أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - لم يُهدر المال العام أولاً بل أُهدرت أدوات حمايته














المزيد.....

لم يُهدر المال العام أولاً بل أُهدرت أدوات حمايته


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 12:20
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


أثار إعلان رئيس ديوان الرقابة المالية عن وجود 100 تريليون دينار من السلف غير المسواة منذ عام 2004، فضلاً عن 24 تريليون دينار مستحقات للخزينة غير مستوفاة و4 تريليونات دينار مبالغ تضمين، موجة واسعة من التساؤلات عن حجم الهدر في المال العام، وعن المسؤولين عما آلت إليه المالية العامة في العراق.
لكن، قبل أن نسأل: أين ذهبت الأموال؟ ينبغي أن نسأل سؤالاً أكثر أهمية:
كيف احتاجت الدولة أكثر من عشرين عاماً لتكتشف أن لديها 100 تريليون دينار من السلف غير المسواة؟
فالرقم، على ضخامته، ليس أصل الأزمة، بل هو النتيجة التي انتهت إليها سنوات طويلة من تعطيل منظومة المحاسبة. فالهدر قد يحدث في أي دولة، لكن الفرق بين الدولة الرشيدة والدولة الضعيفة لا يكمن في وقوع الأخطاء، وإنما في سرعة اكتشافها ومحاسبة المسؤولين عنها. أما أن تحتاج الدولة إلى عقدين كاملين لتعلن للرأي العام عن هذا الحجم من السلف غير المسواة، فذلك يعني أن الخلل لم يكن في المال وحده، بل في النظام الذي كان يفترض أن يكشف مصير هذا المال سنة بعد أخرى.
إن الخطأ المؤسسي الأكبر لم يكن وجود السلف غير المسواة بحد ذاته، بل تعطيل الآلية التي كان يفترض أن تمنع تراكمها. فهناك فرق بين أن تقع مخالفة مالية، وبين أن تُعطل الدولة أدوات اكتشافها ومحاسبة المسؤولين عنها. الأولى قد تكون خطأً أو فساداً يرتكبه أفراد، أما الثانية فهي إخفاق مؤسسي يسمح للأخطاء بأن تتراكم حتى تتحول إلى أرقام صادمة يصعب حسمها بعد مرور سنوات طويلة.
وفي مقدمة أدوات الحماية هذه تأتي الحسابات الختامية. فهي ليست إجراءً محاسبياً شكلياً، بل الوثيقة التي تكشف كيفية تنفيذ الموازنة، وحجم الإيرادات والنفقات الفعلية، والسلف غير المسواة، والمخالفات المالية، وتحدد المسؤوليات قبل الانتقال إلى موازنة جديدة. ولهذا نص الدستور وقانون الإدارة المالية على أهميتها، لأنها تمثل الحلقة التي تربط الإنفاق بالمساءلة.
غير أن ما جرى في العراق كان مختلفاً. فقد اعتادت الحكومات المتعاقبة تقديم الموازنات بدون الحسابات الختامية، واعتادت الأغلبية البرلمانية تمرير الموازنات تحت ذرائع متعددة، أبرزها أن تأخير إقرار الموازنة يعطل مصالح المواطنين، وأن الحسابات الختامية يمكن استكمالها لاحقاً.
ومع مرور الوقت، تحول هذا الاستثناء إلى نهج دائم، فتراجعت الرقابة، وتأجلت المحاسبة، وتراكمت السلف والمخالفات حتى أصبحت الدولة تكتشف اليوم ما كان ينبغي أن تكتشفه قبل سنوات طويلة.
وقد اعترضت قوى سياسية معارضة وعدد من النواب المستقلين، ومعهم مختصون في المالية العامة، على هذا النهج، محذرين من أن إقرار الموازنات من دون حسابات ختامية يُفرغ الرقابة البرلمانية من مضمونها، ويحولها إلى رقابة متأخرة بعد فوات الأوان. ولم يبقِ الأمر في إطار السجال السياسي، بل انتقل إلى القضاء، حيث أقام السيد رائد فهمي، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، دعوى بهذا الشأن، وانتهت بصدور حكم من المحكمة الاتحادية العليا يُلزم الحكومة بتقديم الحسابات الختامية التزاماً بأحكام الدستور وقانون الإدارة المالية.
لكن المفارقة أن صدور حكم من أعلى سلطة قضائية في البلاد لم يكن كافياً لإنهاء هذا الخلل بصورة حاسمة، إذ استمر التأخير في إنجاز الحسابات الختامية، لتبقى منظومة الرقابة المالية تعمل وهي تفتقد أهم أدواتها. وعندما تُعطل أهم أداة للمساءلة، لا ينبغي أن يكون مستغرباً أن تعلن الدولة، بعد أكثر من عشرين عاماً، عن وجود 100 تريليون دينار من السلف غير المسواة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كامل هذا المبلغ قد تعرض للاختلاس أو الضياع، لكنه يعني أن الدولة سمحت ببقاء مبالغ هائلة خارج دائرة التسوية المحاسبية لسنوات طويلة، وهو بحد ذاته مؤشر خطير على ضعف الانضباط المالي وغياب المتابعة الفاعلة، ويكفي وحده لإثارة المساءلة.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة. فالحكومات المتعاقبة تتحمل مسؤولية عدم إعداد الحسابات الختامية وتقديمها في مواعيدها القانونية، كما تتحمل الأغلبية البرلمانية مسؤولية تمرير الموازنات عاماً بعد عام من دون الإصرار على استكمال هذا الاستحقاق الدستوري، رغم التحذيرات المتكررة ورغم صدور حكم من المحكمة الاتحادية يؤكد وجوب الالتزام به.
لهذا، فإن من يتباكى اليوم على هدر المال العام، لا يكفيه أن يطالب بمحاسبة من لم يُسوِّ سلفة أو ارتكب مخالفة مالية، بل عليه أولاً أن يجيب عن سؤال أكثر عمقاً: من الذي أهدر أدوات حماية المال العام؟ ومن الذي سمح، طوال سنوات، بتمرير الموازنات من دون الحسابات الختامية التي أوجبها الدستور، حتى بعد صدور حكم من أعلى سلطة قضائية في البلاد؟



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يفاوض العراق من موقع الضعف
- القائمة الرمادية وكلفة الامتثال في العراق: من يتحمل المسؤولي ...
- تخفيض العملة لن ينقذ الاقتصاد العراقي: قراءة في مفارقة العجز ...
- تصفية وخصخصة المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون.. سياسة عالية ...
- في ضوء تصريح وزير الخارجية حول طباعة 25 ترليون دينار… قراءة ...
- هل يمكن للعراق تطبيق تجربة كوريا الجنوبية والهند في دعم رياد ...
- الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي
- التفسير الفني لا يكفي: ما الذي يحدث للدولار النقدي في العراق ...
- العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI)
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي ...
- اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قوا ...
- هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل؟
- تعطل الاستيراد واختناق السيولة
- التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987
- حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياس ...
- المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات وا ...
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...
- بين تحذيرات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي وخطاب الطمأنة الحك ...
- العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية


المزيد.....




- أسعار النفط تلامس 100 دولار مع تصاعد التوترات الملاحية في ال ...
- وزيرة بريطانية: وضعنا أفضل رغم تجديد ترامب رسوم 10% على السل ...
- المركزي الروسي يقرر خفض سعر الفائدة بواقع 25 نقطة أساس إلى 1 ...
- -روساتوم-: الضغوط الغربية تعقد تنفيذ مشروع محطة -أكويو- النو ...
- بولندا تقترح على الولايات المتحدة إنتاج صواريخ باتريوت بالتع ...
- -سبيربنك- يطلق خدمة صرف العملات في أجهزة الصراف الآلي
- خبيرة اقتصادية تتوقع تراجع أسعار الذهب إلى ما دون 4000 دولار ...
- الصين تفرض قيودا على صادراتها إلى 14 كيانا أوروبيا ردا على ع ...
- بلدنا القطرية ترفع رأسمالها 25% لتمويل توسعات جديدة
- روسيا تدرس تمديد حظر صادرات الديزل والبنزين


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - لم يُهدر المال العام أولاً بل أُهدرت أدوات حمايته