أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منير المجيد - الصين التي تعيد رسم العالم بلا ضجيج















المزيد.....

الصين التي تعيد رسم العالم بلا ضجيج


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 21:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قام الرئيس شي جين بينغ بزيارة إلى الدانمارك في حزيران عام ٢٠١٢، وهي أول زيارة لرئيس صيني منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام ١٩٥٠. إذ رافقه وفد ضخم، وجرى توقيع اتفاقيات تتعلق بالطاقة الخضراء، والشحن البحري، والزراعة، والتكنولوجيا.
كانت الدانمارك آنذاك تنظر إلى الصين كشريك اقتصادي مهم، خصوصاً في مجالات البيئة والابتكار، ولذلك قُدِّمت الزيارة رسمياً على أنها «تاريخية» و«تعزيز للشراكة الاستراتيجية».
لكن ما بقي في ذاكرتي لم يكن الزيارة الرسمية ولا الاتفاقيات، بل حادثة صغيرة تحوّلت إلى رمز سياسي وإعلامي غطّى على باقي تفاصيلها. رجل بوليس أجبر فتاة تحمل علماً يرمز إلى المعارضة الصينية على إخفائه أثناء مرور الموكب الرسمي.
الحادثة، رغم بساطتها، أصبحت في الوعي العام أهم من الزيارة نفسها، والسبب لا يعود إلى حجم الحدث بل إلى طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي في الدانمارك والغرب عموماً.
الشرطي تعرّض إلى توبيخ مهذب لأنه «قمع» مواطنة في إحدى مقدسات النظام الدانماركي، ألا وهي حرية التعبير. ومازال الخطاب السياسي والإعلامي يهمل، وإلى حد كبير، ما تنجزه الصين، ويتحدث دون ملل عن الحريات السياسية هناك.

هذه المفارقة، في واقع الأمر، تكشف شيئاً أعمق، فالغرب لا يرى الصين كما هي، بل كما يريد أن يراها.
هنا، وفي محاولة للذهاب عكس التيار، يصبح من الضروري كتابة ما يشبه دراسة قصيرة عن معجزة الصين الاقتصادية، وعن التحول الحضاري الذي جعل هذا البلد ينتقل خلال عقود قليلة من دولة منهكة إلى قوة عالمية تعيد تشكيل النظام الدولي.

صديق دانماركي كان يزور الصين في السبعينيات والثمانينيات بحكم عمله في تصدير الخبرات الزراعية والثروة الحيوانية، كان يحدثني عن المستوى البائس للفنادق، وانعدام الغرف المنفصلة والإستعاضة عنها بمهاجع، وعن المطاعم التي كانت تفتقر إلى القواعد الصحية، وعن طريقة تناول الطعام، من الوزراء الذين كان يجتمع بهم إلى الموظفين.
حسناً، كانت الصين آنذاك بلداً فقيراً، مُتهالكاً، يعيش على هامش العالم الصناعي.
والسؤال الذي يفرض نفسه علي «ماذا فعل هذا البلد منذ تلك السنوات، التي ليست بالبعيدة، وحتى الآن؟».

حين نتحدث عن الصين بعد صعودها الهائل خلال العقود الأربعة الماضية، فإننا نتحدث، علاوة على النمو الاقتصادي، عن إعادة تشكيل كاملة لمفهوم الدولة الحديثة، وعن إنجازات حضارية جديدة لا علاقة لها بتاريخ الصين القديم كإحدى أعرق الحضارات، عن قدرتها على إنتاج حداثة خاصة بها في القرن الحادي والعشرين.
الصين اليوم تبرز كثاني أكبر اقتصاد في العالم، بعد أن أطاحت بترتيب اليابان ومن ثمّة ألمانيا، وكدولة أعادت تعريف معنى التقدم، وقدّمت نموذجاً مختلفاً عن النموذج الغربي، وعن النموذجين الياباني والكوري اللذين سبقاها في مسار التحديث. ولدي سبب وجيه في إجراء مقارنة بين اليابان وكوريا مع الصين، بسبب جغرافية المكان والكد الآسيوي الشرقي في العمل والإنجاز، وأيضاً في النهضة السريعة.

أبرز إنجازات الصين الحديثة يمكن تلخيصها في ثلاثة مستويات مترابطة تتعلّق بالتحول الاجتماعي، والطفرة التكنولوجية، وإعادة بناء البنية التحتية والقدرة الصناعية.
فعلى المستوى الاجتماعي، نجحت الصين في إخراج أكثر من سبعمائة مليون شخص من دائرة الفقر خلال فترة قياسية، وهي أكبر عملية انتقال اجتماعي في التاريخ الحديث. هذا التحول أعاد تشكيل الطبقة الوسطى التي أصبحت اليوم أكبر طبقة وسطى في العالم، وهي القوة التي تدفع الاستهلاك والإنتاج والاستقرار السياسي.
الإنجاز هذا لا يشبه أي تجربة أخرى، لأن حجمه غير مسبوق، ولأن الدولة الصينية استطاعت أن تربط بين النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي بطريقة لم تحدث في أي دولة نامية أخرى.
أما على المستوى التكنولوجي، فقد تحولت من دولة مستوردة للتكنولوجيا وتقليدها، إلى دولة منتجة لها، لا بل منافسة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والاتصالات، والروبوتات، والرقمنة، والحوسبة الفائقة.
شركات مثل هواوي، علي بابا، تينسنت، وBYD هي شركات ناجحة، إلى جانب أنّها مؤسسات تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.
الصين اليوم تقود العالم في شبكات الجيل الخامس، وفي تصنيع البطاريات، وفي السيارات الكهربائية، وفي تطبيقات الذكاء الاصطناعي على مستوى الدولة والمجتمع.
باعتراف الخبراء، فان السيارات الكهربائية الصينية، هي الأفضل عالمياً، تقنياً وأداءً وسعراً، لكن المستهلك الغربي مازال يشكّ بجودتها، وشريحة منهم تعتقد أن السلطات الصينية ستقوم بمراقبته من خلالها. ينطبق الأمر على هواتف هواوي وبرامج الذكاء الإصطناعي ومنصة التيك توك أيضاً، مُتناسين التطبيقات والمنصات الأمريكية.
هذا التحول لم يحدث في اليابان ولا في كوريا بهذه السرعة، لأن الصين، إضافة إلى نقل التكنولوجيا، عملت على بناء منظومة بحث وتطوير ضخمة، واستثمار هائل في الجامعات والمختبرات، وعلى قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو أهداف استراتيجية طويلة المدى.
أمّا على مستوى البنية التحتية، فقد قدّمت الصين نموذجاً غير مسبوق في بناء المدن والطرق والسكك الحديدية. شبكة القطارات فائقة السرعة هي الأكبر في العالم، والموانئ الصينية هي الأكثر تطوراً، والمدن الجديدة مثل شينزن وبكين وشنغهاي أصبحت مختبرات حضرية للحداثة.
هذا الإنجاز لا يشبه التجربة اليابانية التي اعتمدت على تحديث تدريجي بدأ منذ القرن التاسع عشر، ولا يشبه التجربة الكورية التي ركزت على التصنيع الثقيل ثم التكنولوجيا. الصين قامت ببناء دولة حديثة خلال جيل واحد، وبسرعة لا يمكن مقارنتها بأي تجربة أخرى.

لكن الفرق الجوهري بين طفرة الصين الحديثة وبين اليابان وكوريا يكمن في طبيعة النموذج نفسه. اليابان، بعد إصلاحات ميجي، تبنّت نموذجاً غربياً في التحديث. في شكل الدولة القومية المركزية، والإقتصاد الصناعي، والإنفتاح على التكنولوجيا الغربية، ثم لاحقاً اقتصاد السوق المتقدم. وكوريا الجنوبية تبنّت نموذجاً مشابهاً بعد الستينيات، مع دولة قوية تقود التصنيع، ثم ذاك الإنتقال التدريجي إلى الديمقراطية واقتصاد السوق. كلا النموذجين كانا مرتبطين بالغرب، سواء عبر التحالفات العسكرية أو عبر الاعتماد على التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي.

الصين، في المقابل، لم تتبنَّ النموذج الغربي، بل صنعت نموذجاً هجينا يجمع بين الدولة القوية والسوق الديناميكية، وبين التخطيط المركزي والانفتاح الاقتصادي، وبين الهوية الحضارية القديمة والقدرة على التحديث السريع. هذا النموذج لا يشبه اليابان التي اعتمدت على الانضباط الصناعي، ولا يشبه كوريا التي اعتمدت على التكتلات الصناعية المالية العملاقة المملوكة لعائلات كورية، مثل سامسونغ وهيونداي، وهي تكتلات تُدعى بالـ «شيبول»، والتي نشأت بدعم مباشر من الدولة لتقود التصنيع والتصدير سريعاً.
النموذج الصيني يقوم على قدرة الدولة على تعبئة الموارد، وعلى رؤية طويلة المدى، وعلى استخدام التكنولوجيا كأداة لبناء القوة الوطنية. لذلك فإن طفرة الصين تتجاوز الطفرة الإقتصادية، لتصبح طفرة حضارية تعيد تعريف معنى الحداثة نفسها.

وهنا يظهر الفرق الأعمق. اليابان وكوريا اللتين صعدتا ضمن النظام العالمي الذي يقوده الغرب، بينما الصين صعدت كقوة تعيد تشكيل هذا النظام. اليابان أصبحت قوة اقتصادية لكنها بقيت ضمن المظلة الأمريكية، وكوريا أصبحت قوة صناعية لكنها بقيت جزءاً من النظام الليبرالي العالمي. الصين، في المقابل، صعدت كقوة مستقلة، ذات نموذج سياسي واقتصادي مختلف، وهذا ما يجعل صعودها أكثر إثارة للجدل وأكثر تأثيراً في النظام العالمي. ولذلك فإن الخطاب الغربي يتعامل مع الصين بطريقة مختلفة تماماً عن اليابان وكوريا، مُعتبرة إيّاه خلافاً آيديولوجياً، لأن صعود الصين يهدد المركزية الغربية، بينما صعود اليابان وكوريا لم يهددها.

ولا بدّ في هذا السياق من التعمّق قليلاً في القراءة النقدية للخطاب الغربي، إذ يتضح أن المسألة ليست مجرد اختلاف في التقييم، بل اختلاف في البنية المعرفية نفسها. فالخطاب الغربي ما يزال أسير مركزية حضارية ترى أن الحداثة لا يمكن أن تُنتج إلا في الغرب، وأن أي حداثة أخرى هي إما ناقصة أو مشوهة أو خطرة. لذلك يصبح نجاح الصين في بناء نموذج تنموي خاص بها حدثاً مزعجاً، لأنه يكسر احتكار الغرب للحداثة، ويقدّم مثالاً على إمكانية وجود طرق أخرى للتقدم. هذا التحدي يجعل الخطاب الغربي يتخذ طابعاً دفاعياً، بل أحياناً عدائياً، لأنه يرى في نجاح الصين تهديداً لسرديته عن نفسه قبل أن يكون تهديداً لمصالحه. وأوضح مثال على ذلك هو ما فعله ترامب، في رئاسته الثانية، من محاولات فاشلة حتى اليوم، لخنق وتقزيم القوة الإقتصادية الصينية الهائلة، بوضع ضرائب جمركية هنا وهناك على البضائع، شملت دول العالم الاخرى أيضاً. في الوقت الذي كان بقية زعماء العالم، وحتى المتحالفين معه، يستجدونه لإلغائها، أو حسب تعبير ترامب السوقي الإعتيادي «كانوا يلعقون مؤخرتي»، رأت الصين، ومن خلال دبلوماسيتها الهادئة، أن تعامله بالمثل، ولتهزمه في نفس الوقت.

من هنا يمكن فهم لماذا لا تأتي «أخبار جيدة» من الصين في الإعلام الغربي، رغم أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي يشير إلى إنجازات غير مسبوقة. فالغرب ينكر هذه الإنجازات، لكنه يعيد تأطيرها ضمن خطاب يربط كل تقدم صيني بالخطر، وكل توسع اقتصادي بالتهديد، وكل تطور تكنولوجي بالمراقبة والسيطرة. هذا التأطير هو جزء من ماكينة رمزية تعمل على حماية صورة الغرب الذي يعتبر نفسه مركزاً للعالم.
لذلك يصبح نجاح الصين في الذكاء الاصطناعي أو الرقمنة أو البنية التحتية دليلاً على «تغوّل الدولة»، بينما يُنظر إلى نجاح الغرب في المجالات نفسها بوصفه انتصاراً للابتكار والحرية. هنا يظهر التناقض البنيوي في الخطاب الغربي.

التناقض هذا يكشف أن الخطاب الغربي لا يتبع إجراءات تحليل الواقع، لكنه إنتاج للواقع وفق رؤية سياسية ومعرفية محددة.
فالغرب، (خاصة الولايات المتحدة)، يرى في الصين منافساً استراتيجياً يهدد هيمنته الاقتصادية والتكنولوجية. لذلك يصبح الإعلام جزءاً من أدوات الصراع، عبر التركيز على السلبيات، وتضخيم الأخطاء، وتجاهل الإنجازات، وإنتاج سرديات تربط الصين دائماً بالاستبداد، وانتهاك حقوق الإنسان، والتهديد العالمي.
هذا، بطبيعة الحال، لا يعني أن الصين بلا أخطاء أو بلا مشكلات، بل يعني أن الخطاب الغربي لا يقدّم صورة متوازنة، لكن صورة انتقائية تخدم أهدافاً سياسية.

رغم أن الصين تخلو من إنتاج البترول، لكنها، وبفضل التركيز على مصادر الطاقة البديلة والبيئية، صارت تمتلك طاقة كهربائية تفوق ما تمتلكه أمريكا وأوروبا والهند مجتمعات. وهي ضرورة لا بد منها لتطوير التقنيات الرقمية، وعلى رأسها الذكاء الإصطناعي. وهذا يقودني إلى النظر في التوقعات المرتقبة في دور الصين العالمي مستقبلاً.

الصين الآن قوّة صعدت إقتصادياً بمقاييس مذهلة، وقوة حضارية تعيد صياغة علاقتها بالعالم، وتعيد تشكيل النظام الدولي على نحو لم يشهده العالم منذ صعود الغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
فهي اليوم تقف عند نقطة مفصلية: لقد تجاوزت مرحلة اللحاق بالغرب، ودخلت مرحلة إنتاج نموذج عالمي جديد، لا يقوم على الهيمنة العسكرية ولا على التبشير الأيديولوجي، بل على مزيج من القوة الاقتصادية، والقدرة التكنولوجية، والامتداد الحضاري، والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

أرى أن المستقبل الصيني يتحدد عبر مسارات كبرى: الاقتصادي، التكنولوجي، والجيوسياسي.
اقتصادياً، ستستمر الصين في التحول من اقتصاد يعتمد على التصدير إلى اقتصاد يعتمد على الاستهلاك الداخلي والابتكار، وهو ما يعني أن الطبقة الوسطى التي صنعتها خلال العقود الماضية ستصبح القوة المحركة للنمو. هذا التحول سيجعل الصين أقل عرضة للتقلبات العالمية، وأكثر قدرة على الحفاظ على استقرارها الداخلي.
تكنولوجياً، ستواصل الصين الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والفضاء، والبيولوجيا المتقدمة، وهي مجالات ستحدد شكل القوة في القرن الحادي والعشرين. الصين لا تريد أن تكون مجرد مصنع للعالم، بل تريد أن تكون مختبر العالم، وهذا ما يجعل مستقبلها مرتبطاً بقدرتها على إنتاج المعرفة لا على استيرادها.
جيوسياسياً، سوف تسعى إلى بناء شبكة علاقات عالمية تقوم على المصالح الاقتصادية والبنية التحتية، بعيداً عن التحالفات العسكرية التقليدية.
والمصالح الاقتصادية تظهر في مبادرة «الحزام والطريق» التي أصبحت أكبر مشروع جيوسياسي في العصر الحديث في إنشاء الطرق وبناء الموانئ. لكنها أيضاً، في ذات الحين، إعادة رسم للخرائط التجارية والسياسية، وربط آسيا بأفريقيا وأوروبا عبر منظومة اقتصادية جديدة.
هذا الامتداد سيجعل الصين لاعباً مركزياً في كل منطقة من العالم، لا تفرض نفسها، كما أمريكا مثلاً، بمنطق القوة، بل كونها قوة تخلق الاعتماد المتبادل.

إلّا أن مستقبل الصين لا يمكن فهمه دون النظر إلى علاقتها بالغرب. فالغرب، الذي اعتاد أن يكون مركز العالم، يجد نفسه اليوم أمام قوة لا تشبهه، ولا تتبنى نموذجه السياسي، لكنها تنجح في مجالات كان يُفترض أنها حكر على الليبرالية.
هذا التحدي يجعل العلاقة بين الصين والغرب علاقة توتر دائم، بسبب المصالح والسرديات.
الغرب يرى في الصين تهديداً لنموذجه، والصين ترى في الغرب قوة تحاول إعاقة صعودها. هذا التوتر سيستمر، لكنه لن يتحول إلى صراع شامل، لأن الصين ليست دولة توسعية بالمعنى العسكري، بل دولة توسعية بالمعنى الاقتصادي والتكنولوجي.

التحولات الحضارية التي يقودها هذا البلد ستعيد تشكيل العالم على مستوى أعمق من السياسة والاقتصاد. فهي تقدم نموذجاً جديداً للحداثة، لا يقوم على الفردانية المطلقة، ولا على الليبرالية السياسية، لكن على الدولة القوية التي تقود التنمية. هذا النموذج سيصبح جذاباً لكثير من الدول النامية التي تبحث عن طريق للتقدم لا يمر عبر بوابة الغرب. وهنا يكمن الأثر الحضاري للصين، فهي تقدم بديلاً يتجرّد عن القوة المنافسة.

أثر الصين على النظام العالمي، سيكون إعادة توزيع لمراكز القوة. العالم الذي كان أحادي المركز بعد الحرب الباردة، أصبح اليوم متعدد المراكز، والصين هي المركز الأكبر في هذا التعدد. هذا لا يعني أنّها ستقود العالم كما قادته الولايات المتحدة، بل يعني أن العالم سيصبح شبكة من القوى المتداخلة، حيث تلعب الصين دوراً محورياً في الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية، بينما يحتفظ الغرب بدوره في الثقافة والبحث العلمي والمؤسسات الدولية. هذا التعدد سيخلق نظاماً عالمياً أكثر تعقيداً، لكنه أيضاً أكثر توازناً، لأن القوة لن تكون حكراً على جهة واحدة.

في المستقبل، ستواجه الصين تحديات داخلية أيضاً تتمثّل في شيخوخة السكان، والتفاوت الاقتصادي، والضغوط البيئية، والتوترات الإقليمية. لكنها تمتلك قدرة استثنائية على التخطيط طويل المدى، وعلى تعبئة الموارد، وعلى تعديل سياساتها بسرعة، وهي قدرات لا تتوفر في كثير من الدول الغربية التي تعاني من الانقسام السياسي والجمود المؤسسي.
لذلك فإن مستقبل الصين سيكون مساراً تصاعدياً، لأن الدولة الصينية تمتلك أدوات التعامل مع الأزمات بطريقة مختلفة عن الدول الليبرالية، وسوف تنتقل إلى مرحلة جديدة تصبح فيها قوة حضارية عالمية، قادرة على التأثير في شكل العالم، وفي معنى الحداثة، وفي طبيعة النظام الدولي.
الصين ستكون قوة معرفية ورمزية، تقدم للعالم نموذجاً آخر للتقدم، وتعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الاقتصاد والسياسة، وبين الحضارة والحداثة.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية التراث بين فيلم نولان واليمين
- مصانع كوريا الثقافية
- نهاية سلطة العالم القديم وصعود السلطة الخوارزمية
- توسيع إطار السرد في ردٌّ إلى السيد حسين علوان حسين
- سردية الإباحية اليابانية عبر القرون، من الشونغا إلى الدمى ال ...
- من تيزُكا إلى ميازاكي: صارت طفولة اليابان فلسفة وطن
- «جيلٌ يعيش فوق خطّ الصدع»، عن الفيلم الياباني «النهاية السعي ...
- «القلق الياباني الجميل»، من القصيدة إلى السينما
- الولايات المتحدة بين التاريخ والتحوّلات المعاصرة.
- قراءة في الشعبوية الدينية من أمريكا إلى الشام
- حين غنّت تونس بيرة وشمپانيا
- المونديال: كرة الفقراء التي صارت بورصة الأغنياء
- اليابانية يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك لا كزينة سردية
- قراءة مُتأخرة «للرواية الأخيرة» لماركيز
- عبد الناصر في القامشلي
- خليل صويلح يشعل وهج الرواية السورية
- رائحة فلسطين
- مشروع محمد عُضيمة الياباني
- إيران والتهديد الأمريكي
- «الصندوق» -رواية قصيرة


المزيد.....




- بعد شن السعودية وأمريكا ضربات في العراق.. ريناد منصور لـCNN: ...
- من وحدة سرّية إلى قفص الاتهام.. جندي احتياط إسرائيلي متهم با ...
- الحوثيون ينسخون نموذج إيران في هرمز بخطة رسوم عبور البحر الأ ...
- بعد رومانيا وهولندا.. ألمانيا تستأنف الرحلات الجوية المباشرة ...
- مقتل 6 مستشارين إيرانيين في هجوم أمريكي سعودي على العراق
- كيف تفاعل ممثلو المسلمين في ألمانيا مع الهجوم على مسيرة المث ...
- -رويترز-: هجوم بمسيرة على الأقل يستهدف منشأة تخزين غاز طبيعي ...
- عون وبري يبحثان اتفاق الإطار مع إسرائيل
- الجيش الإسرائيلي يلقي القبض على 3 عناصر من -رواد الباشان- في ...
- تركيا تبني لأول مرة جدارا فولاذيا عازلا عند حدودها مع دولة م ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منير المجيد - الصين التي تعيد رسم العالم بلا ضجيج