أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - القائمة الرمادية وكلفة الامتثال في العراق: من يتحمل المسؤولية؟














المزيد.....

القائمة الرمادية وكلفة الامتثال في العراق: من يتحمل المسؤولية؟


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 15:06
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


تُعرف كلفة الامتثال بأنها مجموع التكاليف والإجراءات الإضافية التي تفرضها الأنظمة المالية والمصرفية لضمان التزام العمليات بالقوانين والمعايير الدولية، وتشمل الوقت والوثائق والرسوم والتدقيق الإضافي في التحويلات المالية. وبعد عودة العراق إلى القائمة الرمادية ضمن تقييمات FAT F، أصبحت هذه الكلفة أكثر حضوراً في النقاش الاقتصادي، لأنها ترتبط مباشرة بطريقة تعامل النظام المالي الدولي مع التحويلات القادمة من وإلى العراق.
في هذا السياق، فإن كلفة الامتثال سترتفع فعلاً، وهذا يحدث عملياً عبر تشدد أكبر في التحويلات عبر البنوك المراسلة، وطلب مستندات إضافية لكل عملية مالية، وتأخير الحوالات التجارية خصوصاً في الاستيراد، إضافة إلى ارتفاع رسوم التحويل والخدمات المصرفية، مع احتمال عزوف بعض البنوك الأجنبية عن التعامل المباشر مع النظام المالي المحلي. النتيجة المباشرة لذلك أن الاقتصاد يصبح أبطأ وأكثر كلفة وتعقيداً في تفاعله الخارجي، حتى دون أي تغيير في السياسات الداخلية.
لكن هذا التأثير لا يعني بالضرورة حدوث تحول تلقائي في بنية الاقتصاد أو انتقالاً سريعاً نحو الاقتصاد الرسمي. فالافتراض القائل إن نسبة كبيرة من الاقتصاد غير الرسمي تعود فقط إلى ارتفاع كلفة الامتثال هو قراءة غير مكتملة. في الحالة العراقية، الاقتصاد غير الرسمي يرتبط أيضاً بعوامل بنيوية أعمق، مثل ضعف الدولة الرقابي، واتساع الاعتماد على النقد (Cash economy)، والفساد والتهرب الضريبي، وضعف النظام المصرفي، إضافة إلى الطبيعة الريعية للاقتصاد المعتمد على النفط. لذلك فإن تخفيض أو رفع كلفة الامتثال وحده لا يكفي لإحداث تحول جذري في طبيعة الاقتصاد.
أما التأثير الأكثر حساسية فيكمن في العلاقة مع النظام المالي الخارجي، حيث يؤدي تشدد بيئة الامتثال إلى زيادة الحذر تجاه أي تحويل مالي مرتبط بالعراق، ما يرفع “هامش الشك” في التعاملات، ويعزز الاعتماد على السوق الموازية للدولار، وهو ما يخلق ضغطاً إضافياً على سعر الصرف. هذا الضغط لا يظهر دائماً بشكل مباشر في النمو الاقتصادي الرسمي، لكنه ينعكس بوضوح على التضخم وكلفة المعيشة.

من يتحمل مسؤولية العودة إلى القائمة الرمادية؟

لا يمكن اختزال المسؤولية عن العودة إلى القائمة الرمادية ضمن تقييمات FAT F في جهة واحدة، لكن البنك المركزي يبقى الحلقة الأكثر حساسية بحكم موقعه في مركز النظام المالي، لأنه الجهة التي تضع الإطار التنظيمي للقطاع المصرفي وتحدد قواعد التعامل مع التحويلات الخارجية وآليات الامتثال المرتبطة بمكافحة غسل الأموال. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود هذه الأدوات بحد ذاتها، بل في مدى قدرتها على التحول إلى تطبيق فعلي داخل بيئة مصرفية ومؤسسية معقدة.
إذ يتولى البنك المركزي العراقي تنظيم القطاع المصرفي عبر إصدار التعليمات الرقابية، ومراقبة حركة التحويلات المالية إلى الخارج، وفرض متطلبات الامتثال على المصارف، بما في ذلك إجراءات التحقق من مصادر الأموال وهوية المستفيد النهائي. لكن فعالية هذا الدور تتأثر بمدى التزام المصارف من جهة، وبقدرة النظام الرقابي على المتابعة الفعلية من جهة أخرى، خصوصاً في ظل تفاوت كبير في مستويات الامتثال بين المصارف، وضعف أنظمة التدقيق الداخلي في بعضها.
في المقابل، تتحمل المصارف جزءاً مهماً من المسؤولية ليس فقط بسبب ضعف إجراءات “اعرف عميلك”، بل أيضاً بسبب تحويلات تمر أحياناً دون تدقيق كافٍ لسلسلة المستفيدين النهائيين، أو الاعتماد على إجراءات امتثال شكلية تركز على استكمال المستندات أكثر من تحليل المخاطر الفعلية للعمليات المالية.
كما أن مؤسسات الدولة الأخرى مثل الجمارك والضرائب والقضاء ومكافحة الفساد تلعب دوراً محورياً، لأن ضعف الترابط بينها يعني أن تتبع مسار الأموال يصبح مجتزأً؛ فالدخل قد يدخل عبر قناة، ويخرج عبر أخرى دون ربط ضريبي أو قضائي متكامل يسمح بتكوين صورة مالية دقيقة.
وإلى جانب ذلك، فإن بنية الاقتصاد نفسه، القائم على الريع النفطي وهيمنة النقد في التداول واتساع القطاع غير الرسمي، تجعل من الصعب إحكام السيطرة الكاملة على التدفقات المالية، حتى في ظل وجود أطر قانونية ورقابية متقدمة، لأن جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي يتم خارج النظام المصرفي أصلاً.
في المحصلة، فإن كلفة الامتثال بعد العودة إلى القائمة الرمادية تعني عملياً أن كل دينار أو دولار يمر عبر النظام المالي الرسمي يصبح أكثر كلفة وبطئاً وتعقيداً، لكن معالجة جذور المشكلة لا ترتبط بإجراء واحد أو جهة واحدة، بل بإصلاح شامل يطال النظام المصرفي، والمؤسسات الرقابية، والبنية القضائية، وطبيعة الاقتصاد نفسه.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تخفيض العملة لن ينقذ الاقتصاد العراقي: قراءة في مفارقة العجز ...
- تصفية وخصخصة المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون.. سياسة عالية ...
- في ضوء تصريح وزير الخارجية حول طباعة 25 ترليون دينار… قراءة ...
- هل يمكن للعراق تطبيق تجربة كوريا الجنوبية والهند في دعم رياد ...
- الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي
- التفسير الفني لا يكفي: ما الذي يحدث للدولار النقدي في العراق ...
- العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI)
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي ...
- اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قوا ...
- هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل؟
- تعطل الاستيراد واختناق السيولة
- التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987
- حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياس ...
- المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات وا ...
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...
- بين تحذيرات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي وخطاب الطمأنة الحك ...
- العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية
- الدولة لا تُبنى باللهجة… بل بالعقل
- هل تذبذب سعر الصرف “وقتي” فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار الم ...


المزيد.....




- هل تستفيد باكستان اقتصاديا بعد وساطتها لإنهاء حرب إيران؟
- مصر تسعى لزيادة وارداتها من القمح البولندي
- بلومبرغ: إيران تواجه مهمة صعبة في البحث عن مشترين جدد لنفطها ...
- هجوم سيبراني يضرب البنوك الحكومية في إيران
- روسيا الرابعة عالميا في السياحة إلى تايلاند
- إيران تعود إلى بيع نفطها بالدولار.. تهدئة مؤقتة أم تفكيك فعل ...
- المركزي المغربي يثبت سعر الفائدة عند 2.25%
- -الإقامة الذهبية- في لبنان: لماذا أثار مشروع لجذب المستثمرين ...
- تدشين محطة قطار الركاب بمدينة محمد بن زايد في أبو ظبي
- أسواق اليوم الواحد.. حيلة المصريين لمواجهة الأزمات الاقتصادي ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - القائمة الرمادية وكلفة الامتثال في العراق: من يتحمل المسؤولية؟