أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - روزينا.. وجه سوريا الحقيقي














المزيد.....

روزينا.. وجه سوريا الحقيقي


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 18:18
المحور: الادب والفن
    


لم أشعر بالأسف لأنني لم أشاهد أعمال روزينا اللاذقاني فحسب، بل لأنني اكتشفت متأخرًا أن سوريا كانت تخبئ وجهها الحقيقي في مكان لم نكن ننظر إليه بما يكفي. روزينا، التي اختارها الرئيس السوري أحمد الشرع ضمن الثلث المكمل للمؤسسة التشريعية، ليست مجرد ممثلة تدخل السياسة، بل هي صورة مكثّفة لسوريا التي تحاول أن تخرج من زمن التفسيرات الجاهزة إلى زمن الحياة.
لا أستطيع أن أكتب عن روزينا الممثلة، لأنني لم أكن محظوظًا بما يكفي لمشاهدة أعمالها، لكنني أستطيع أن أكتب عن سوريا الحقيقية، تلك التي أعرفها جيدًا من خلال عملي الصحفي، والتي تظهر اليوم في تفاصيل صغيرة لكنها حاسمة: إعلان طيران جميل، رحلة تعود إلى أوروبا بعد عقد من الانقطاع، ووجه فني يدخل البرلمان ليقول شيئًا أبعد من السياسة.
كان الإعلان الذي قدّمته الخطوط الجوية السورية مع إقلاع أول رحلة من مطار أمستردام إلى دمشق حدثًا يتجاوز الطيران نفسه. الإعلان كان باهرًا بما يكفي ليخترق شغاف القلب، لا عقل المشاهد فقط. في الصحافة الهولندية، قُرئت الرحلة الأولى بوصفها “خطوة رمزية في إعادة وصل سوريا بأوروبا بعد سنوات من العزلة”، بينما وصفت مجلة متخصصة في الطيران المدني الحدث بأنه “نقطة تحول في إعادة دمج سوريا في المشهد الجوي العالمي”. هذه اللغة الغربية، الخارجة من غرف تحرير بعيدة، تلتقي على نحو غير معلن مع صورة الإعلان السوري، سوريا التي تعود إلى العالم لا كملف أمني، بل كمدينة تريد أن تُرى من جديد.
وحين نضع هذا المشهد إلى جوار اختيار روزينا، تتكوّن صورة واحدة، سوريا التي تعيد تعريف نفسها عبر الفن والجمال والمعرفة، لا عبر سرديات الآخرين عنها. الرئيس الشرع، في هذه اللحظة، لا يبدو منشغلاً بالدفاع عن خياراته أمام “مخاطر التفسير”، بل يبدو منشغلاً بتغيير مادة التفسير ذاتها. فحين يختار فنانة شابة، وجهها معروف في الدراما السورية، ليكون جزءًا من المؤسسة التشريعية، فإنه يقطع الطريق على أي تأويل جامد، ويعلن أن سوريا الجديدة لا تخجل من جمالها ولا من فنها ولا من حضور المرأة في قلب القرار.
وهنا، لا يمكن تجاهل المقارنة مع العراق، لأنها تفرض نفسها بقوة المشهد. ففي الوقت الذي ترتقي فيه روزينا إلى قبة مجلس الشعب السوري، كان أعضاء في البرلمان العراقي يعرضون أمام الكاميرات أكياسًا من الأموال المسروقة من الدولة، كأنهم يقدمون برنامجًا تلفزيونيًا عن “نهب المال العام”. ما حدث في سوريا خلال أقل من عامين — من إعادة بناء مؤسسات، وفتح خطوط جوية، وإدخال وجوه فنية وعلمية إلى البرلمان — فشل العراق في الوصول إليه خلال ثلاثة وعشرين عامًا، فالمطارات الدولية مازالت تضع طائرات الخطوط الجوية العراقية تحت بند المنع لافتقادها إلى معايير السلامة الدولية.
سوريا، التي خرجت من حرب طاحنة، تعيد اليوم بناء صورتها عبر الفن والمعرفة؛ بينما العراق، الذي امتلك كل الفرص، يواصل إنتاج نفس الطبقة السياسية التي تحوّل البرلمان إلى مسرح للفضائح لا مؤسسة للتشريع. هذه المقارنة ليست قاسية، بل ضرورية لفهم معنى أن تختار سوريا وجهًا مثل روزينا، ومعنى أن يختار العراق وجوهًا لا ترى في الدولة سوى غنيمة.
روزينا ليست “زينة” للمشهد، بل إعلان ضمني بأن سوريا تريد أن تُرى كما هي، بلدٌ يملك ذاكرة فنية عميقة، وجمالًا شاميًا لا يمكن إخفاؤه، وقدرة على تحويل الفن إلى لغة سياسية. هذا المعنى يتعزّز حين ننظر إلى بقية الأسماء في الثلث المكمل: أطباء، تربويون، أكاديميون، نساء يحملن خبرات مدنية وتعليمية، ونخبة من حملة الدكتوراه والماجستير. هذه ليست مجرد قائمة، بل محاولة واعية لـمأسسة العمل البرلماني عبر لجان متخصصة، كما قرأتها بعض التحليلات الأممية التي وصفت الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب بأنها “علامة فارقة في مرحلة الانتقال السياسي في سوريا”.
في مراكز الدراسات الغربية، بدأت تظهر قراءات تربط بين عودة الخطوط الجوية السورية إلى أوروبا وبين مسار أوسع لإعادة إدماج سوريا في البنى الاقتصادية والسياسية الإقليمية. أحد التقارير وصف الخطوة بأنها “اختبار لقدرة سوريا على إعادة بناء اتصالها بالعالم بعد سنوات من العقوبات والصراع”، وهي قراءة تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها اعترافًا بأن سوريا لم تعد تُرى فقط من زاوية الحرب، بل من زاوية القدرة على إعادة بناء الحياة اليومية: السفر، العمل، الحركة، والتمثيل السياسي.
هنا تصبح روزينا، ومعها الأسماء الطبية والتعليمية والنسائية التي دخلت البرلمان، جزءًا من سردية أوسع، سردية سوريا التي تحاول أن تخرج من صورة “الدولة المحاصرة” إلى صورة “المجتمع الذي يعيد ترتيب نفسه”. سوريا الحقيقية ليست تلك التي تُختزل في تقارير عن العقوبات أو خرائط النفوذ، بل تلك التي تظهر في تفاصيل صغيرة: إعلان طيران جميل، ممثلة تدخل البرلمان، طبيب أطفال يصبح مشرّعًا، وأستاذ تربية يشارك في صياغة قانون.
وهكذا كلما حاول الآخرون تفسير سوريا من خارجها، بدا الرئيس الشرع مشغولًا بإعادة تعريفها من داخلها؛ عبر وجوه تشبهها، وتاريخ فني ومعرفي يخرج من الشام إلى العالم، لا من غرف التفاوض إلى البيانات. روزينا ليست مجرد اسم في قائمة، بل هي إعلان عن سوريا التي تريد أن تُرى: سوريا التي تفتح نافذتها على الحياة، وتستعيد جمالها، وتعيد بناء مؤسساتها بوجوه لا تخجل من الضوء. بهذا المعنى، يصبح الجدل حول “اختيارات الرئيس” أقل أهمية من الصورة التي ترسمها هذه الاختيارات لمستقبل سوريا: مستقبل لا يُبنى على الخوف، بل على الحياة؛ ولا يُدار بمنطق الإغلاق، بل بمنطق الانفتاح على الجمال والمعرفة والمرأة.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها
- الصحافة تعيد اكتشاف الطاهية نايجيلا
- وهم الحياد الرقمي
- لماذا يدافع -عراقيون- عن نظام خامنئي؟


المزيد.....




- مصر.. اكتشاف مقبرة من العصر الرعامسي في الضفة الغربية للأقصر ...
- خبر ثقافى كتاب جديد للدكتور ياسر الجمال
- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...
- إرث التراث والحداثة.. ما تركه الأمير الوالد للثقافة العربية ...
- وزير السياحة يعلن دخول مصر قائمة الكبار عالميا
- بعد عقود من الإغلاق.. البيت السويسري في قصر كوسكوفو يفتح أبو ...
- EUObserver: قمة أنقرة تحولت إلى مسرحية هزلية تبادل فيها قادة ...
- تعددت الروايات -من المونديال للموت-.. أول تعليق لوالد اللاعب ...
- جدل واسع حول تصريحات الممثلة جوري بكر بشأن زواج ذوي الهمم


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - روزينا.. وجه سوريا الحقيقي