مازن صاحب
الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 00:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تكن نظريات صعود وسقوط الأمم يوما خارج معادلة القوة. فمن السيف إلى القرطاس والقلم.. ومن المطبعة إلى الثورة الصناعية ثم الثورة الرقمية.. ظلت القوة ذلك المحرك الخفي الذي يعيد تشكيل التاريخ، وموازين الحضارات.
اليوم، يقف العالم أمام منعطف جديد، لم تعد الإمبريالية فيه تعني احتلال الأرض أو السيطرة على الثروات فحسب، بل أصبحت تعني احتكار المعرفة والبيانات والرقائق الإلكترونية والخوارزميات ومنصات الذكاء الاصطناعي. إمبريالية جديدة لا ترفع أعلامها فوق العواصم، بل تبسط نفوذها على العقول والاقتصادات ومراكز القرار، وتعيد تعريف مفهوم السيادة الوطنية في القرن الحادي والعشرين.
في كل حقب الصعود والسقوط.. كانت القوة هي الفيصل بين الأمم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه : هل أصبح الذكاء الاصطناعي القوة الجديدة التي ستعيد رسم خرائط النفوذ العالمي؟ وإذا كان الأمر كذلك.. فأين سيكون موقع العراق، في عالم تتشكل موازين قوته خارج حدود الجغرافيا التقليدية؟
واقع الحال.. أن التحذيرات المتزايدة الصادرة عن الأمم المتحدة، ومراكز الدراسات الاستراتيجية، وخبراء التكنولوجيا، بشأن ضرورة وضع حوكمة عالمية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، لا تعكس مجرد مخاوف أخلاقية أو قانونية، بل تعبر عن إدراك عميق بأن العالم يقف أمام تحول تاريخي في مصادر القوة. فالدولة التي تمتلك البيانات، والقدرة الحاسوبية، والرقائق الإلكترونية، والنماذج الذكية، لن تهيمن على الاقتصاد العالمي فحسب، بل ستفرض تأثيرها في السياسة والأمن والإعلام والتعليم والثقافة، وربما في تشكيل الوعي الإنساني نفسه.
يكفي النظر إلى حجم الاستثمارات التي تضخها الحكومات والشركات العملاقة في هذا القطاع لفهم طبيعة هذا التحول. فمئات المليارات من الدولارات تخصص سنويا لمشروعات البحث والتطوير، بينما تتسابق الشركات العالمية على امتلاك أفضل العقول، وأقوى مراكز الحوسبة، وأكثر النماذج تطورا. ولم يعد الأمر منافسة تجارية تقليدية، بل سباقا على احتكار أدوات القوة في القرن الجديد.
في الوقت ذاته .. يتسارع توظيف الذكاء الاصطناعي في الصناعات العسكرية بصورة غير مسبوقة. فالأسلحة الذاتية، وأنظمة القيادة والسيطرة، وتحليل المعلومات الاستخبارية، والحرب السيبرانية، أصبحت جميعها تعتمد بصورة متزايدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يدفع القوى الكبرى إلى إعادة هيكلة استراتيجياتها الدفاعية، ورفع موازناتها العسكرية، وربط أمنها القومي بالتفوق التكنولوجي.
ولم يعد الصراع يقتصر على تطوير البرمجيات أو النماذج الذكية، بل امتد إلى التنافس على المعادن النادرة، وأشباه الموصلات، وسلاسل التوريد، ومراكز إنتاج الرقائق الإلكترونية. فمن يمتلك هذه العناصر يمتلك مفاتيح الصناعة، ومن يمتلك الصناعة يمتلك القرار على إعادة تشكيل النظام الدولي.
وسط هذه التحولات.. يتكرر السؤال لدى شعوب دول الجنوب ومنها العراق : كيف سيكون معنى السيادة الوطنية في عالم تتحكم فيه الخوارزميات؟ هل ستظل الحدود الجغرافية وحدها معيار استقلال الدول، أم أن السيادة ستقاس مستقبلا بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة، وامتلاك التكنولوجيا، وحماية بياناتها الوطنية؟
أولى النتائج المتوقعة.. أن العالم يتجه إلى إعادة توزيع القوة الدولية، ليس على أساس الجغرافيا أو عدد السكان أو حتى حجم الجيوش، وإنما على أساس امتلاك التكنولوجيا المتقدمة. ولذلك، فإن الانتقال من مرحلة الأحادية القطبية إلى تعدد الأقطاب قد لا ينتج نظاما دوليا أكثر توازنا، بل قد يفضي إلى احتكار جديد للقوة، تتنافس عليه الولايات المتحدة والصين، ومعهما القوى الصناعية الكبرى، في إطار ما يمكن تسميته بـ"إمبريالية الذكاء الاصطناعي".
في هذا السياق، لا يمكن عزل كثير من الصراعات الدولية والإقليمية عن هذا التحول العميق. فالتنافس الاقتصادي، والحروب التجارية، والصراع على الرقائق الإلكترونية، والممرات البحرية، والمعادن الاستراتيجية، جميعها حلقات في سلسلة واحدة عنوانها إعادة تشكيل موازين القوة العالمية. وقد تفرض هذه المتغيرات، عاجلا أو آجلا، تفاهمات دولية جديدة لتنظيم هذا الصراع، كما فرضت الحروب الكبرى في القرن الماضي ترتيبات دولية جديدة أعادت رسم خرائط النفوذ.. انتهت باتفاق المنتصرون لتأسيس الأمم المتحدة!!
أما العراق.. فما زال يقف خارج هذه المعادلة. فلا رؤية استراتيجية تحدد موقعه في الاقتصاد الرقمي العالمي، ولا سياسة وطنية لبناء صناعة معرفية، ولا مشروع متكامل لإعداد أجيال قادرة على المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي. وبينما تنشغل دول العالم ببناء المستقبل، لا يزال العراق يستهلك معظم طاقاته في إدارة أزمات الحاضر.
ثاني النتائج.. اتساع فجوة المعرفة بين المجتمعات التي استثمرت في الإنسان والعلم والابتكار، وبين مجتمعات ما زالت تستنزف قدراتها في صراعات الهوية والخلافات السياسية والاقتصاد الريعي. ولم تعد هذه الفجوة ثقافية أو تعليمية فحسب، بل أصبحت فجوة في القوة والإنتاج والثروة والقدرة على التأثير.
ثالث هذه النتائج.. أن أسواق العمل ستشهد تحولا غير مسبوق. فكما غيرت الثورة الصناعية طبيعة الاقتصاد، وكما أحدثت الثورة الرقمية تحولا في وسائل الإنتاج، فإن الذكاء الاصطناعي سيعيد تعريف الوظيفة، والمهارة، والشهادة الجامعية. وستختفي مهن، وتولد أخرى، بينما ستصبح القدرة على التعلم المستمر أهم من أي شهادة تقليدية.
أما النتيجة الرابعة.. يبدو العراق غير مستعد لهذا التحول. فما زالت منظومة التعليم تعاني اختلالات بنيوية، ولم ينجز التحول الرقمي بالمستوى المطلوب، ولم يتحول الاقتصاد من الريع إلى المعرفة، ولم تتبلور سياسات وطنية جادة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الإدارة أو الصناعة أو التعليم أو الخدمات. ومع اتساع هذه الفجوة، تتراجع فرص التنمية المستدامة، وتتآكل تدريجيا مقومات الأمن الوطني بمعناه الشامل.
لهذا، فإن أي مقارنة مع مسارات دول مثل تركيا أو إيران أو مصر، فضلا عن دول الخليج العربي، تكشف أن العراق لا يحتاج إلى إصلاحات جزئية او انية ، بل إلى مشروع نهضوي شامل يعيد بناء الدولة على أساس العلم والمعرفة والابتكار، لا على أساس المحاصصة وإدارة الأزمات.
السؤال الأكبر: ماذا سيكون موقع العراق إذا انتهى التنافس الدولي إلى نظام عالمي جديد تقوده إمبريالية الذكاء الاصطناعي؟
علمنا التاريخ أن التحولات الكبرى لا ترحم المتأخرين. وما زالت اتفاقية سايكس - بيكو تلقي بظلالها على المنطقة بعد أكثر من قرن، رغم اختلاف الظروف والأدوات. أما اليوم، فإن خرائط النفوذ الجديدة قد لا ترسمها الجيوش وحدها، بل ترسمها مراكز البيانات، والحوسبة الفائقة، والرقائق الإلكترونية، والخوارزميات التي تتحكم في الاقتصاد والإعلام والأمن وصناعة القرار.
كل ذلك يؤكد أن استمرار نظام المحاصصة، وما أفرزه من فساد سياسي وإداري، لم يعد مجرد عائق أمام التنمية، بل تحول إلى تهديد مباشر لقدرة العراق على اللحاق بالعصر. فالأمم لا تتقدم بالشعارات، ولا تبنى بالمساومات، وإنما تبنى بالعلم، والاستثمار في الإنسان، والقدرة على استشراف المستقبل.... ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.
السؤال الدائم : هل يمتلك العراق الإرادة السياسية والعقل الاستراتيجي للانتقال من دولة تستهلك أدنى انواع التكنولوجيا إلى دولة تشارك في إنتاجها؟ أم سنكتفي، مرة أخرى، بمراقبة العالم وهو يعيد رسم خرائط القوة، فيما نبقى أسرى صراعات لا تصنع مستقبلا ولا تحفظ وطنا؟
شخصيا.. لا أملك كثيرا من التفاؤل. فالعالم يمضي بخطى متسارعة نحو إمبريالية جديدة، لا تقوم على احتلال الأرض، بل على احتكار المعرفة والبيانات والذكاء الاصطناعي. ومن يغب عن صناعة هذا العالم، لن يكون شريكا في قراراته، بل سيكون أحد المتأثرين بها.... يبقى من القول.. لله في خلقه شؤون.!!!
#مازن_صاحب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟