أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي














المزيد.....

الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 12:11
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن الاقتصاد أكثر انتشاراً في الفضاء العام، ولم يعد مقتصراً على الأكاديميين والمتخصصين. وهذا أمر صحي في جانب منه، لأن الاقتصاد لم يعد علماً نظرياً معزولاً، بل تحول إلى قضية تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر؛ من الأسعار والبطالة إلى الرواتب وسعر الصرف والخدمات.
لكن مع هذا الاتساع في الاهتمام، ظهرت أيضاً فجوة واضحة بين الحديث عن الاقتصاد والتحليل الاقتصادي بالمعنى المهني المتخصص.
فكثير من الطروحات التي تبدو متماسكة ومنظمة في ظاهرها، تعكس في حقيقتها طريقة تفكير إدارية أو هندسية أكثر من كونها معالجة اقتصادية عميقة. والفرق هنا لا يتعلق بالذكاء أو الثقافة العامة، بل بطبيعة المنهج الذي ينظر من خلاله كل تخصص إلى المشكلات.
المهندس بطبيعته يميل إلى التفكير الخطي والمنظم: تحديد المشكلة، جمع البيانات، قياس الفجوة، وضع هدف، ثم تصميم مسار للوصول إلى النتيجة المطلوبة. ولهذا نجد أن كثيراً من الطروحات غير الاقتصادية تركّز على: المؤشرات الرقمية، المستهدفات، التخطيط، كفاءة التنفيذ،المتابعة والتقييم.
وهي أدوات مهمة بلا شك، بل إن الاقتصاد الحديث نفسه يستخدمها. لكن المشكلة تبدأ حين يُنظر إلى الاقتصاد باعتباره منظومة يمكن ضبطها تقنياً بالطريقة نفسها التي تُدار بها المشاريع الهندسية أو الإدارية.
فالاقتصاد ليس ماكينة ميكانيكية تعمل وفق معادلات ثابتة، بل نظام اجتماعي شديد التعقيد، يتداخل فيه:السلوك البشري، السياسة، الثقة، الثقافة، التوقعات، المؤسسات،وحتى الأزمات الجيوسياسية.
ولهذا السبب، فإن الاقتصادي المتخصص لا يكتفي بقراءة المؤشرات، بل يحاول فهم ما وراءها.
فعندما يرى ارتفاع الناتج المحلي مثلاً، لا يسأل فقط ، كم بلغ النمو؟، بل يسأل:ما مصدر هذا النمو هل هو نمو إنتاجي أم ريعي؟هل خلق وظائف حقيقية؟هل انعكس على الدخل الفردي؟
هل هو مستدام أم مؤقت؟
وعندما يرى انخفاض البطالة، لا يعتبر ذلك نجاحاً تلقائياً، لأنه يدرك أن بعض الاقتصادات قد تخفض البطالة عبر التوظيف الحكومي غير المنتج أو عبر التوسع الريعي، دون أن يعني ذلك وجود اقتصاد صحي.
وكذلك التضخم؛ فليس كل تضخم دليلاً على النشاط الاقتصادي، وليس كل انخفاض في التضخم دليلاً على الاستقرار. أحياناً يكون انخفاض التضخم نتيجة ركود وضعف طلب وانكماش اقتصادي.
هذه الزاوية التحليلية هي ما يميز الاقتصادي عن غيره.
الاقتصادي لا ينظر فقط إلى النتيجة، بل إلى:بنية الاقتصاد،طبيعة الحوافز، كفاءة المؤسسات، مصادر التمويل، التشوهات الهيكلية، العلاقة بين السياسة المالية والنقدية، وطبيعة السوق نفسها.
وفي الاقتصادات الريعية تحديداً، مثل العراق، تصبح هذه الفوارق أكثر أهمية. لأن المؤشرات التقليدية قد تكون مضللة أحياناً.
فقد يبدو الناتج المحلي مرتفعاً بسبب أسعار النفط، بينما يبقى الاقتصاد الحقيقي ضعيفاً. وقد تبدو البطالة منخفضة بسبب التوظيف الحكومي، بينما تتراجع الإنتاجية الفعلية. وقد يستقر سعر الصرف ظاهرياً، بينما يتآكل النشاط الاقتصادي الحقيقي في الداخل.
لذلك فإن التحليل الاقتصادي الحقيقي لا يكتفي بالشعارات العامة مثل: الإصلاح الاقتصادي أو تحسين مستوى المعيشة أو تنويع الاقتصاد.
بل يحاول الإجابة عن أسئلة أكثر تعقيداً:ما نوع الاقتصاد الذي نريده؟ ما القطاعات القادرة فعلاً على خلق قيمة مضافة؟ كيف نعيد توجيه الإنفاق؟ ما حجم الدولة المناسب؟ كيف نبني قطاعاً خاصاً منتجاً؟وما الكلفة الاجتماعية والسياسية لكل قرار اقتصادي؟
وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين من يتحدث عن الاقتصاد ومن يفكر اقتصادياً.
فالاقتصاد ليس مجرد جداول ومؤشرات وأرقام، بل علم يبحث في كيفية إدارة الندرة داخل مجتمع مليء بالمصالح والتناقضات والقيود.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو اختزال الاقتصاد في وصفات تقنية مبسطة، أو التعامل معه باعتباره مشكلة يمكن حلها بمجرد وضع أهداف رقمية وخطط تنفيذية.
فالاقتصاد في النهاية ليس مشروعاً هندسياً مغلقاً ، بل كائن حي يتغير باستمرار، ويتأثر بالإنسان قبل الأرقام.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التفسير الفني لا يكفي: ما الذي يحدث للدولار النقدي في العراق ...
- العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI)
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي ...
- اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قوا ...
- هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل؟
- تعطل الاستيراد واختناق السيولة
- التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987
- حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياس ...
- المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات وا ...
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...
- بين تحذيرات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي وخطاب الطمأنة الحك ...
- العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية
- الدولة لا تُبنى باللهجة… بل بالعقل
- هل تذبذب سعر الصرف “وقتي” فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار الم ...
- هل تذبذب سعر الصرف وقتي فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار المال ...
- استقرار نقدي أم وهم اقتصادي؟ قراءة في أرقام البنك المركزي ور ...
- بين الاستقرار المحاسبي والاختلال الاقتصادي: قراءة رقمية في ت ...
- العراق: اقتصاد واحد بمسارين… رفاهية السلطة ومعاناة الشعب
- ماذا بعد يا عراق… حين تصبح المهازل ميزان الدولة؟


المزيد.....




- الافلاس في قطاع تجارة السيارات يزداد
- تقديرات أمنية إسرائيلية: الحصار الاقتصادي على طهران أجدى من ...
- الحرب على إيران تدفع -إلعال- إلى خسارة فصلية بـ67 مليون دولا ...
- -القطرية- تحقق أرباحا قياسية وتختم العام بأقوى وضع مالي في ت ...
- بريطانيا تخفف القيود المفروضة على النفط الخام الروسي
- وزير البترول المصري: خفّضنا مديونية الشركاء الأجانب بنحو 93% ...
- طيران الإمارات تكمل تحديث أول طائرة إيرباص A380 ذات الدرجتين ...
- التضخم في بريطانيا يتراجع بأكثر من التوقعات في أبريل
- النفط يتراجع والذهب يهبط تحت ضغط رهانات الفائدة والحرب
- بوتين في الصين.. الاقتصاد أولا أم توافق المواقف السياسية؟


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي