أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - حين يفاوض العراق من موقع الضعف














المزيد.....

حين يفاوض العراق من موقع الضعف


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 11:40
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في السياسة لا توجد صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن لوم تركيا لأنها تفاوض بقوة أو تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب، فهذه هي وظيفة أي دولة تحسن إدارة مصالحها الاستراتيجية. أما السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العراقيون فهو: كيف وصل العراق إلى مرحلة يدخل فيها مفاوضات مصيرية وهو في موقع دفاعي، فيما يمسك الطرف الآخر بمعظم أوراق الضغط؟
المفاوضات الجارية بين بغداد وأنقرة بشأن اتفاقية نقل النفط ليست مجرد نقاش فني حول خط أنابيب كركوك – جيهان، بل هي إعادة رسم للعلاقة الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين بعد انتهاء الاتفاقية الموقعة عام 1973. فتركيا ترفض تمديد الاتفاقية القديمة، لأنها ترى أن قرارات التحكيم الدولي وما رافقها من نزاعات غيّرت قواعد اللعبة، ولذلك تريد اتفاقاً جديداً يمتد من خمس إلى عشر سنوات، يضمن مصالحها ويجنبها تكرار الخلافات السابقة.
لكن أخطر ما يطرح على طاولة التفاوض هو مطالبة أنقرة بإدراج بند يلزم العراق بدفع رسوم مالية عن الطاقة الاستيعابية غير المستخدمة في خط الأنابيب. وإذا قُبل هذا الشرط، فلن يدفع العراق مقابل النفط الذي يصدره فحسب، بل سيدفع أيضاً عن الكميات التي لا يصدرها، وهو ما يمنح تركيا مورداً مالياً ثابتاً، ويضيف عبئاً جديداً على المالية العراقية.
وتدرك أنقرة أن عامل الوقت يعمل لصالحها. فمع اقتراب انتهاء الاتفاقية في السابع والعشرين من تموز، تلوّح بإيقاف تدفقات النفط إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق جديد، مستثمرة حاجة العراق إلى استمرار الصادرات النفطية لتغذية الموازنة العامة، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العراقي بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية.
ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في براعة المفاوض التركي، بل في هشاشة البيئة التي يفاوض منها العراق. فمنذ عام 2003 لم ينجح العراق في بناء سياسة نفطية مستقرة وموحدة، بل ظل ملف النفط ساحة للصراعات بين بغداد وأربيل، الأمر الذي أضعف الموقف العراقي، ومنح الأطراف الخارجية فرصة للاستفادة من هذا الانقسام.
غير أن تحميل المسؤولية للظروف أو لتعقيدات الملف النفطي وحدها لا يكفي. فالجذر الحقيقي للمشكلة يكمن في الطبقة السياسية التي أدارت الدولة منذ عام 2003. فهذه الطبقة لم تنجح في بناء سياسة نفطية وطنية مستقرة، ولم تؤسس مؤسسات قادرة على إدارة الثروة بعيداً عن المحاصصة والتجاذبات الحزبية، بل جعلت من الملفات السيادية ساحات للصراع على النفوذ وتقاسم المكاسب.
ولم يكن الخلاف بين بغداد وأربيل قدراً محتوماً، بل كان نتيجة مباشرة لعجز الحكومات المتعاقبة عن إنتاج حلول دستورية وقانونية دائمة، فظل ملف النفط رهينة الأزمات المؤجلة، إلى أن تحولت تلك الأزمات إلى أوراق تفاوض بيد الآخرين.
والأخطر أن هذه الطبقة السياسية انشغلت بتقاسم عوائد النفط أكثر من انشغالها بحماية أدوات إنتاجه وتصديره. فلم تعمل على تنويع منافذ التصدير، ولم تستثمر سنوات الوفرة المالية في بناء بدائل استراتيجية تقلل من قدرة أي طرف خارجي على ممارسة الضغوط، حتى أصبح العراق، وهو أحد أكبر منتجي النفط في العالم، يدخل مفاوضات مصيرية وهو يخشى توقف منفذ واحد للتصدير.
لهذا، فإن ضعف الموقف التفاوضي العراقي اليوم ليس نتيجة براعة المفاوض التركي وحدها، بل هو الثمن الذي يدفعه العراق بعد أكثر من عقدين من سوء الإدارة، وغياب التخطيط، وهيمنة الحسابات الحزبية على القرارات السيادية. وما يحدث اليوم ليس أزمة اتفاقية نفطية فحسب، بل مرآة تعكس حصيلة إدارة سياسية أهدرت الكثير من عناصر قوة الدولة، حتى أصبح الآخرون يفاوضون العراق من موقع القوة، بينما يفاوض هو من موقع الحاجة.
كما أن اعتماد العراق على منفذ رئيسي واحد لتصدير جزء مهم من نفطه جعل هذا الخط يتحول من ورقة قوة إلى ورقة ضغط. فكلما ازدادت حاجة العراق إلى هذا المنفذ، ازدادت قدرة الطرف الآخر على فرض شروطه. وكان بالإمكان تقليل هذا الاعتماد عبر تنويع منافذ التصدير وبناء بدائل استراتيجية، إلا أن سنوات طويلة ضاعت في الخلافات الداخلية والتأجيل.
ويضاف إلى ذلك أن بغداد دخلت المفاوضات تحت ضغط الزمن، رغم أن موعد انتهاء الاتفاقية كان معروفاً منذ سنوات. ومن يدخل أي تفاوض وهو يلاحق المواعيد النهائية، غالباً ما يكون أكثر استعداداً لتقديم التنازلات من الطرف الذي يملك الوقت والبدائل.
ولا يمكن إغفال أن الملفات القانونية ما زالت تلقي بظلالها على المفاوضات. فرغم أن العراق حقق حكماً مهماً في قضية التحكيم الأولى، فإن استمرار النزاعات القانونية وعدم حسم العلاقة النفطية مع إقليم كردستان جعلا الملف أكثر تعقيداً، وأتاحا لأنقرة مساحة أوسع للمناورة.
في المقابل، ينبغي أيضاً عدم المبالغة في تصوير الموقف التركي على أنه تفوق مطلق. فتركيا ليست في غنى عن النفط العراقي، وهي تسعى إلى ترسيخ موقعها كممر إقليمي للطاقة نحو أوروبا، لذلك فإن تشددها جزء من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى تعظيم المكاسب، وليس بالضرورة مقدمة لإغلاق الخط بصورة نهائية. كما أن بعض الأرقام المتداولة بشأن الخسائر أو الطاقات التشغيلية أو التعويضات تدخل في إطار الخطاب التفاوضي المتبادل، وينبغي التعامل معها بحذر حتى تتضح نتائج المفاوضات.
الخلاصة أن العراق لا يواجه اليوم أزمة أنبوب نفط فحسب، بل يواجه نتيجة سنوات من غياب الرؤية الاستراتيجية والانقسام في إدارة أهم ثروة يملكها. فتركيا تدخل المفاوضات وهي تمتلك استراتيجية واضحة وأهدافاً محددة وأوراق ضغط فعالة، بينما يدخل العراق المفاوضات وهو يحاول معالجة تراكمات سنوات من الخلافات وسوء إدارة الملف النفطي.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القائمة الرمادية وكلفة الامتثال في العراق: من يتحمل المسؤولي ...
- تخفيض العملة لن ينقذ الاقتصاد العراقي: قراءة في مفارقة العجز ...
- تصفية وخصخصة المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون.. سياسة عالية ...
- في ضوء تصريح وزير الخارجية حول طباعة 25 ترليون دينار… قراءة ...
- هل يمكن للعراق تطبيق تجربة كوريا الجنوبية والهند في دعم رياد ...
- الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي
- التفسير الفني لا يكفي: ما الذي يحدث للدولار النقدي في العراق ...
- العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI)
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي ...
- اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قوا ...
- هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل؟
- تعطل الاستيراد واختناق السيولة
- التقاعد المؤقت.. حين تستدعي أزمات 2026 قوانين 1987
- حين يُستبدل العقل بالتقديس: زهراء الساعدي وخطاب الغلو السياس ...
- المفاضلة بين تخفيض سعر الصرف وتخفيض الامتيازات: الأولويات وا ...
- لماذا لا يوجد «مارك كارني عراقي»؟ النظام المحاصصي وأزمة إنتا ...
- بين تحذيرات ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي وخطاب الطمأنة الحك ...
- العراق بين التوازن المالي والتوازن الاقتصادي: قراءة كينزية
- الدولة لا تُبنى باللهجة… بل بالعقل


المزيد.....




- خبير روسي يحذر من تلف محصول الأرز بالهند جراء -النينو- وقفزة ...
- استغلال العملات المشفرة في أمريكا بينما يتعثر الاقتصاد
- مفوضة الاتحاد الأوروبي: مقترح تعليق الامتيازات التجارية لإسر ...
- الصين تطور منظومة متكاملة لرصد الكويكبات
- أسعار النفط تتماسك وسط آمال باتفاق أمريكي إيراني
- عمال -مرسيدس- يقودون احتجاجات واسعة في قطاع السيارات بألماني ...
- -رويترز-:خسائر النفط في الحرب الأمريكية على إيران دون مستويا ...
- -عقدة هرمز-.. معركة قانونية تغذيها الحسابات الاقتصادية
- من القطن إلى وادي السيليكون.. 250 عاما من انتقال مركز الثقل ...
- -بلومبرغ-:زيادة إنتاج النفط لدى دول -أوبك- خلال يونيو الماضي ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - حين يفاوض العراق من موقع الضعف