سهام يوسف علي
الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 22:00
المحور:
الادارة و الاقتصاد
تُعدّ فكرة تصفية أو خصخصة المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون من الأدوات الشائعة في سياسات الإصلاح الاقتصادي، خصوصاً في الدول التي تعاني من تضخم القطاع العام وتراجع الكفاءة الإنتاجية. ومن حيث المنطق الاقتصادي، لا تُطرح هذه الأدوات كغاية بحد ذاتها، بل كوسيلة لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتقليص العبء المالي على الموازنة العامة، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد.
فالمؤسسات العامة الخاسرة أو المثقلة بالديون تمثل في كثير من الحالات استنزافاً مستمراً للموارد العامة، سواء عبر الدعم المباشر أو تغطية العجز أو ضعف الإنتاجية. ومن هنا تظهر فكرة الخصخصة أو إعادة الملكية كخيار يهدف إلى نقل هذه المؤسسات من منطق العبء المالي إلى منطق الكفاءة الاقتصادية، عبر إدخالها في بيئة السوق والانضباط التنافسي.
في النموذج النظري الناجح، تفترض الخصخصة توفر ثلاث ركائز أساسية: شفافية كاملة في تقييم الأصول بما يعكس قيمتها الحقيقية، وسوق تنافسية تمنع نشوء الاحتكار بعد انتقال الملكية، وإطار مؤسسي مستقل يضمن حياد القرار الاقتصادي عن الضغوط السياسية والمصالح الضيقة. وبدون هذه الركائز تتحول الخصخصة من أداة إصلاح إلى عملية تصفية أصول تحت ضغط مالي.
لكن عند إسقاط هذا النموذج على الحالة العراقية، يظهر اختلال جوهري في نقطة الانطلاق نفسها، إذ إن الشروط التي يفترض أن تضمن نجاح الخصخصة هي ذاتها الشروط التي يعاني النظام المؤسسي من ضعفها. فغياب الشفافية في التقييم، وتراجع استقلالية الأجهزة الرقابية، وتداخل النفوذ السياسي والاقتصادي، كلها عوامل تجعل البيئة غير مهيأة لتطبيق النموذج النظري دون انحرافات محتملة.
لذلك، في بيئة مؤسسات ضعيفة كما هو الحال في العراق، يكمن جوهر الخطر الاقتصادي في الفجوة بين القيمة الحقيقية للأصول العامة وبين الأسعار التي قد تُباع بها في سياقات ضغط مالي أو مؤسسي. هذه الفجوة لا تتعلق بالتقييم المالي فقط، بل بمدى شفافية العملية وقدرة المؤسسات على ضبطها. وفي مثل هذه البيئات، قد لا يكون الانحراف مجرد خطأ تقني في التقييم، بل نتيجة اختلالات مؤسسية تفتح المجال لتأثيرات غير رسمية على قرارات التسعير والتخصيص، بما يجعل بعض الصفقات أقرب إلى إعادة توزيع غير شفافة للثروة العامة، أو إلى صفقات نفوذ مرتبطة بعلاقات سياسية واقتصادية.
كما تُظهر التجربة الدولية أن الفارق بين “خصخصة ناجحة” و“خصخصة فاسدة” لا يرتبط بنوع السياسة بحد ذاته، بل بقدرة المؤسسات على ضبطها. ففي البيئات الضعيفة الرقابة، يمكن أن تتحول عمليات بيع الأصول إلى صفقات مغلقة تُمنح فيها الأصول بأقل من قيمتها الحقيقية بكثير، ما يؤدي إلى خسارة مزدوجة: خسارة مالية فورية للدولة، وخسارة طويلة الأمد تتمثل في فقدان موارد إنتاجية كان يمكن أن تستمر في دعم الاقتصاد الوطني.
#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟