أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسين علي محمود - الرابع عشر من تموز ومسألة بناء الدولة العراقية















المزيد.....

الرابع عشر من تموز ومسألة بناء الدولة العراقية


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 07:57
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


يعد الرابع عشر من تموز سنة 1958 من أكثر الأيام تأثيرا و إثارة للجدل في تاريخ العراق الحديث.
فبين من يراه ثورة أنهت نظاما ملكيا ارتبط بالنفوذ البريطاني و من يراه انقلابا عسكريا أنهى أول تجربة لبناء الدولة العراقية الحديثة.
بقي هذا الحدث حاضرا في الذاكرة العراقية بوصفه نقطة تحول غيرت مسار البلاد لعقود طويلة و لعل المشكلة الأساسية في تناول هذه المرحلة هي أن كثيرا من القراءات تنطلق من العاطفة أو الانتماء السياسي بينما يحتاج التاريخ إلى قراءة نقدية تبحث في الأسباب و النتائج بعيدا عن التقديس أو التخوين.
تأسست المملكة العراقية عام 1921 بعد انهيار الدولة العثمانية في ظروف إقليمية و دولية معقدة.
و لم تكن الدولة الناشئة مشروعا مكتملا بل كانت في طور بناء مؤسساتها و إدارتها و هويتها الوطنية.
و خلال العقود اللاحقة أنشئت مؤسسات الدولة الحديثة و تطورت الإدارة، القضاء، التعليم كما شهد العراق توسعا في مشاريع البنية التحتية، الاستفادة من عائدات النفط في تنفيذ مشاريع عمرانية، زراعية، و تعليمية، الأمر الذي جعل العراق يعد من الدول العربية الواعدة في تلك المرحلة.
تولى الملك فيصل الثاني العرش و هو في الرابعة من عمره بعد وفاة والده الملك غازي سنة 1939 فتولى الأمير عبد الإله الوصاية حتى بلغ سن الرشد.
و عندما بدأ حكمه الفعلي عام 1953 كان شابا هادئا قليل الظهور الإعلامي يميل إلى العمل الهادئ أكثر من الخطابة.
و يجمع كثير من المؤرخين على أنه لم يكن صاحب القرار السياسي الأول إذ بقيت شخصيات مثل نوري السعيد و الأمير عبد الإله تمتلك نفوذا واسعا داخل الدولة.
في المقابل لم يكن العهد الملكي خاليا من المشكلات، فقد بقيت الفجوة الاجتماعية بين الطبقات قائمة و استمر نفوذ كبار ملاك الأراضي و واجهت الحكومات انتقادات بسبب تقييد المعارضة السياسية فضلا عن تصاعد المد القومي العربي بعد ثورة يوليو في مصر و صعود الرئيس جمال عبدالناصر مع تأثر عدد من ضباط الجيش بالأفكار القومية و الجمهورية.
لذلك فإن سقوط النظام الملكي لم يكن وليد لحظة مفاجئة لكن كان نتيجة تراكمات سياسية، اجتماعية، و إقليمية امتدت لسنوات.
لكن فهم أسباب الانقلاب لا يعني بالضرورة تبرير الوسائل القاسية و الوحشية التي استخدمت لتحقيقه، فالتغيير السياسي قد يكون ضرورة في بعض الأحيان إلا أن قيمة أي تغيير تقاس أيضا بالطريقة التي يتم بها.
و هنا تكمن إحدى أهم الإشكاليات التي ما زالت تثير النقاش حتى اليوم.
في صباح الرابع عشر من تموز سنة 1958 تحركت وحدات من الجيش بقيادة عبد الكريم قاسم و عبد السلام عارف نحو بغداد و انتهى الأمر بمحاصرة قصر الرحاب حيث كان الملك فيصل الثاني و أفراد العائلة المالكة.
رغم امتلاك الحرس الملكي القدرة على المقاومة إذ تشير روايات عديدة إلى أن الملك رفض الدخول في مواجهة مسلحة خشية إراقة المزيد من الدماء.
و بعد خروج أفراد الأسرة من القصر استجابة لطلبات الضباط تعرضوا لإطلاق النار فقُتل الملك و عدد من أفراد العائلة المالكة لتنتهي بذلك المملكة العراقية و يعلن قيام الجمهورية.
و بصرف النظر عن الموقف من النظام الملكي فإن مقتل أفراد الأسرة المالكة بعد استسلامهم يبقى من أكثر أحداث التاريخ العراقي عنفا.
فالدول يمكن أن تغير أنظمتها السياسية لكن تصفية الخصوم خارج إطار القانون تترك آثارا عميقة في الثقافة السياسية لأنها تجعل العنف وسيلة مقبولة للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها.
يرى عدد من الباحثين أن أخطر ما نتج عن الرابع عشر من تموز لم يكن مجرد انتقال العراق من الملكية إلى الجمهورية و إنما ترسيخ فكرة أن الشرعية يمكن أن تنتزع بالقوة العسكرية.
فعندما يصبح البيان العسكري بديلا عن الدستور تتحول الدولة إلى ساحة مفتوحة للصراع على السلطة و يصبح كل انقلاب مشروعا لانقلاب جديد.
و لا يعني ذلك أن جميع الأزمات التي مر بها العراق بعد 1958 كانت نتيجة مباشرة لذلك الحدث، فالتاريخ أكثر تعقيدا من أن يفسر بسبب واحد.
إلا أن ما لا يمكن تجاهله هو أن العراق دخل بعد ذلك مرحلة اتسمت بتكرار الانقلابات و الصراعات السياسية بدء من أحداث الموصل (ثورة الشواف) سنة 1959 ثم انقلاب شباط 1963 و ما أعقبه من صراعات داخلية وصولا إلى عقود من الحروب و الأزمات و الانقسامات التي أثرت في الدولة و المجتمع.
من أكثر القضايا التي أثارت الجدل آنذاك مسألة أصول الأسرة الهاشمية حيث رأى البعض أن الملك جاء من الحجاز و كأن الشرعية تقاس بالمكان الذي ولد فيه الحاكم لا بطريقة حكمه أو بالدستور الذي يحكم باسمه.
غير أن هذا المنطق يواجه إشكالا واضحا فالتاريخ الإسلامي و العالمي مليء بأمثلة لحكام قادوا دولا خارج موطنهم الأصلي و لم تكن شرعيتهم مستمدة من الجغرافيا بل من النظام السياسي السائد آنذاك.
كما أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام ورضي الله عنه) الذي يتفق العراقيون على عدالته و مكانته، انتقل من الحجاز إلى الكوفة و جعلها عاصمة للخلافة و لم يقل أحد ان قدومه من الحجاز ينفي شرعيته.
و كذلك شهد التاريخ الأوروبي أسرا حاكمة حكمت أكثر من دولة و كانت شرعيتها مرتبطة بالنظام السياسي لا بالأصل الجغرافي مثل سلالة هابسبورغ التي حكمت نصف أوروبا و هي تتنقل بين فيينا، مدريد، و بروكسل.
إن القضية الجوهرية ليست في الدفاع عن الملكية أو الهجوم عليها إنما في الدفاع عن فكرة الدولة نفسها. فالحكومات تخطئ و تصيب و الأنظمة السياسية يمكن إصلاحها أو تغييرها لكن عندما يصبح السلاح هو الوسيلة الوحيدة للتغيير فإن الدولة كلها تصبح مهددة بالانهيار.
لا تصحح الدساتير بانتهاكها و القانون لا يُحمى بتجاوزه و العدالة لا تُبنى على إراقة الدماء!
لقد أثبتت التجربة العراقية أن العنف السياسي لا ينتج استقرارا دائما لكن يفتح الباب أمام دورات متكررة من الانتقام و الانقلابات.
عبد الكريم قاسم الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري انتهى مقتولا بانقلاب آخر بعد أقل من خمس سنوات و كأن العراق دخل منذ ذلك الوقت في دائرة مغلقة أصبح فيها تغيير السلطة يتم بالقوة أكثر مما يتم عبر المؤسسات.
إن القراءة الموضوعية للتاريخ تقتضي الاعتراف بأن العهد الملكي حقق إنجازات كما ارتكب أخطاء و أن الجمهورية جاءت بأهداف إصلاحية لكنها واجهت تحديات و انحرفت في محطات كثيرة عن شعاراتها الأولى.
لذلك فإن اختزال تلك المرحلة في صورة ثورة مجيدة أو عهد ذهبي لا يخدم فهم التاريخ لأن الواقع كان أكثر تعقيدا من الشعارات التي رفعت آنذاك.

بعد مرور أكثر من ستة عقود لم يعد السؤال الأهم هو من كان على حق؟! بل ماذا تعلم العراقيون من تلك التجربة؟! فالأمم لا تتقدم بتكرار صراعات الماضي و إنما ببناء مؤسسات تحمي الدولة من الأفراد و تجعل تداول السلطة يتم عبر القانون لا عبر السلاح.
إن أعظم درس يمكن استخلاصه من أحداث الرابع عشر من تموز هو أن استقرار الدول لا يقوم على قوة الحكام و لكن على قوة المؤسسات.
فالحاكم يرحل أما الدولة فتبقى و إذا ضعفت مؤسساتها أصبح مصيرها مرتبطا بموازين القوة لا بسيادة القانون.
و لهذا فإن مستقبل العراق لا يرتبط بإحياء الملكية أو تمجيد الجمهورية بل بترسيخ ثقافة دستورية تؤمن بأن السلطة تكتسب عبر الإرادة الشعبية و تمارس في إطار القانون و تغادر بالوسائل السلمية.
إن التاريخ لا يطلب منا أن نقدس الماضي أو أن نحاكمه بعين الكراهية إنما أن نفهمه بعقل ناقد، فالدول لا تنهض بالشعارات و لا تستقر بالانقلابات لكن تبنى بالعدالة، احترام القانون، صيانة كرامة الإنسان مهما كان موقعه السياسي.
و ربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي ما زال الشعب العراقي بحاجة إلى استيعابه و هو يواصل البحث عن دولة مستقرة تتجاوز إرث الصراعات و الانقسامات نحو مستقبل أكثر أمنا و عدلا.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هوملاندر وترامب بين الدراما والواقع السياسي
- بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد
- الفضاء الرقمي وأزمة الوعي المجتمعي المعاصر
- مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة
- الأستاذ الناجح وصناعة الأجيال
- الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة
- الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
- تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
- التنمية لا تبدأ بقطع الإنترنت
- الشهرة المفاجئة وثقافة القطيع الرقمي
- الشقاوات و أزمة الهوية الاجتماعية
- فخ ثوقيديدس والتحول العالمي
- الإنسان في عصر الخوارزميات
- الحرب على إيران وصراع النفوذ الدولي
- انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم
- النظام التعليمي العربي وصناعة المعرفة
- ضغوط الامتحانات والانفجار السلوكي
- الجدل الأمريكي الإيراني بين القوة والدبلوماسية
- المنطقة العربية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية


المزيد.....




- هكذا تتناول الحيوانات حول العالم -المثلجات- لمواجهة درجات ال ...
- هل يُمكننا بناء مدن أفضل لنعيش حياة أطول؟
- الفاصل بين اعتبارها مشروعة أو جريمة حرب.. ما تداعيات تنفيذ ت ...
- تهديد جديد من الحرس الثوري يستهدف المنطقة وتصدير الطاقة بعد ...
- رأي.. عبدالخالق عبدالله يكتب: دروس الحرب على إيران إماراتيًا ...
- كيف أعاد أردوغان تشكيل تركيا بعد محاولة انقلاب قبل 10 سنوات؟ ...
- -لن يتبقى لديهم شيء-.. ترامب يهدّد بضرب محطات الطاقة والجسور ...
- جبل طارق ينضم إلى شنغن وسياج الحدود يزال باتفاق أوروبي-بريطا ...
- وجوه رومانية قديمة بملامح واقعية تعرض في معرض بودابست
- إيران تعدم رجلا على خلفية احتجاجات يناير مع اتساع حملة قمع ا ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسين علي محمود - الرابع عشر من تموز ومسألة بناء الدولة العراقية