاً من أمل: حين يعي الأوروبيون أنّ لقمة عيشهم أهمّ من خرائط الناتو، وحين يدرك الأوكرانيون أنّ دماءهم أغلى من صواريخ الغرب، وحين يفهم الروس أنّ جيرانهم ليسوا أعداءً، وحين تسقط الأقنعة عن وجوه المتاجرين بالحروب. عندها فقط، ستُسدل الستارة على هذه التراجيكوميديا البشرية. (يضحك بحزن) أو ربّما تُرفع ستارةٌ جديدةٌ لمسرحيةٍ أخرى، لأنّ الإنسان لا يتعلّم من دروس التاريخ إلاّ نادراً.

يُضيء نورٌ خافتٌ، وتظهر الشخصيات واقفةً في صفٍّ واحدٍ، تتصافح، وكأنّها في نهاية عرضٍ مسرحي. ثمّ يختفون واحداً تلو الآخر، ويبقى المخرج وحيداً على الخشبة.

المخرج: (همساً)
بونتوس.. أيّها البحر الأسود الحزين.. كم من أوهامٍ غرقت في أعماقك؟ وكم من حقيقةٍ ما زالت تطفو على سطحك، تنتظر من يلتقطها؟ (يُخاطب الجمهور) لعلّكم أنتم من تلتقطونها، فتنقذون العالم من شرّ مسرحيته القادمة.

يُسدل الستار ببطء. صمتٌ ممزوجٌ بالتصفيق البعيد.

………

خاتمة المخرج (بعد الستار)

ليس المهمّ أن نضحك من أوهامهم، فالسخرية سهلة. المهمّ أن نعرف أنّ كلّ هذه الأوهام تُكلّفنا أرواحاً وأموالاً ومستقبلاً. الناتو لن ينتصر، وزيلينسكي لن يخلد، وأزوف سينتهي كما انتهى أسلافهم، وأوروبا ستصحو يوماً على كابوس فواتيرها. السؤال الأعمق: هل سنصحو نحن قبل فوات الأوان، أم سنظلّ جمهوراً يصفّق لمسرحيةٍ لا يفهم لغتها، ويحمل أعباءها دون أن يدرك؟

يُطفأ النور الأخير، ويسقط الستار نهائياً.

نهاية المسرحية



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قاعدة العديد ... أو كواليس توزيع البضاعة الفاسدة- مسرحية كوم ...
- مذكرات كاتب في بلاد الرمال الذهبية- رواية ساخرة
- مسرحية: رقعة شطرنج مكسورة .. مهزلة جيوسياسية في ستة مشاهد
- الاختطاف العسكري للرئيس الفنزويلي والاستيلاء على عائدات النف ...
- تحليل قانوني لعزل ترامب وملاحقته الجنائية في ولايته الثانية
- تمهيد لروايتي : اطلس الضحكة الأخيرة
- تطبيق مفهوم الحصار كجريمة حرب على اليمن وكوبا – تحليل قانوني ...
- الحظر اليمني على مرور السفن السعودية في باب المندب: قراءة بن ...
- مسرحية -شهادة ميلاد ألمانية-..كوميديا سوداء في فصلين عن عقدة ...
- كيف تتحول بروكسل إلى هوليوود والاتحاد الأوروبي إلى فيلم رعب ...
- -بروكسل – مدينة الضمائر المعلّقة-..كوميديا سياسية سوداء في ث ...
- الاتحاد الأوروبي: قوة رجعية؟ دراسة في البنية السياسية والاقت ...
- مفوضية بروكسل الضاحكة : كوميديا دستورية في عدة لوحات
- مقدمة كتابي الصادر اليوم : حروب الوعي: كيف صُنعت الطاعة وكيف ...
- الجمهورية الأوروبية الضاحكة: مسرحية ساخرة في أربعة فصول وديو ...
- مسرحية -كَيْفَ تُبَيِّضُ وَجْهَكَ يَا بَتْرُودُولَار؟-
- -سنغافورة قادمة- .. مسرحية كوميدية في ثلاثة فصول
- الصعود التكنولوجي الصيني: من هندسة الصواريخ القابلة لإعادة ا ...
- مسرحية : فُقَهَاءُ صُرَرِ الرِيَالَاتِ.. مسرحية ساخرة جداً ف ...
- تفجير الفور سيزنس في دمشق: قراءة في رسائل القوة وصراع الاستخ ...


المزيد.....




- -سينرجي- تقرر عدم الإفصاح عن إيرادات فيلم -خلي بالك من نفسك- ...
- -من يرمي الحجر الأول-.. مسرحية سورية تستنطق العدالة في قفص - ...
- نمر سعدي: جماليات الدهشة وفتنة المجاز
- -اشتباكات غابة الأرز- لإسماعيل غزالي.. الرواية الإيكولوجية و ...
-  محافظ القليوبية يهنئ هاتفيًا أوائل الجمهورية بالشعبة الأدبي ...
- هل بدأت هوليوود تستسلم؟ أفلام الذكاء الاصطناعي تدخل سباق الم ...
- صانعة محتوى تفجر مفاجأة: -الشامي حبيبي-.. ولا تعليق من الفنا ...
- -هآرتس- تستعرض تضارب الروايات حول سبب رفض نتنياهو لقاء زيلين ...
- وزيرة الثقافة الروسية: أكثر من 60 دولة تشارك في -ليلة السينم ...
- متحف الدفاع عن سيفاستوبول يتلقى نحو 200 قطعة أثرية جديدة


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - مسرحية -أوهام على شاطئ بونتوس-.... تراجيكوميديا في ثلاثة فصول