أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟















المزيد.....

العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 19:26
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


مع اقتراب تشكيل الحكومة المقبلة، لن يكون التحدي الحقيقي سياسياً بقدر ما هو مالي. فالدولة تجد نفسها أمام معادلة ضاغطة: إيرادات نفطية متذبذبة، إنفاق تشغيلي مرتفع وثابت، واحتياطي نقد أجنبي يُفترض أن يبقى خط الدفاع الأخير، لا أداة للاستخدام اليومي.
فإيرادات شهر آذار لم تتجاوز 1.9 مليار دولار (نحو 2.5 ترليون دينار)، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى ما يقارب 7–8 ترليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب فقط، ما يعني فجوة فورية بحدود 5 ترليونات دينار دون احتساب بقية النفقات.
هذه المعادلة تضع الحكومة المقبلة أمام خيارين واضحين: إما الذهاب نحو إصلاح مالي هيكلي يعيد ضبط مسار المالية العامة، أو الاستمرار في النهج القائم القائم على ترحيل الأزمة عبر الاقتراض وتوسيع الضغوط على الاستقرار النقدي.

الأصلاح المالي الهيكلي لا تعني قرارات ارتجالية أو صدمات غير محسوبة، بل مساراً تدريجياً لإعادة التوازن. تبدأ بإعادة ضبط الإنفاق، خصوصاً التشغيلي منه الذي يشكل أكثر من 80% من إجمالي الإنفاق العام، وتمرّ بتوسيع الإيرادات غير النفطية التي لا تزال بحدود 12% من إجمالي الإيرادات، وتنتهي بإعادة تعريف دور الدولة من ممول مباشر للاستهلاك إلى محفّز للإنتاج. وفي ظل الفجوة المالية القائمة، لا يمكن تجاهل دور أدوات التمويل، وفي مقدمتها الاقتراض، لكن هذا الدور يجب أن يُعاد تعريفه: فلا يُلغى الاقتراض، بل يُعاد توظيفه كأداة انتقالية لحماية الاستقرار، لا كوسيلة دائمة لتمويل العجز.

في المقابل، فإن الاستمرار في النهج القائم ، الذي يرتكز على تمويل إنفاق جارٍ متضخم عبر إيرادات نفطية عالية التقلب، مع الاعتماد المتكرر على أدوات الدين لسد العجز ، يعكس اختلالات بنيوية أعمق في إطار إدارة المالية العامة. إذ يرتبط هذا النمط بضعف منظومة الحوكمة الاقتصادية، حيث لا تستند عملية صنع القرار بشكل كافٍ إلى معايير الكفاءة الاقتصادية وتعظيم العائد، بقدر ما تتأثر باعتبارات التوازنات السياسية، الأمر الذي يفضي إلى تشوهات في تخصيص الموارد وانخفاض كفاءة الإنفاق العام.
ويتعزز هذا الخلل في ظل تعدد مراكز النفوذ داخل الجهاز التنفيذي، بما في ذلك وجود هياكل أو مكاتب اقتصادية ذات ارتباطات سياسية تعمل خارج الأطر المؤسسية الرسمية، وتمارس تأثيراً مباشراً أو غير مباشر في توجيه القرار الاقتصادي داخل بعض الوزارات، وهو ما يضعف الانضباط المالي ويقوّض فعالية السياسات العامة.
كما يبرز القصور في عدم استكمال أدوات الإدارة المالية الحديثة، وفي مقدمتها تفعيل نظام الحساب الموحد للخزينة ، استمرار تشتت التدفقات المالية وتعدد قنوات الإنفاق خارج الأطر الرقابية المتكاملة، الأمر الذي يحدّ من كفاءة إدارة السيولة ويضعف شفافية المالية العامة. ويتزامن ذلك مع نمط انفتاح تجاري غير منضبط، في ظل غياب سياسات صناعية وزراعية فاعلة، مما يعمّق الاعتماد على الاستيراد ويكرّس الطبيعة الريعية للاقتصاد.
أما على صعيد بيئة الاستثمار، فلا تزال تعاني من اختلالات مؤسسية وإجرائية تتعلق بالحوكمة والشفافية، حيث لا تُدار عمليات منح الفرص الاستثمارية دائماً وفق آليات تنافسية قائمة على معايير واضحة، الأمر الذي يضعف ثقة المستثمرين ويحدّ من قدرة القطاع الخاص على الاضطلاع بدور محوري في تحقيق النمو والتنويع الاقتصادي.
إن الاستمرار في النهج الحالي ، سيخلق سلسلة من الضغوط المتدرجة التي تنعكس في النهاية على الاحتياطي النقدي الأجنبي بوصفه خط الدفاع الأخير للاستقرار المالي
ومع اتساع فجوة التمويل، يتحول الاحتياطي تدريجياً من كونه أداة سيادية لضمان الاستقرار النقدي إلى مصدر يُستخدم بشكل غير مباشر لدعم السيولة ومواجهة الالتزامات الآنية، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل وظيفته الأساسية
وفي هذا السياق، يبدأ تآكل هامش الأمان النقدي، حيث لا يعود الاحتياطي يقاس بحجمه الاسمي فقط، بل بقدرته الفعلية على تغطية الاستيرادات والالتزامات الحرجة، ومع استمرار ارتفاع الإنفاق التشغيلي وتزايد الحاجة للعملة الأجنبية يبقى الاحتياطي تحت ضغط دوري مستمر، ما يؤدي إلى انخفاض الهامش الآمن رغم استقرار الرقم الظاهري
ويترافق ذلك مع توسع الاعتماد على أدوات غير مباشرة لاستيعاب العجز، من خلال زيادة الدين الداخلي والضغط على السيولة بالدينار، الأمر الذي يدفع السياسة النقدية إلى التدخل بشكل متكرر للحفاظ على الاستقرار، وهو ما يعزز استنزاف الاحتياطي بصورة غير مباشرة عبر قنوات مالية ونقدية متداخلة
ومع استمرار هذا المسار، ترتفع مخاطر سعر الصرف نتيجة زيادة حساسية السوق تجاه أي صدمة في الإيرادات النفطية، وارتفاع كلفة الدفاع عن العملة، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، ما يعكس انتقال الاحتياطي من دور الاستقرار إلى دور دفاعي مكلف
وتكتمل هذه السلسلة عبر حلقة تغذية عكسية تبدأ بعجز مالي يقابله اقتراض، ثم ضغط نقدي، يعقبه تدخل من الاحتياطي، يؤدي إلى تراجع الهامش الآمن، ثم زيادة الحساسية للصدمات، ما يفضي في النهاية إلى تعاظم العجز من جديد، في دورة تؤدي إلى إضعاف متدرج في قدرة النظام المالي على الاستقرار على المدى المتوسط
.
تكمن خطورة هذا المسار في أن أثره النهائي لا يظهر فقط في الأرقام المالية أو العجز الجاري، بل في إعادة تشكيل وظيفة الاحتياطي النقدي الأجنبي نفسه، باعتباره خط الدفاع الأخير عن الاستقرار النقدي
فالاحتياطي النقدي لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد رصيد مالي، بل هو أداة سيادية متعددة الوظائف، تشمل ضمان استقرار سعر الصرف، وتمويل الاستيرادات الأساسية، وامتصاص الصدمات الخارجية
يُقدّر احتياطي النقد الأجنبي العراقي بنحو 98 مليار دولار، وهو مستوى يوفر هامش أمان معقولاً نسبياً، لكنه يظل هشاً بطبيعته إذا ما تحول إلى مصدر تغطية مستمرة للعجز التشغيلي بدل أن يبقى أداة استقرار
ومع انتقاله تدريجياً إلى هذا الاستخدام غير المباشر، يبدأ الاحتياطي بفقدان دوره الوقائي، وتظهر أولى مؤشرات الضغط من خلال تراجع القدرة على امتصاص الصدمات، وارتفاع حساسية سعر الصرف، وتزايد الاعتماد على أدوات تمويل بديلة للحفاظ على السيولة
تجربة العراق خلال العقود الماضية تقدم شواهد واضحة. ففي تسعينيات القرن الماضي، تآكلت الاحتياطيات إلى مستويات شبه معدومة تحت وطأة الحصار. وفي مرحلة ما بعد 2014، ومع انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 40 دولاراً للبرميل وارتفاع كلفة الحرب، تراجع الاحتياطي بشكل ملحوظ. ثم جاءت صدمة 2020، حين انهارت أسعار النفط لفترة إلى ما دون 30 دولاراً للبرميل، ما دفع الحكومة إلى التوسع في الاقتراض الداخلي واستخدام أدوات نقدية لتغطية الرواتب.
ما يجمع بين هذه المراحل ليس الحدث بحد ذاته، بل النمط المتكرر: صدمة خارجية، يقابلها اقتصاد داخلي غير مرن، فيُستخدم الاحتياطي كخط دفاع أول، ثم كأداة تمويل، قبل أن يتحول إلى نقطة ضعف إذا استمر الاستنزاف.
اليوم، تقف الحكومة المقبلة أمام هذا الدرس المتكرر. فالحفاظ على الاحتياطي عند مستوى الأمان لم يعد خياراً فنياً، بل ضرورة لضمان الاستقرار المالي والنقدي. وهذا لا يتحقق عبر تجنب الاقتراض، بل عبر ضبطه وتوجيهه، ومنع تحوله إلى نمط دائم لتمويل الإنفاق الجاري.
في النهاية، لا يتعلق الأمر باختيار بين قرارات سهلة وأخرى صعبة، بل بين مسارين مختلفين تماماً:
مسار يقبل كلفة الإصلاح اليوم لحماية الاستقرار غداً،ومسار يؤجل المواجهة، لكنه يستهلك تدريجياً ما تبقى من هوامش الأمان.
وحين تصل الخيارات إلى هذا الحد من الضيق، لا يعود السؤال: أيهما أقل كلفة سياسياً؟
بل: أيهما يمنع الوصول إلى لحظة لا يعود فيها القرار الاقتصادي بيد الدولة نفسها.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI)
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي ...
- اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قوا ...
- هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل؟
- تعطل الاستيراد واختناق السيولة
- التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987
- حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياس ...
- المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات وا ...
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...
- بين تحذيرات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي وخطاب الطمأنة الحك ...
- العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية
- الدولة لا تُبنى باللهجة… بل بالعقل
- هل تذبذب سعر الصرف “وقتي” فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار الم ...
- هل تذبذب سعر الصرف وقتي فعلاً؟ قراءة في خطاب الاستقرار المال ...
- استقرار نقدي أم وهم اقتصادي؟ قراءة في أرقام البنك المركزي ور ...
- بين الاستقرار المحاسبي والاختلال الاقتصادي: قراءة رقمية في ت ...
- العراق: اقتصاد واحد بمسارين… رفاهية السلطة ومعاناة الشعب
- ماذا بعد يا عراق… حين تصبح المهازل ميزان الدولة؟
- عودة الشركات الفاشلة… ومشروع طريق التنمية
- نتائج التعداد السكاني في العراق 2025: قراءة تحليلية لمستقبل ...


المزيد.....




- النفط يتراجع والذهب يصعد مع عودة المفاوضات الأمريكية الإيران ...
- حصار موانئ إيران يبقي التأمين البحري مرتفعا رغم الهدنة
- الحزب الديمقراطي: دونالد ترامب يقود الاقتصاد الأمريكي إلى ال ...
- قفزة النفط تربك قرارات اليابان وتثقل ميزانية ماليزيا
- شرطة باريس تداهم قصر الإليزيه في ملف فساد
- 110 مليارات دولار تدرها الموانئ.. الحصار الأمريكي ينذر بخنق ...
- -المخبر الاقتصادي-.. هل أغلقت إيران مضيق هرمز فعليا؟ وكيف تم ...
- وارش يستعد لدخول الاحتياطي الفدرالي بمحفظة استثمارية كبيرة
- أمريكان إيرلاينز وويز إير تمددان تعليق رحلاتهما لإسرائيل
- من طهران إلى هرمزغان.. مفاصل اقتصادية استهدفتها الحرب في إير ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟