أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب















المزيد.....

عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 22:51
المحور: الادب والفن
    


لم يفاجئني ما قاله صديق الطفولة الذي لم أره منذ أربعين عامًا عن عراق اليوم. كان يتحدث عن الفساد والثراء كما لو أنه يتحدث عن الطقس، أرقام بالملايين تُذكر بخفةٍ تشبه خفة الأصفار حين تتراكم بلا معنى. ذلك الصديق الذي كان يشاركني مقاعد المدرسة، افترقت بنا الجامعات في بغداد؛ هو ذهب إلى جامعة، وأنا إلى أخرى، ثم افترقت بنا البلاد نفسها. لكن القدر، الذي يحب أن يختبر هشاشة الذاكرة، أعاد جمعنا في لندن بعد أربعة عقود.
جاءني هذا الصيف وهو يقول بثقة لا تخلو من استعراض «أنا من أثرياء العراق الجديد… وهذه أول زيارة لي إلى لندن». ثم أضاف، وكأنه يعتذر عن شيء لا يحتاج إلى اعتذار «جئت لأتسوق وأنفق… من دون وجع قلب». كان يمكنني أن أسأله عن مصدر هذا الثراء، لكن الكياسة ــ أو ربما الفضول ــ جعلتني أستمع. قال إنه يمتلك شركة ضخمة لاستيراد المواد الغذائية من إيران، «لإغراق السوق العراقية بها»، قالها بلا تردد، كأن الإغراق فعل تجاري محايد لا علاقة له بما يأكله الناس ولا بما ينهار من اقتصاد.
اقترحت عليه أن يتعرف على لندن بوصفها متحفًا مفتوحًا؛ مدينة كل حجر فيها يحكي قصة، وكل شارع فيها يخبئ ظل كاتب أو موسيقي أو ثائر. لم يرفض، لكنه لم يكن مهتمًا. كان يريد التسوق فقط. هكذا فهمت معنى «إنفاق من دون وجع قلب» عبارة تختصر مبلغًا لا يُقال، وتكشف حجم ما أنفقه خلال أسبوع واحد في لندن.
عندما سألني عن العطور، قلت له إنني منذ سنوات أفضل عطر «أمواج» العُماني، المصنوع من اللبان، تلك الشجرة التي تحمل أسطورة عٌمان منذ آلاف السنين، والتي تقول الروايات إن الهدايا التي قُدمت للسيد المسيح عند ولادته كانت عطورا من اللبان العماني تحديدًا. رائحة اللبان ليست مجرد عبير؛ إنها ذاكرة روحية، كأنك تشم تاريخًا كاملًا، أو تستعيد لحظة ولادة في مكان بعيد لا يعرفه إلا الأنبياء والبحّارة. لكن صديقي لم يكن يبحث عن الأسطورة، بل عن الفخامة. كان يريد عطرًا يعلن ثراءه، لا ذائقته. عطرًا يصرخ بالسعر قبل أن يهمس بالرائحة.
وهنا يبدأ السؤال الذي يطاردني كلما رأيت ثريًا جديدًا في العراق المزيف. هل يشتري العطر ليشمّه… أم ليُرى وهو يشتريه؟ هل يبحث عن رائحةٍ تكمّل شخصيته، أم عن زجاجةٍ تكمّل صورته؟
في سوق العطور التي يرتادها الأثرياء في لندن، رأيت كيف يتحول العطر إلى شهادة اجتماعية. هناك من يشتري الرائحة، وهناك من يشتري السعر. وهذا الصديق، الذي جاء من بلدٍ يحكمه لصوص الدولة وتُخبأ فيه الأموال في صناديق وتحرق في المواقد، كان يبحث عن العطر الذي يليق بثريّ جديد، لا العطر الذي يليق بروحه.
تذكرت رواية «العطر» لباتريك زوسكيند، وكيف جعلنا الروائي نشم الكلمات نفسها. ذلك النص الذي يعلّمك أن الرائحة يمكن أن تكون قدرًا، وأن الإنسان قد يُصنع من مزيج روائح أكثر مما يُصنع من مزيج أفكار. ثم تذكرت الفيلم المقتبس عنها، الذي أخرجه توم تايكور عام 2006، وقام ببطولته بن ويشا وداستن هوفمان وآلان ريكمان. كان الفيلم جميلًا بصريًا، لكنه لم يبلغ قسوة الرواية ولا عبق جملتها؛ فيلم أعاد بناء العالم، لكنه لم يستطع إعادة بناء الرائحة. وهذا بالضبط ما يحدث حين نحاول تحويل الفلسفة إلى صورة، تبقى الرائحة خارج الكادر.
وبينما كنا نتنقل بين متاجر العطور، تتبعت ظاهرة العطور المؤسسية، بنك «جي بي مورغان» الذي يوزع رائحته الخاصة في مقره الجديد بشارع بارك أفينيو، و«غولدمان ساكس» الذي قيل إن مكاتبه تفوح بعطر «موهافي غوست»، ذلك العطر الذي يستحضر صحراء لا تتفتح فيها سوى الأزهار القادرة على التحمّل. كأن البنوك تريد أن تقول لموظفيها: «كونوا مثل تلك الأزهار… صامدين في قحط السوق». ثم عطر «إير فرانس» الذي صممه فرانسيس كركديجان ليوقظ «الإحساس بالاتساع والهدوء والخفة»، وعطر «وي وورك» الذي يحمل اسم «فيردور»، مزيج من الباتشولي والخزامى، صُمم ليخلق «أجواء ترحيبية تعزز الروابط الهادفة»… قبل أن تنهار الشركة نفسها وتترك المستثمرين في فوضى لا تشبه الخزامى في شيء.
العطر هنا ليس رفاهية، بل أداة نفسية. تقول الشركات إن الروائح «تجذب العملاء، وتشجعهم على البقاء أطول، وتزيد الإنفاق». لكن الدراسات تقول إن الموظفين يريدون شيئًا آخر تمامًا، نافذة، ضوء طبيعي، هواء لا يجعلهم يتصببون عرقًا، ومساحة يمكنهم فيها إجراء مكالمة دون أن يسمعهم الجميع. الرائحة تأتي متأخرة في سلم الأولويات، مهما حاولت الشركات أن تجعلها جزءًا من هوية المكان.
في ذلك التجوال كان صديقي العراقي يحدثني عن صناديق المال التي تُخبأ في البيوت وتحرق في المواقد كما عرضتها مشاهد الفاسدين في العراق قبل أيام، وعن بلدٍ صار فيه الثراء نتيجة فساد لا نتيجة عمل. كان يبحث عن عطر يليق بثريّ جديد، بينما كنت أبحث عن رائحة تحفظ شيئًا من الاتزان، من التاريخ، من المعنى. قلت له: «أما نحن، يا صديقي، فنكتفي بعطرنا العماني المثالي… أمواج». عطرٌ لا يشتري طبقة اجتماعية، ولا يعلن ثراءً، ولا يختبئ في صناديق. عطرٌ يشبه ما تبقى من العراق حين نغلق أعيننا ونحاول أن نتذكره بلا وجع قلب.
وفي اللحظة التي اختار فيها صديقي مجموعة زجاجات باهظة الثمن تعادل راتب موظف بريطاني لعام كامل، شعرت أن شيئًا ما ينكشف بلا قصد. لم يكن يشتري رائحة، بل كان يشتري صمتًا يغطي به ضجيج الأسئلة التي لا يريد أن يسمعها. كان يبحث عن عبيرٍ يعلّق على كتفه مثل وسام، لا عن رائحةٍ تسكن جلده وتقول له من يكون. رأيته يمد يده نحو أغلى الزجاجات كما لو أنه يمدها نحو هوية جاهزة، هوية يمكن شراؤها من متجر في لندن، لا من حياة تُبنى ببطء وبعرق وبمعنى.
تساءلت في داخلي: ما الذي يفعله العطر حين يوضع على ثراءٍ لا يعرف أين يبدأ ولا أين ينتهي؟ هل يضيف لمعانًا أم يكشف هشاشة؟ وهل يمكن لزجاجة أن تمنح صاحبها ما لم تمنحه له بلاده؟ كان صديقي يبتسم بثقة، لكنني كنت أرى في تلك الثقة شيئًا يشبه ارتباكًا خفيفًا، ارتباك رجلٍ يعرف أن المال الذي جاءه فجأة لا يشبهه، فيحاول أن يجد له رائحة تليق به.
أما أنا، فكنت أفكر أن العطر الحقيقي ليس ما يُشترى، بل ما يبقى. وأن «أمواج» العماني الذي نحمله نحن، بلا استعراض ولا صناديق ولا مواقد تحرق فيها اموال العراقيين بدلا أن يشوى فيها خبز الجياع، يشبه ذلك الجزء الذي تبقى من العراق الذي لم يُحرق بعد. جزءٌ لا يحتاج إلى ثراءٍ جديد كي يلمع، ولا إلى زجاجة فاخرة كي يُرى. جزءٌ يكفي أن نرفعه إلى الضوء… ليشمّ العالم كله رائحته.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي


المزيد.....




- -لكل طفل أسرة-.. فعالية لتعميم ثقافة الاحتضان ورعاية أطفال ا ...
- كريستوفر نولان يعيد ملحمة هوميروس إلى الشاشة في -الأوديسة-
- ناشط يطالب النيابة العامة بالتحقيق مع مديرة متحف بوشكين السا ...
- الجمعية العراقية العلمية للفنون تبحث تأثير السينما في الثقاف ...
- فضل شاكر يستعد لمغادرة لبنان إلى الدوحة بعد رفع منع السفر عن ...
- موسكو تستضيف أسبوعها الدولي للسينما في أغسطس
- -مصر الروسية-.. معرض في موسكو يستكشف حضور الثقافة الروسية في ...
- مسابقة -موسيقى الفخر- تسجل رقما قياسيا في عدد المشاركات
- أخبار الفن: تأثير سياسة الحكومة على صناعة السينما والتلفزيون ...
- شركة الكهرباء في جزيرة كيش: عودة التيار الكهربائي إلى المناط ...


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب