منير المجيد
(Monir Almajid)
الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 20:48
المحور:
الادب والفن
خرجت كوريا الجنوبية من الحرب الكورية في الخمسينيات دولةً شبه منهارة تعتمد على المساعدات، وتفتقر إلى بنية صناعية حقيقية.
وفي الستينيات صعد بارك تشونغ هي، أول رئيسٌ كوري جنوبي (حكم بين ١٩٦٣ و ١٩٧٩)، وهو الذي قاد التحوّل الصناعي الكبير، حيث نقل كوريا من الفقر إلى قوة اقتصادية صاعدة، واعتمد على خطط التنمية الصارمة والصناعات الثقيلة والتصدير، لكنه حكم بقبضة سلطوية شديدة حدّدت الحياة السياسية لعقود، لتنتهي باغتياله، لكن بقي إرثه مزيجاً من النهضة الاقتصادية والقمع السياسي.
ومع تبّني الدولة سياسة تصنيع موجّهة أدّت إلى ظهور الشركات التي ستصبح لاحقاً أعمدة الاقتصاد، مثل سامسونغ، هيونداي، كيا وإل جي. هذه الشركات كانت منظومات كاملة بنت طرقاً وموانئ وشبكات كهرباء، وخلقت طبقة وسطى واسعة، ودفعت المجتمع نحو التعليم والتكنولوجيا.
التحول الصناعي كان الشرط الأساسي لظهور صناعة ثقافية قادرة على الإنتاج والتصدير، لأن الثقافة تحتاج إلى بنية تحتية قوية وسوق داخلي واسع ودولة ترى في الفن جزءاً من قوتها الناعمة.
في الثمانينيات كانت السينما الكورية محكومة برقابة الدولة، لكن الانتقال الديمقراطي عام ١٩٨٧ فتح الباب أمام موجة جديدة من التحرر الثقافي، فظهر مخرجون أرادوا كسر الواقعية التقليدية.
ثم جاء الجيل الجديد في التسعينيات، الذي سيغيّر كل شيء. في طليعتهم كيم كي دوك (١٩٦٠ - ٢٢٠) الذي اعتبره شخصياً من أهم المخرجين، فهو الذي اشتهر بأفلامٍ قاسية بصرياً ونفسياً مثل «ربيع، صيف، خريف، شتاء.. وربيع»، و«3-Iron» و«Pieta». سينماه اعتمدت على الصمت والعنف الرمزي وتناول الهامش الاجتماعي، وهو أيضاً من حصد أكثر الجوائز من جيله، كجوائز فينيسيا وبرلين قبل أن تتراجع مكانته لاحقاً بسبب جدلٍ واسع حول سلوكه المهني. توفي في لاتفيا بعد إصابته بفيروس كورونا.
ثمّ هناك آخرون ممن صنعوا لغة سينمائية خاصة تمزج العنف الرمزي بالأسئلة الاجتماعية.
دعمت الدولة هذا التحول عبر «قانون السينما» عام ١٩٩٥ الذي ضخّ تمويلاً كبيراً في الإنتاج، فارتفع عدد الأفلام من نحو ستين سنوياً إلى أكثر من مائة وخمسين في العقد التالي، مع توسع شركات مثل CJ Entertainment وShowbox وLotte Cultureworks التي أصبحت مصانع ضخمة تموّل الأفلام وتوزعها عالمياً.
هذا المسار بلغ ذروته مع فيلم «باراسايت» من اخراج بونغ جون هو عام ٢٠١٩، حين أصبحت السينما الكورية قوة عالمية لا يمكن تجاهلها، وأصبح المخرجون الكوريون جزءاً من المشهد السينمائي الدولي، كلٌّ بأسلوبه، فبارك تشان ووك بتوتره البصري، وبونغ جون هو بقراءته الطبقية، وكيم جي وون برعبه النفسي، ولي تشانغ دونغ بتأملاته الهادئة.
في الوقت نفسه كانت الدراما التلفزيونية تسير في مسارٍ مختلف، أسرع وأكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور.
في التسعينيات، ومع انتشار التلفزيون الكبلي، بدأت شركات مثل KBS وMBC وSBS بإنتاج مسلسلات قصيرة ذات حبكات عاطفية مكثفة، لكن التحول الحقيقي جاء مع «Winter Sonata» عام ٢٠٠٢ الذي فتح الباب أمام ما سُمّي لاحقاً «هاليو» أو الموجة الكورية.
فجأة، أصبح الجمهور الياباني والآسيوي يتابع الدراما الكورية بشغف، وبدأت كوريا تدرك أن لديها منتجاً قابلاً للتصدير، وأن الدراما يمكن أن تكون صناعة لا تقل أهمية عن الإلكترونيات والسيارات.
منذ ذلك الوقت، أصبحت كوريا تنتج ما بين ١٥٠ إلى ٢٠٠ مسلسل سنوياً، بعضها قصير من ١٢ إلى ١٦ حلقة، وبعضها أطول، مع دخول منصات مثل Netflix وTVN وJTBC التي رفعت مستوى الإنتاج إلى حدّ غير مسبوق.
شركات الإنتاج الكبرى كـ Studio Dragon وPan Entertainment وAStory أصبحت تعمل وفق نظام شبه صناعي يقوم على كتابة سريعة وتصوير مكثف وتوزيع عالمي، ما جعل الدراما الكورية قادرة على الانتشار بسرعة مذهلة.
انتشار الدراما لم يكن نتيجة العاطفة وحدها، بل لأنها قدّمت نموذجاً جديداً في السرد، فهي مسلسلات قصيرة مكثفة بلا إطالة، تعتمد على بناء شخصيات واضح، وعلى حبكات تتطور بسرعة، وعلى تصوير سينمائي يجعل كل حلقة أقرب إلى فيلم صغير.
هذا النموذج كان مختلفاً عن الدراما اليابانية الأكثر هدوءاً، وعن الدراما الصينية الأكثر طولاً، وعن الدراما الأميركية التي تعتمد على مواسم طويلة مرهقة تفقد بريقها وتنفسها مع مرور الوقت.
الآن، أصبحت الدراما الكورية جزءاً من حياة ملايين المشاهدين حول العالم، لأنها تُناسب المشاهدة العائلية، ولأن قصصها بسيطة مكتوبة بإتقان، وتوازن بين العاطفة والواقعية، وبين الخيال والموضوعات الاجتماعية. أمّا مدى سذاجتها وسطحيتها ومخاطبتها فئة عريضة من بسطاء المشاهدين، فهي إطار نقاش دائر بعد كل إنتاج جديد.
لكن، من جهة اخرى، مهدّ هذا التراكم الطويل لظهور «Squid Game» عام ٢٠٢١، المسلسل الذي كتبه وأخرجه هوانغ دونغ هيوك، والذي بدا لحظة مفصلية في تاريخ الدراما الكورية.
فالمسلسل ليس قصة عن لعبة قاتلة فحسب، بل هو أيضاً نقد اجتماعي لاقتصادٍ يضع الناس في سباقٍ مستحيل، ويحوّل الحياة إلى منافسة قاسية. إن نجاح «لعبة الحبار» ليس إلّا نتيجة في صناعة الدراما التي أتقنت بناء حبكات مكثفة وشخصيات واضحة وإيقاعاً سريعاً يجعل المشاهد غير قادر على التوقف.
ومن خلاله تعرّف العالم على تفاصيل اجتماعية صغيرة كانت تظهر في الدراما منذ سنوات، مثل عادة التحدّث بعد وضع كمية كبيرة من الطعام في الفم أثناء الأكل، وهي عادة لا تُقرأ في كوريا بوصفها «قلة تهذيب»، بل بوصفها جزءاً من ثقافة الطعام التي تحتفي باللذة وبالدفء العائلي، حيث الأكل فعل اجتماعي لا يحتاج إلى صرامة بروتوكولية.
بعض الأمم ترى هذا التصرف غير لائق، لكن في السياق الكوري هو طبيعي تماماً، ولا يحمل أي دلالة سلبية.
وهذا يقود أيضاً إلى العادات التي لفتت انتباه المشاهدين في طريقة احتساء الخمر، خصوصاً النظر إلى الجانب أثناء الشرب. هذه العادة متجذرة في الثقافة الكورية، حيث يُنظر إلى الشرب أمام الأكبر سناً بوصفه فعلاً يحتاج إلى احترام، لذلك يميل الأصغر إلى إدارة وجهه قليلاً أثناء الشرب كإشارة إلى التوقير. هذا السلوك، بطبيعته، ليس إلزامياً، لكنه جزء من نظام اجتماعي دقيق يقوم على احترام العمر والمكانة، وهو نظام يظهر في الدراما كثيراً، سواء في مشاهد العمل أو العائلة أو العلاقات اليومية.
أما حضور المسيحية في الدراما، فهو ظاهرة تستحق التأمل.
كوريا الجنوبية، وبفعل موجات تبشيرية كبيرة، تضم نسبة كبيرة من المسيحيين (٣١٪ من السكان) مقارنة بدول شرق آسيا، لكن حضور المسيحية في الدراما ليس مجرد انعكاس ديموغرافي، بل أداة سردية تستخدمها الأعمال لإضفاء خلفية أخلاقية أو رمزية على الشخصيات. وجود صليب في البيت، أو قلادة، أو مشهد في كنيسة، غالباً ما يُستخدم للإشارة إلى خلفية عائلية محافظة، أو إلى شخصية تبحث عن معنى، أو إلى علاقة بين الإيمان والأزمة.
أرى أن هذا الحضور يساعد أيضاً في جعل الدراما أكثر قابلية للتصدير عالمياً، لأن الرموز المسيحية مألوفة لدى جمهور واسع، إلّا أن هذا تفسير جزئي، إذ إن الدراما الكورية تستخدم الرموز الدينية كعناصر سردية في المقام الأول، ودعائية في المقام التالي.
لا بد من ربط إنتشار الموسيقى (البوب خاصة) في المسار المتعلق بنشر الثقافة الكورية الناعمة أيضاً، لتظهر فرق موسيقية على الخارطة العالمية.
أشهر فرق البوب الكورية اليوم يمكن تلخيصها في مجموعة من الأسماء التي تتكرر في معظم التصنيفات العالمية والمحلية، ويأتي في مقدمتها BTS و BLACKPINK بوصفهما القوتين الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد، ثم تتبعها فرق صاعدة وراسخة مثل Stray Kids و SEVENTEEN و NewJeans و IVE و aespa و TWICE.
هذه المجموعات تظهر باستمرار في القوائم المعتمدة على بيانات المبيعات، وبثّ الأغاني، ومؤشرات السمعة، مثل تصنيفات K‑Pop Radar لعامي 2025 و2026 التي تضع BTS و BLACKPINK في الصدارة، يتبعهما الفرق الصاعدة ضمن المراكز الأولى.
في هذا السياق تتضح ظاهرة «الهاليو» بوصفها مشروعاً ثقافياً واقتصادياً متكاملاً بدأ في مطلع الألفية ثم تحوّل إلى قوة عالمية. الهاليو، علاوة على كونه انتشار للدراما والبوب، فهو تخطيط طويل واستثمار ضخم وتعاون بين الدولة والشركات والمنصات العالمية. الدولة دعمت الشركات الثقافية، وقدّمت حوافز مالية، وأنشأت مؤسسات للترويج الخارجي، واعتبرت الثقافة جزءاً من الاقتصاد الوطني.
والتكنولوجيا لعبت دوراً مركزياً أيضاً، لأن كوريا كانت من أوائل الدول التي امتلكت إنترنيتاً سريعاً، ما سمح بانتشار الدراما والبوب عبر منصات مبكرة قبل ظهور نتفليكس، ثم جاءت الهواتف الذكية لتجعل المحتوى الكوري متاحاً في كل مكان.
ومع توسع هذه الصناعات ظهرت ظاهرة عمليات التجميل في مجال الترفيه، وهي ليست ضرورة بالمعنى القسري، بل جزء من ثقافة صناعية تعتمد على صورة بصرية موحدة، وتفضّل وجوهاً ذات ملامح معينة تتوافق مع الذوق العام في السوق الكورية والآسيوية.
كثير من المتدربين في شركات البوب يخضعون لعمليات تجميلة مثل تعديل الأنف والجفون والأثداء، لكن هذا ليس شرطاً قانونياً، بل جزء من معايير السوق التي تركز على الصورة كعنصر أساسي في صناعة النجومية. وفي الدراما أيضاً هناك ميل عام نحو مظهر معين، لكنه ليس شرطاً مفروضاً على الجميع، بل خيار يراه كثيرون مفيداً في سوق تنافسي جداً.
ما يغني فهم هذه الظاهرة هو إدراك دور الطبقة الوسطى الكورية المتعلمة والمستقرة اقتصادياً، التي خلقت سوقاً داخلياً ضخماً يدعم الإنتاج المستمر، ثم تحوّل هذا السوق إلى قوة تصدير عالمية. كما أنّ دولاً أخرى حاولت تقليد النموذج الكوري في الإنتاج الدرامي، مثل اليابان والصين وتايلاند وتركيا، لكنها لم تصل إلى مستوى التنظيم الصناعي الذي حققته كوريا.
أخيراً، يطرح سؤال نقدي نفسه يتمثّل في إستمرارية وبقاء الهاليو!
بعض الباحثين يرون أنها ستتوسع أكثر، وبعضهم يرى أنها ستواجه تحديات مع صعود منصات جديدة وتغير أذواق الجمهور، لكن المؤكد أنّ كوريا صنعت نموذجاً ثقافياً سيظل مؤثراً لعقود.
#منير_المجيد (هاشتاغ)
Monir_Almajid#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟