أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2025















المزيد.....

قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2025


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 13:48
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


تكشف بيانات مؤشر أسعار المستهلك (CPI) لعام 2025 في العراق عن حقيقة أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع عام في الأسعار. فبمتوسط وطني بلغ 108.34، ومعدل تضخم يقارب 8.34%، قد يبدو المشهد مستقرًا نسبيًا للوهلة الأولى. غير أن التعمق في التفاصيل—سواء القطاعية أو الجغرافية—يظهر أن العراق لا يواجه تضخمًا واحدًا، بل أنماطًا متعددة من التضخم تتوزع بشكل غير متكافئ بين القطاعات والمحافظات.

فعلى المستوى القطاعي، تكشف قراءة بيانات مؤشر أسعار المستهلك (CPI) عن نمط تضخمي غير متجانس، يعكس اختلالات هيكلية عميقة في بنية الاقتصاد، أكثر مما يعكس مجرد ارتفاع عام في الأسعار. فالتباين الواضح بين المجموعات السلعية والخدمية يشير إلى أن التضخم لا يتحرك وفق آليات سوق متوازنة، بل يتشكل تحت تأثير عوامل ريعية وتنظيمية متداخلة.
تُظهر البيانات أن أعلى معدلات الارتفاع تتركز في “السلع والخدمات المتنوعة” (120.5)، تليها قطاعات الترفيه والثقافة (117.6) والمطاعم والفنادق (116.3)، وهي جميعها قطاعات خدمية غير أساسية. في المقابل، يسجل الغذاء والمشروبات (108.7)، بينما يبقى التضخم أكثر اعتدالًا في السكن والمرافق (105.2)، ويكاد يكون مستقرًا في الاتصالات (100.5). هذا التوزيع يطرح تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة القوى المحركة للتضخم في الاقتصاد العراقي.
لا يمكن تفسير ارتفاع معدل التضخم في السلع والخدمات المتنوعة وقطاع الترفيه بالاعتماد على فرضية ارتفاع الدخول الفردية، إذ لم يشهد الاقتصاد زيادة ملموسة في الأجور الحقيقية، بل شهد توسعًا في التوظيف الحكومي. وهذا التوسع أدى إلى زيادة الكتلة الإجمالية للرواتب المدفوعة في الاقتصاد، أي زيادة إجمالي الدخل المتاح للإنفاق، دون تحسن موازٍ في إنتاجية العمل أو في القاعدة الإنتاجية.
نتيجة لذلك، دخل عدد أكبر من الأفراد إلى السوق كمستهلكين، ما أدى إلى ارتفاع الطلب، خاصة في قطاعات الخدمات التي تتسم بسرعة التأثر بالإنفاق الاستهلاكي، مثل المطاعم والترفيه والنقل. وفي ظل غياب توسع موازٍ في العرض، تحولت هذه الزيادة في الطلب إلى ضغوط تضخمية واضحة في هذه القطاعات. وبذلك، فإن التضخم في العراق يبدو مدفوعًا بتوسيع قاعدة المستهلكين، لا بزيادة رفاه الفرد أو نمو اقتصادي إنتاجي.
في المقابل، فإن انخفاض التضخم نسبيًا في بند السكن والمرافق لا يعكس استقرارًا ناتجًا عن توازن السوق، بل يرتبط جزئيًا بالركود الذي شهده القطاع العقاري خلال عام 2025. فقد أدت الإجراءات التنظيمية المتعلقة بإيداع الأموال الناتجة عن البيوع العقارية في القطاع المصرفي، إلى تقييد الطلب،، ما أدى إلى تباطؤ حركة البيع والشراء وانخفاض الضغوط السعرية. وعليه، فإن استقرار أسعار السكن يعكس حالة “كبح تنظيمي” للطلب، أكثر مما يعكس تحسنًا هيكليًا في السوق.

أما بالنسبة للغذاء والمشروبات، فعلى الرغم من أن مستوى التضخم فيه يبدو متوسطًا، إلا أن أثره الاجتماعي يظل كبيرًا، نظرًا لكونه يمثل الحصة الأكبر من إنفاق الأسر محدودة الدخل. وبالتالي، فإن أي ارتفاع، وإن كان محدودًا نسبيًا ،يؤدي إلى تآكل مباشر في القدرة الشرائية، ويزيد من حدة الضغوط المعيشية.
لكن الصورة عن معدل التضخم لا تكتمل دون النظر إلى البعد الجغرافي، الذي يكشف بدوره عن وجود تفاوت كبير في معدلات التضخم بين محافظات العراق، حيث يبلغ متوسط مؤشر أسعار المستهلك الوطني 108.34 بما يعكس تضخمًا نسبته 8.34%. ومع ذلك، تسجل المحافظات مثل الأنبار، النجف ، نينوى، كركوك، و ذي قار أعلى مستويات التضخم، بينما بغداد، العاصمة، تسجل أدنى معدل (101.7). هذه الفجوة التي تتجاوز 10 نقاط في المؤشر تعكس تفاوتًا اقتصاديًا واضحًا بين المركز والأطراف،حيث تستفيد بغداد من كونها مركزًا للتوزيع والتجارة، حيث تتوفر السلع بشكل أكبر، وتكون المنافسة أعلى، ما يحد من ارتفاع الأسعار، بينما ترتفع الأسعار في المحافظات ،نتيجة ارتفاع تكاليف النقل، وضعف البنية التحتية، والاعتماد الأكبر على السلع المنقولة، ما يجعل أي زيادة في الكلفة تنتقل مباشرة إلى المستهلك. كما أن بعض هذه المناطق تشهد طلبًا إضافيًا مرتبطًا بإعادة الإعمار أو النمو السكاني، ما يعزز الضغوط التضخمية. هذا التفاوت الجغرافي في الأسعار يعكس عدم تكافؤ الفرص الاقتصادية داخل البلاد ويشير إلى الحاجة إلى سياسات تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي وتقليل الفجوة بين المحافظات.

هذه النتائج كشفت أن التضخم في العراق أدى إلى آثار سلبية مترابطة على الاقتصاد والمجتمع:

أولًا، انخفاض القوة الشرائية: أدى ارتفاع أسعار بعض القطاعات الأساسية مثل الغذاء والمشروبات، والخدمات مثل المطاعم والترفيه والفنادق، إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، خاصة محدودة الدخل، حتى إذا بدا التضخم معتدلًا في بعض البنود، مما يقلل من قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها اليومية ويجبرها على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

ثانيًا، عدم استقرار السوق: انعكست هذه الضغوط على حالة السوق، حيث أظهر تفاوت التضخم بين القطاعات المختلفة وبين المحافظات اضطرابًا واضحًا، فالأسعار لا تتحرك وفق آليات سوقية متوازنة، وانخفاض التضخم في بعض القطاعات مثل السكن والمرافق مرتبط بإجراءات تنظيمية مؤقتة مثل تقييد حركة الأموال في القطاع العقاري، وليس بتحسن هيكلي حقيقي في العرض والطلب، ما يجعل السوق غير مستقر ويزيد من عدم اليقين لدى المستهلكين والمستثمرين.

ثالثًا، عدم كفاءة السياسات الاقتصادية: أظهرت النتائج أن السياسات الحالية فعّالة بشكل محدود، إذ أدى توسع التوظيف الحكومي إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات دون زيادة مقابلة في الإنتاج، بينما كانت الإجراءات التنظيمية لكبح الأسعار مؤقتة، مما يجعل السيطرة على التضخم غير مستدامة على المدى الطويل، ويبرز الحاجة إلى سياسات هيكلية تعزز الإنتاج المحلي، وتحسن كفاءة النقل والتوزيع، وتفعل دور القطاع الخاص لتحقيق توازن حقيقي بين العرض والطلب.

أن استمرار هذا النمط من التفاوت ، سيجعل التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في خفض معدلات التضخم، بل في معالجة جذوره الهيكلية، عبر تعزيز الإنتاج، وتحسين كفاءة النقل والتوزيع، وتفعيل دور القطاع الخاص، بما يعيد التوازن بين الطلب والعرض، ويقرب بين مناطق العراق المتعددة داخل حدوده الجغرافية.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قوا ...
- هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل؟
- تعطل الاستيراد واختناق السيولة
- التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987
- حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياس ...
- المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات وا ...
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...
- بين تحذيرات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي وخطاب الطمأنة الحك ...
- العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية
- الدولة لا تُبنى باللهجة… بل بالعقل
- هل تذبذب سعر الصرف “وقتي” فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار الم ...
- هل تذبذب سعر الصرف وقتي فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار المال ...
- استقرار نقدي أم وهم اقتصادي؟ قراءة في أرقام البنك المركزي ور ...
- بين الاستقرار المحاسبي والاختلال الاقتصادي: قراءة رقمية في ت ...
- العراق: اقتصاد واحد بمسارين… رفاهية السلطة ومعاناة الشعب
- ماذا بعد يا عراق… حين تصبح المهازل ميزان الدولة؟
- عودة الشركات الفاشلة… ومشروع طريق التنمية
- نتائج التعداد السكاني في العراق 2025: قراءة تحليلية لمستقبل ...
- هل يعود العراق إلى “الورقة البيضاء”؟ ولماذا قد تكون الخيار ا ...
- النفوذ الأميركي الثلاثي في العراق: بين الحاجة والهيمنة


المزيد.....




- -حرب إيران- ـ بين حسابات الربح والخسارة وإعادة تشكيل مراكز ا ...
- تدفق السيولة النقدية وتداعياتها الاقتصادية
- مسار جديد لاقتصاد العملات المشفرة في إيران عقب الهدنة
- الجزائر تفصل المحروقات عن المناجم في تشكيلة الحكومة
- ارتفاع تكاليف الوقود.. هذه الخطوات الأولى من شركات الطيران
- 2025.. عام الصلابة المالية والإنجازات النوعية في الإمارات
- سلطان الجابر: بقوة صناعتنا نحوّل التحديات إلى قوة راسخة
- -دبي لصناعات الطيران- و-بلاكستون- تطلقان برنامج -إكواتور-
- تعرف على قرارات 10 شركات طيران كبرى لمواجهة أزمة الوقود
- هدنة حرب إيران.. قراءات بريطانية في حصيلة الربح والخسارة


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2025