أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - تخفيض العملة لن ينقذ الاقتصاد العراقي: قراءة في مفارقة العجز وانهيار الإيرادات














المزيد.....

تخفيض العملة لن ينقذ الاقتصاد العراقي: قراءة في مفارقة العجز وانهيار الإيرادات


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 11:17
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


المقدمة
يُنظر إلى تخفيض قيمة العملة في الأدبيات الاقتصادية كأداة لمعالجة اختلالات ميزان المدفوعات وتحسين الوضع المالي للدولة عبر رفع القيمة المقومة بالعملة المحلية للإيرادات الدولارية. غير أن هذا الافتراض يفترض وجود اقتصاد متنوع قادر على الإنتاج والتصدير واستيعاب أثر تغيرات الأسعار، وهو شرط لا يتوفر في الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط كمصدر للإيرادات والصادرات، ويعاني في الوقت نفسه من ضعف القاعدة الإنتاجية وارتفاع الاعتماد على الاستيراد،ما يجعل اللجوء إلى تخفيض العملة في الحالة العراقية أقرب إلى وسيلة محاسبية، هو أن الهدف منه لا يتمثل في تحسين القدرة التنافسية للإنتاج أو زيادة الصادرات، بل في إعادة تسعير الإيرادات النفطية الدولارية عند تحويلها إلى دينار، بما يرفع الرقم الاسمي للإيرادات العامة دون تغيير في حجم الموارد الحقيقية بالدولار. وبذلك يتحول سعر الصرف من أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد إلى أداة لتغطية فجوة مالية ناتجة عن تراجع الإيرادات، وليس لتوسيع القاعدة الإنتاجية أو تصحيح اختلالات هيكلية.
في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع تخفيض العملة كأداة تقنية معزولة، بل كقرار له آثار مالية واجتماعية واسعة، خصوصاً عندما يُطرح في ظل أزمة حادة تتمثل في انهيار الإيرادات النفطية إلى مستويات تقارب 1.5 مليار دولار شهرياً، مقابل التزامات شهرية تتجاوز 5.45 مليار دولار لتمويل الرواتب والمعاشات والدعم.
هذا الاختلال يضع السؤال الأساسي: هل يمكن لتغيير سعر الصرف أن يعالج فجوة بهذا الحجم؟ أم أنه مجرد إعادة توزيع رقمية لعجز حقيقي؟
أولاً: منطق “الإيجابية المحاسبية” لتخفيض العملة في الإطار النظري، يؤدي تخفيض قيمة العملة إلى زيادة الإيرادات الحكومية المقومة بالدينار من العائدات الدولارية وتخفيف الضغط على الموازنة عبر تضخم القيمة الاسمية للدخل النفطي.
وقد ظهر هذا الأثر بوضوح في تجربة تخفيض 2020، حين ارتفع العائد لكل دولار من 1180 إلى 1450 ديناراً، ما وفر سيولة إضافية للحكومة دون زيادة في الإنتاج أو الإيرادات الحقيقية.
لكن هذه “الإيجابية” تبقى محاسبية فقط، لأنها لا تعكس خلق ثروة جديدة، بل إعادة تسعير للدخل ذاته داخل عملة أضعف، في مقابل انتقال مباشر للكلفة إلى الاقتصاد الحقيقي.
ثانياً: انهيار الإيرادات النفطية وتغير طبيعة المشكلة
تختلف الحالة الحالية جذرياً عن أي سياق سابق، لأن المشكلة لم تعد في سعر الصرف، بل في كمية الدولار الداخلة إلى الاقتصاد.
فمع تراجع الصادرات النفطية نتيجة اضطرابات جيوسياسية وتعطل بعض المنافذ التصديرية، انخفضت الإيرادات إلى مستويات تتراوح بين 1.2 و1.5 مليار دولار شهرياً، مقارنة بنحو 6.8 مليار دولار قبل الأزمة.
هذا الانخفاض يعني أن الاقتصاد يواجه أزمة تدفقات دولارية وليس أزمة تسعير، وهو ما يجعل أدوات مثل تخفيض العملة محدودة الأثر بطبيعتها.
حتى في السيناريوهات التي يُفترض فيها تحسن تدريجي للإنتاج النفطي، فإن استعادة الطاقة التشغيلية الكاملة للحقول الكبرى تتطلب عدة أشهر، ما يعني أن أي تحسن في الإيرادات لن يكون فورياً.
ثالثاً: لماذا لا يعالج تخفيض العملة فجوة العجز؟
عند محاكاة أثر رفع سعر الصرف من 1300 إلى 1500 دينار، يتبين أن الإيرادات النفطية بالدينار ترتفع، لكنها تبقى بعيدة عن تغطية العجز الفعلي.
فالتحسن الاسمي لا يتجاوز بضعة تريليونات من الدنانير، بينما تبقى فجوة التمويل عند مستويات عالية تتجاوز القدرة الفعلية للموازنة.
والسبب الجوهري أن ،تخفيض العملة لا يخلق دولارات إضافية، بل يعيد فقط تسعير نفس الدولارات بوحدة نقدية أضعف. وبالتالي، فإن الأثر الإيجابي محدود في حجمه، بينما الأثر التضخمي واسع وفوري.
رابعاً: الكلفة الاجتماعية والتضخم
الأثر الأكثر وضوحاً يظهر في الأسعار.فمع انخفاض قيمة الدينار سترتفع كلفة الاستيراد وتنتقل الزيادة إلى السلع الأساسية ومن ثم تتآكل القوة الشرائية للدخول.
ورغم ثبات الرواتب اسمياً، فإن قيمتها الحقيقية تنخفض، لأن نفس الدخل يشتري كمية أقل من السلع والخدمات.
أما الفئات غير المرتبطة بالموازنة كالعمال اليوميين وأصحاب الدخل غير المستقر ،فتتحمل العبء الأكبر بسبب غياب أي آلية حماية من التضخم.
كما تمتد الكلفة إلى المدخرات النقدية، التي تفقد جزءاً من قيمتها الحقيقية، ما يعني انتقالاً غير مباشر للثروة عبر قناة التضخم.
خامساً: إشكالية التوقيت الاقتصادي
الإشكالية الأخطر في الحالة العراقية ليست في مبدأ تخفيض العملة، بل في توقيته، إذ يُطرح القرار في ظل انخفاض حاد في الإيرادات النفطية، وعدم استقرار في تدفقات الدولار، واعتماد شبه كامل على الاستيراد، إلى جانب تأخر محتمل في عودة الطاقة الإنتاجية للحقول النفطية، وحتى في حال تحسن الإنتاج أو فتح مسارات التصدير فإن استعادة القدرة الكاملة للحقول تحتاج إلى فترة زمنية، ما يجعل أي افتراض بعودة فورية للإيرادات غير واقعي.

في المقابل، فإن أثر تخفيض العملة على الأسعار يكون فورياً وشاملاً.
وهنا تظهر فجوة زمنية خطيرة بين كلفة فورية (تضخم وانكماش معيشي) وفائدة محتملة مؤجلة (زيادة محاسبية في الإيرادات).
بناءً على ما تقدم، لا يمكن النظر إلى تخفيض العملة في العراق كأداة إنقاذ اقتصادي في ظل الظروف الحالية، بل كإجراء محدود الأثر في جانب الإيرادات، واسع الكلفة في جانب المعيشة.
ففي اقتصاد يعاني من اختلال هيكلي واعتماد شبه كامل على النفط، يصبح سعر الصرف متغيراً تابعاً أكثر منه أداة إصلاح.
وعليه، فإن الإشكالية لا تكمن في “هل يمكن رفع سعر الصرف؟”، بل في سؤال أكثر عمقاً: هل يمكن لسياسة نقدية واحدة أن تعوض انهياراً في تدفقات الدولار دون أن تنقل الكلفة إلى المجتمع؟
في ضوء المعطيات الحالية، تبدو الإجابة أقرب إلى النفي.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تصفية وخصخصة المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون.. سياسة عالية ...
- في ضوء تصريح وزير الخارجية حول طباعة 25 ترليون دينار… قراءة ...
- هل يمكن للعراق تطبيق تجربة كوريا الجنوبية والهند في دعم رياد ...
- الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي
- التفسير الفني لا يكفي: ما الذي يحدث للدولار النقدي في العراق ...
- العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI)
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي ...
- اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قوا ...
- هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل؟
- تعطل الاستيراد واختناق السيولة
- التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987
- حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياس ...
- المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات وا ...
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...
- بين تحذيرات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي وخطاب الطمأنة الحك ...
- العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية
- الدولة لا تُبنى باللهجة… بل بالعقل
- هل تذبذب سعر الصرف “وقتي” فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار الم ...
- هل تذبذب سعر الصرف وقتي فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار المال ...


المزيد.....




- أسعار النفط ترتفع بعد إغلاق مضيق هرمز عقب عدوان أمريكي
- البرلماني والسياسي البريطاني جيرمي كوربين: نهاية هذا الأسبوع ...
- كوريا الجنوبية تشهد أول تراجع في عدد الوظائف منذ أكثر من عام ...
- كيف يهدد إغلاق مضيق هرمز مستقبل الاقتصاد العراقي؟
- -2 بوينت زيرو- تتخارج من استثمارها في -طاقة- لصالح -لِعماد- ...
- ستاندرد تشارترد يتوقع تسارع نمو الاقتصاد المصري بحلول 2027
- استقرار الدولار أمام سلة من العملات الرئيسية
- دميترييف: روسيا وألمانيا قادرتان على تشكيل قوة اقتصادية عملا ...
- محلل اقتصادي: الدولار لن ينهار لكنه حصته تتراجع
- عقود الذهب الفورية تصعد من أدنى مستوى لها في 6 أشهر


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - تخفيض العملة لن ينقذ الاقتصاد العراقي: قراءة في مفارقة العجز وانهيار الإيرادات