حسين علي محمود
الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 07:32
المحور:
المجتمع المدني
لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل أو تبادل الأخبار بل أصبح أحد أهم الميادين التي تتشكل فيها الأفكار و الاتجاهات و الرأي العام.
فمن خلال منصات التواصل الاجتماعي يتناقش الناس في القضايا السياسية و الثقافية و الاجتماعية كذلك يتبادلون وجهات النظر المختلفة و هو أمر طبيعي و صحي في أي مجتمع يسعى إلى التقدم.
غير أن هذه المساحة المفتوحة أصبحت في السنوات الأخيرة عرضة لظاهرة خطيرة تتمثل في انتشار مجموعات صغيرة من الحسابات الوهمية أو ما يعرف بالذباب الإلكتروني التي لا تؤمن بالحوار ولا تقبل بالاختلاف و إنما تعتمد على الإساءة و التشهير و التحريض وسيلة لإسكات الآخرين.
عندما نتابع النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي نلاحظ أن بعض هذه الحسابات تلجأ إلى عبارات مهينة لا علاقة لها بالنقاش أو بالحجة مثل ترديد شعارات "اذهب افحص DNA" أو "اسأل أمك من هو أبوك".
و هذه العبارات لا تمثل رأيا و لا يمكن عدها نقدا أو حوارا إنما هي إساءة مباشرة إلى الكرامة الإنسانية و محاولة لإذلال الرأي الآخر نفسيا بدل مناقشة أفكاره بأسلوب موضوعي لذا هي تعكس حالة من الإفلاس الفكري أكثر مما تعكس قوة في الموقف.
إن الحوار الحقيقي يقوم على مناقشة الفكرة لا على الطعن في صاحبها، فحين يعجز الإنسان عن تقديم دليل أو حجة منطقية فإنه يلجأ أحيانا إلى السخرية أو الشتيمة أو التشكيك في الأنساب و الكرامة الشخصية.
و هذا السلوك معروف في علم المنطق بأنه مغالطة تقوم على مهاجمة الشخص بدل مناقشة الفكرة ذاتها و هي من أكثر الأساليب التي تؤدي إلى إفساد النقاش و إغلاق أبواب التفكير.
و لا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة على أنها مجرد تصرفات فردية عابرة لأن تكرارها بصورة منظمة مع ظهور عشرات الحسابات التي تستخدم اللغة نفسها و العبارات ذاتها يوحي بأن جزءً منها قد يكون موجها أو مدفوعا لخدمة أهداف سياسية أو أيديولوجية أو إعلامية.
كما أن بعضها الآخر قد يكون ناتجا عن تقليد أعمى (غسل الدماغ) و ثقافة قائمة على الكراهية و الانفعال حتى أصبح بعض الأشخاص يكررون هذه الإساءات دون إدراك لحجم الضرر الذي يسببونه للمجتمع.
إن أخطر ما في الذباب الإلكتروني ليس الشتائم بحد ذاتها و لكن قدرته على تشويه البيئة الثقافية، فحين يرى الشباب أن الصوت الأعلى هو صوت الإساءة و أن الشتيمة تحقق انتشارا أكبر من الفكرة يبدأ البعض بتقليد هذا السلوك فيظن أن الانتصار في النقاش يتحقق بالإهانة لا بالمعرفة.
و هنا تبدأ منظومة القيم بالتراجع ليحل الانفعال محل العقل، التعصب محل التفكير، و الضجيج محل الحقيقة.
كما ان علم الاجتماع يفسر هذه الظاهرة من خلال مفهوم التطبيع الاجتماعي الذي يشير إلى أن السلوك مهما كان مرفوضا في بدايته يمكن أن يتحول إلى ممارسة مألوفة إذا تكرر حضوره داخل المجال العام دون مقاومة ثقافية أو أخلاقية.
فالإنسان لا يتأثر بما يقتنع به فقط بل بما يراه يتكرر أمامه بوصفه أمرا اعتياديا، و من هنا تكمن خطورة الذباب الإلكتروني إذ لا يقتصر أثره على الإساءة إلى الأفراد و لكن يسهم في إعادة تشكيل المعايير الاجتماعية ذاتها فيصبح خطاب الكراهية و التنمر و التشكيك بالأنساب جزءً من اللغة اليومية و يتراجع تدريجيا الإحساس الجمعي بقبح هذه الممارسات.
فعندما يحدث ذلك لا يكون المجتمع قد خسر مستوى من الذوق العام فحسب إنما يكون قد بدأ يفقد إحدى ركائز تماسكه الثقافي و الأخلاقي.
إن المجتمعات المتقدمة لم تصل إلى ما هي عليه بسبب كثرة الأصوات المرتفعة و إنما لأنها بنت ثقافة تحترم العقل و الدليل.
فالاختلاف سنة إنسانية و لا يمكن أن يتفق الناس جميعا في السياسة أو الدين أو الثقافة أو الاقتصاد لكن الحضارة تبدأ عندما يتحول هذا الاختلاف إلى حوار راقٍ لا إلى معركة هدفها تحطيم الآخر و إهانته.
تؤكد الفلسفة السياسية الحديثة أن قوة المجتمع لا تقاس بدرجة التشابه بين أفراده و إنما بقدرته على إدارة الاختلاف بينهم.
فالتعدد في الآراء و الأفكار ليس خللا ينبغي القضاء عليه بل هو تعبير طبيعي عن تنوع الخبرات، المصالح، و الرؤى داخل المجتمع.
و لهذا فإن الدولة المدنية لا تقوم على فرض رأي واحد و لكن على تنظيم المجال العام بما يكفل حق الجميع في التعبير مع التزام الجميع في الوقت نفسه باحترام القانون و كرامة الإنسان.
إذن احترام الرأي المخالف ليس مجاملة أخلاقية بالعكس هو شرط من شروط الاستقرار السياسي لأن المجتمعات التي تعجز عن إدارة اختلافاتها بالحوار غالبا ما تتحول خلافاتها إلى صراعات تستنزف طاقاتها و تضعف ثقتها بنفسها.
تبدو هذه القضية في العراق أكثر حساسية لأن البلد مر خلال عقود طويلة بتحديات سياسية و أمنية و اجتماعية تركت آثارا عميقة في النفوس.
يحتاج العراقيون أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز ثقافة المواطنة و الوعي كذلك ترسيخ الانتماء للوطن بوصفه الجامع الأكبر لجميع أبنائه بعيدا عن الانقسامات الطائفية و الحزبية و الاصطفافات الضيقة.
لذلك فإن نشر خطاب الكراهية و الإهانة لا يضر بالأفراد فحسب بل يضعف الثقة بين أبناء المجتمع، يزيد من حدة الاستقطاب، و يؤخر بناء الدولة التي تقوم على احترام الإنسان والقانون.
كما أن استمرار هذه الظاهرة ينعكس بصورة مباشرة على الأجيال الجديدة.
فالطفل أو المراهق الذي يقضي ساعات طويلة أمام وسائل التواصل يتعلم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أساليب الحوار السائدة فيها.
فإذا كانت هذه المنصات مليئة بالإهانة، التنمر، التشكيك بالأنساب، و السخرية من الآخرين فإنها تسهم في إنتاج جيل يرى أن العدوان اللفظي أمر طبيعي إضافة إلى أن احترام الإنسان ليس قيمة تستحق الدفاع عنها.
و هذه من أخطر النتائج بعيدة المدى لأنها تؤثر في الثقافة العامة و في مستقبل المجتمع كله.
إن التفكير النقدي الذي تتحدث عنه الجامعات و مراكز البحث و المؤسسات التعليمية لا يعني رفض الآخرين أو السخرية منهم لكن يعني القدرة على تحليل الأفكار، فحص الأدلة، التمييز بين الحقيقة والدعاية، و بين الرأي والمعلومة. أما من يستبدل الحجة بالإهانة فإنه لا يمارس التفكير النقدي إنما يهرب منه لأنه يعلم أن الفكرة الضعيفة لا تستطيع الصمود أمام النقاش الموضوعي.
من الضروري أيضا أن يدرك مستخدمو وسائل التواصل أن الحساب الوهمي قد يمنح صاحبه شعورا زائفا بالقوة لكنه لا يمنحه احترام الناس.
فالكلمة تبقى شاهدة على صاحبها و الأسلوب يعكس مستوى الوعي و الثقافة أكثر مما يعكس قوة الموقف كما ان الإنسان يقاس بما يقدم من أفكار لا بما يطلقه من شتائم.
و هنا تبرز ضرورة التمييز بين حرية التعبير و الفوضى الخطابية.
فحرية التعبير في جوهرها الفلسفي و القانوني هي ضمانة لحق الإنسان في عرض أفكاره و انتقاد السياسات و الممارسات العامة و ليست ترخيصا بالاعتداء على كرامة الآخرين أو تحويل النقاش إلى مساحة للإهانة و التشهير. فكل حرية تفقد بعدها الأخلاقي تتحول إلى أداة لهدم المجال العام بدل بنائه بينما الحرية المسؤولة توسع دائرة الحوار، تعزز الثقة بين المواطنين، تمنح المجتمع القدرة على معالجة خلافاته بوسائل سلمية و عقلانية.
و لهذا لم تفصل التجارب الديمقراطية الناجحة بين الحرية و المسؤولية لأن إحداهما تفقد معناها إذا انفصلت عن الأخرى.
ولا تقع المسؤولية على الأفراد وحدهم لكن تشترك فيها الأسرة، المؤسسات التعليمية، وسائل الإعلام، منظمات المجتمع المدني، صناع المحتوى، و جميع من يمتلك تأثيرا في الرأي العام.
فتعزيز ثقافة الحوار، احترام الرأي المخالف، تشجيع النقاش القائم على الأدلة كلها خطوات ضرورية لبناء مجتمع أكثر تماسكا و قدرة على مواجهة حملات التضليل و الكراهية.
إن العراق يمتلك طاقات بشرية كبيرة و شبابا قادرين على الإبداع و الابتكار في مختلف المجالات العلمية و الثقافية. لكن هذه الطاقات تحتاج إلى بيئة صحية تشجع التفكير الحر، تحمي الكرامة الإنسانية، تفتح المجال أمام المنافسة في العلم و العمل لا في الشتائم و الإساءات.
فالأمم لا تنهض بالضجيج و إنما تنهض بالعقول و لا تبنى بالإقصاء و لكن بالشراكة و لا تتقدم بالكراهية و إنما بالاحترام المتبادل.
إن مواجهة الذباب الإلكتروني لا تكون بالانحدار إلى مستواه و لا بتبادل الإهانات معه و إنما بنشر الوعي، تعزيز الثقافة، ترسيخ أخلاقيات الحوار، و الإيمان بأن الكلمة المسؤولة أقوى من آلاف الحسابات الوهمية.
فالمجتمع الذي يحترم الإنسان و يحمي كرامته هو المجتمع الأقدر على صناعة مستقبل آمن و مستقر مزدهر.
إن معركة العراق الحقيقية ليست بين أبناء الوطن الواحد و ليست بين أصحاب الآراء المختلفة بل هي معركة ضد الجهل، التعصب، خطابات الكراهية، و كل ما يحاول إضعاف الثقة بين المواطنين.
فحين ينتصر العقل على الانفعال، الحجة على الشتيمة، و الوطن على الانقسام يكون المجتمع قد خطا خطوة حقيقية نحو الازدهار و التقدم و أصبح أكثر قدرة على بناء حاضر يليق بأبنائه و مستقبل يورثه للأجيال القادمة بثقة و أمل.
#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟