أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مازن صاحب - دولة الفرهود. أزمات سلطة هجينة!!















المزيد.....

دولة الفرهود. أزمات سلطة هجينة!!


مازن صاحب

الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 11:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يقال إن عصبة الكوفة كانت لها ألف بيعة وبيعة، لأن الصلاة وراء علي أتم، والقصعة عند معاوية أدسم. لعل هذه المقولة لم تغادر التاريخ بقدر ما غيرت أسماء أصحابها وأدواتها. فما زالت المصالح تتقدم على المبادئ، والغنائم تسبق الأوطان، والولاءات تتغلب على مفهوم الدولة، حتى أصبح العراق، بعد أكثر من عقدين على احتلاله، نموذجا لسلطة هجينة تتقاسمها مراكز النفوذ أكثر مما تحكمها مؤسسات الدولة.
لهذا لم تعد أزمة العراق أزمة حكومة أو رئيس وزراء أو إخفاق وزارة في إدارة ملف من الملفات، بل أصبحت أزمة بنية سياسية تعيد إنتاج الفشل كلما تبدلت الوجوه في قواعد اللعبة التي تحكم دولة الفرهود.
ولعل المؤتمر الصحفي الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالسيد الزبيدي يقدم نموذجا واضحا لهذا التناقض. فقد تصدر الحديث مشروع تصدير مليون برميل يوميا عبر الأراضي التركية بوصفه إنجازا اقتصاديا كبيرا، بينما بقيت الأسئلة الحقيقية معلقة: ما الكلف الاقتصادية للمشروع؟ وما عوائده الفعلية على الاقتصاد العراقي؟ وهل يمثل رؤية استراتيجية متكاملة، أم مجرد عنوان سياسي جديد يضاف إلى سجل طويل من الوعود التي سبقه إليها كثيرون؟.. فضلا عن تلك التحليلات عن امتناع وزير النقل توقيع مذكرة تنفيذ طريق التنمية.. من دون أي بيان رسمي يوضح هذا الالتباس الذي ظهر على منصة ذات المؤتمر الصحفي!!
أما في الملف الأمني، فتتكرر المفارقة ذاتها. فمنذ سنوات يتردد شعار حصر السلاح بيد الدولة، لكن الوقائع تسير في اتجاه آخر. فالعراق ما زال ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، وما زالت الروايات الرسمية تتبدل كلما وقع اعتداء على دولة مجاورة أو تعرضت الأراضي العراقية لرد عسكري، وكأن المشكلة تكمن في توصيف الفاعل، لا في حقيقة عجز الدولة عن احتكار قرار الحرب والسلم.
ولم تمض ساعات على إعلان الحكومة العراقية فتح تحقيق في انطلاق الطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت داخل المملكة العربية السعودية، حتى تصاعدت التحذيرات الإقليمية، قبل أن تتطور الأحداث إلى ضربات استهدفت مواقع لفصائل عراقية، في مشهد يعكس حجم الانكشاف الذي وصلت إليه السيادة العراقية. فالدولة التي تعجز عن منع استخدام أراضيها منطلقا للهجمات، تجد نفسها عاجزة أيضا عن منع تحويل أراضيها إلى ساحة للردود العسكرية.
هنا تحديدا تبدأ أزمة السلطة الهجينة. فالدولة التي لا تحتكر السلاح، ولا تحتكر القرار، ولا تحتكر السياسة الخارجية، تصبح عاجزة عن إدارة ثرواتها وحدودها ومصالحها الوطنية. وعندئذ لا يعود النفط، ولا الاستثمار، ولا المؤتمرات الصحفية، ولا البيانات الحكومية، قادرة على إخفاء الحقيقة الكبرى: أن العراق ما زال يعيش أزمة دولة، لا أزمة حكومة، وأن دولة الفرهود ليست وصفا لحجم الفساد فحسب، بل توصيفا لبنية حكم تتقاسمها الولاءات، وتتزاحم فيها مراكز القرار، ويضيع بينها الوطن
لهذا لا تكف البيانات ، ولا لجان التحقيق، ولا المؤتمرات الصحفية التي تتحدث عن استرداد الأموال أو ملاحقة الفاسدين، لأن السؤال الذي يطرحه العراقيون ما زال قائما: كيف أنفقت مئات المليارات من الدولارات، ثم تجاوزت الإيرادات النفطية خلال أكثر من عقدين عتبة التريليون دولار، فيما بقيت الكهرباء عنوانا للفشل، والمياه عنوانا للعجز، والخدمات الصحية والتعليمية دون الحد الأدنى الذي تستحقه دولة تمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم؟
ما يزيد هذا المشهد تناقضا أن المواطن لم يعد ينتظر من الدولة مشروعا وطنيا للتنمية، بل أصبح همه الأول موعد صرف الراتب الشهري، بعد أن نجحت منظومة المحاصصة في اختزال العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى معادلة تقوم على توزيع الموارد، لا على بناء الاقتصاد. وهكذا تحول صرف الرواتب إلى إنجاز سياسي يتكرر الإعلان عنه كل شهر، بعدما كان التزاما دستوريا لا يستوجب الاحتفاء ولا التذكير.
في المقابل، تتوسع امتيازات الطبقة السياسية، وتزداد أعداد الدرجات الخاصة، وتتضخم مواكب سيارات الدفع الرباعي، فيما تتراجع الخدمات العامة، وتتآكل الطبقة الوسطى، ويزداد الفقراء فقرا. ولم يعد العراقي يتساءل متى تتحسن أحواله، بل أين ذهبت ثروة بلده، ومن المسؤول عن ضياعها؟
فيما يزداد نموذج الفشل في دولة الفرهود عبر تلك المقاطع التي تتداول على منصات التواصل الاجتماعي عن بلوكرات وفاشستتات. ما زال القتال السياسي عليهن مثل الصراع امام دكان ابو الحلاوة!!
في أكثر انواع التفاهة التي عرفتها دولة الفرهود. حينما تكتشف علاقات مثل هذا النوع من الشرائح مع قيادات سياسية!!
في ظل هذا الواقع، لم يعد مستغربا أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة يطغى عليها الضجيج والتفاهة، بينما تتراجع قيمة الكفاءة والعلم والخبرة. فحين تفقد الدولة بوصلتها، يختل سلم الأولويات في المجتمع، وتصبح صناعة الوهم أكثر حضورا من صناعة الوعي، ويغدو الاستعراض بديلا عن الإنجاز.
ولا يقل خطورة عن ذلك استمرار توظيف العناوين المقدسة في الصراع السياسي، حتى باتت كثير من القضايا الوطنية تقاس بمعايير الولاء، لا بمعايير المصلحة العامة. وعندها يصبح الاختلاف السياسي خلافا عقائديا، وتتحول الدولة إلى ساحة اصطفافات، لا إلى مظلة جامعة لجميع مواطنيها.
هكذا تتجدد أمام العراقيين معادلة قديمة بثياب جديدة؛ فكلما ارتفعت شعارات الإصلاح، ازدادت منظومة المحاصصة رسوخا، وكلما كثر الحديث عن السيادة، تراجعت قدرة الدولة على فرضها، وكلما ارتفعت عناوين مكافحة الفساد، اتسعت مساحة الشك بين المواطن والسلطة.
لان ما يواجه العراق اليوم ليس أزمة مالية، ولا أزمة كهرباء، ولا أزمة مياه، وإنما استمرار بنية حكم هجينة، تتعدد فيها مراكز القرار، وتتوزع فيها الولاءات، وتتقدم فيها المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية. وما دامت هذه البنية قائمة، فإن الأزمات لن تكون استثناء، بل ستبقى القاعدة التي تعيد إنتاج نفسها، مهما تغيرت الحكومات، ومهما تبدلت الشعارات.
غير أن أخطر ما في دولة الفرهود أنها لم تعد تكتف بإنتاج الأزمات، بل أصبحت تمتلك قدرة استثنائية على التعايش معها، بل وتحويلها إلى وسيلة لإدامة السلطة. فكلما تعمقت أزمة، ولدت أزمة أخرى، وكلما ارتفعت كلفة الفشل، اتسعت دائرة المستفيدين منه. وهكذا أصبح الخراب جزءا من معادلة الحكم، لا عارضا طارئا عليها.
ولا تنهض الدول بالمؤتمرات الصحفية، ولا بالبيانات السياسية، ولا بالاتفاقيات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. وإنما تنهض حين يكون القرار الوطني مستقلا، والمؤسسات فوق الأشخاص، والدستور فوق المصالح، والمواطنة فوق الانتماءات الفرعية.
لقد أثبتت السنوات التي أعقبت عام 2003 أن تغيير الحكومات لا يعني بالضرورة تغيير الدولة. فالوجوه تتبدل، والخطابات تتغير، لكن البنية السياسية بقيت على حالها، تعيد إنتاج نفسها بأسماء جديدة، وتحافظ على آلياتها القديمة في تقاسم النفوذ والثروة، حتى أصبح الفشل جزءا من دورة الحكم، لا سببا للمحاسبة أو المراجعة.
ويبقى السؤال الذي لا تستطيع السلطة الهجينة الإفلات منه: كيف يمكن بناء دولة وطنية، بينما القرار الوطني موزع بين أكثر من إرادة، والسلاح خارج سلطة القانون، والثروة تتحول إلى غنيمة سياسية، لا إلى مشروع تنمية؟
وعندما يصبح الوطن مجرد ساحة لتقاطع المصالح، وتغدو السلطة غاية بحد ذاتها، لا وسيلة لبناء الدولة، فإن السؤال لن يكون: من يحكم العراق؟ بل: هل ما زالت هناك دولة تحكم العراق؟.. ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!!



#مازن_صاحب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الأزمات إلى إدارة الحلول!!
- العراق وامبرالية الذكاء الاصطناعي!!
- الخريجون.. تظاهرات تتجدد!!
- الزيدي ما بعد زيارة طهران!!
- الزيدي والمحطة الإيرانية!!
- صوت المعركة.. تضاريس الحقيقة!!
- طبول الحرب لم تعد تقرع!!
- حرب الخليج الثالثة.. القصور الاستراتيجي!!
- الخليج العربي.. مستقبل الضفتين!!
- سرديات واشنطن!!
- الزيدي ما بعد الاختبار الأول!!!
- الزيدي.. شفافية واشنطن المطلوبة!!
- مضيق هرمز.. ثوابت الجغرافيا ومتغيرات القوة!!
- قراءة في بيان القضاء الأعلى!!
- الزيدي. بلا مفاتيح!!
- دبابات الزيدي وسلاح الفساد!!
- صولة الزيدي.. ما بعدها؟؟
- الفصائل المتجددة.. ماكنة السلطة الهجينة!!
- الباب الدوار.. وسقوف الفساد العالية!!
- محاور الوهم!!


المزيد.....




- مهرجان جرش الـ40 بالأردن يحتفي برواد الأغنية الأردنية بتقنية ...
- تحليل لدوافع الهجوم الإيراني على الأردن.. هل لعب لقاء ترامب ...
- السعودية: ضرباتنا في العراق جاءت دفاعًا عن النفس ولا نسعى لل ...
- السعودية تردّ على الهجمات على منشآتها النفطية، بضربات مشتركة ...
- جولة جديدة من التصعيد: ضربات أميركية سعودية في العراق.. وهجم ...
- الاستخبارات الروسية تلاحق مؤسس تلغرام بافل دوروف بتهمة دعم - ...
- السلطات اليونانية تعتقل أربعة إسرائيليين وأربعة أجانب بحوزته ...
- طائرة الركاب -الصفارة-!
- تعليمات من الموساد لوزراء ومسؤولين إسرائيليين لتجنب محاولات ...
- لدغة الثعبان.. دقائق قد تفصل بين النجاة والخطر.. تعرف على ال ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مازن صاحب - دولة الفرهود. أزمات سلطة هجينة!!