أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم















المزيد.....

انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 04:51
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يعد الترفيه في المجتمع العراقي كما كان في السابق، فقبل عقود كانت المدينة العراقية تمتلك حياة ثقافية واجتماعية أكثر تنوعاً وعمقاً حيث كانت دور السينما تستقبل جمهورها والمسارح تقدم عروضها والنوادي الرياضية والثقافية تمثل جزء من الروتين اليومي للناس.
كان الإنسان يخرج من منزله ليحضر فيلماً أو عرضاً مسرحياً أو يشارك في نشاط ثقافي أو رياضي يشعره بالانتماء والمعنى.
أما اليوم فقد انحسر مفهوم الترفيه في مساحة ضيقة تكاد تقتصر على المطاعم والكافيهات والمولات حتى أصبح الخروج في كثير من الأحيان مرتبطاً بالأكل والتسوق والتصوير فقط.
هذا التحول لم يحدث بشكل عفوي أو بسبب تغير الأذواق فقط، بل هو نتيجة طويلة ومعقدة من الحروب والأزمات والانهيارات الاجتماعية والنفسية والثقافية التي مر بها العراق خلال عقود متتالية.
فالمجتمع الذي يعيش سنوات طويلة تحت الضغط والخوف وعدم الاستقرار يفقد تدريجياً علاقته بالحياة الثقافية العميقة ويتجه نحو أشكال الترفيه السريعة التي تمنحه راحة مؤقتة وتخفف عنه ثقل الواقع حتى لو كانت هذه الراحة سطحية وعابرة.
في الوقت الحاضر تبدو المولات والمطاعم وكأنها البديل الوحيد للفضاء العام، فالناس تذهب إليها ليس فقط من أجل الطعام أو التسوق، بل لأنها لا تجد بدائل أخرى متوفرة ومنظمة وآمنة.
حين تختفي المكتبات العامة والحدائق والنوادي الثقافية والمسارح ودور السينما يصبح الاستهلاك هو النشاط الاجتماعي الأكثر حضوراً.
المشكلة هنا ليست في المطاعم أو الكافيهات بحد ذاتها، فهذه أماكن طبيعية وموجودة في كل المجتمعات لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول الاستهلاك إلى الشكل الوحيد تقريباً للمتعة والترفيه وعندما تصبح قيمة الإنسان الاجتماعية مرتبطة بما يشتريه أو بالمكان الذي يجلس فيه أو بالصور التي ينشرها على المنصات الرقمية.
لقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في تعميق هذا التحول، فالكثير من الأنشطة الترفيهية اليوم أصبحت تمارس من أجل عرضها لا من أجل الاستمتاع الحقيقي بها.

لم يعد الطبق مجرد وجبة، بل صورة تنشر لإثبات الحضور الاجتماعي ولم يعد المكان مجرد مساحة للجلوس، بل خلفية لصناعة صورة رقمية عن الذات.
ومع الوقت أصبحت ثقافة الاستعراض جزء من الحياة اليومية حيث يشعر الإنسان بأنه مطالب دائماً بإظهار نفسه داخل أماكن معينة أو ضمن نمط استهلاكي معين كي يشعر بأنه موجود أو مواكب للحياة.
هذه الثقافة خلقت نوعاً من العلاقات السطحية والمؤقتة، فرغم ازدحام الكافيهات والمولات يشعر كثير من الناس اليوم بوحدة وعزلة حقيقية.
لكن في الماضي كانت المنتديات الثقافية والجلسات الأدبية والنوادي الرياضية تبني علاقات قائمة على الاهتمامات المشتركة والحوار والتفاعل الطويل، أما اليوم فكثير من اللقاءات أصبحت مرتبطة بالاستهلاك اللحظي أو المصالح الخاصة.
يجلس الناس معاً لكنهم غالباً منشغلون بالهواتف والصور والمنصات أكثر من انشغالهم بالحوار الحقيقي.
ولا يمكن فصل هذا كله عن الحالة النفسية العامة للمجتمع العراقي، فالعراق مر بصدمات جماعية متتالية كحروب، عنف، نزوح، بطالة، أزمات اقتصادية، وخوف دائم من المستقبل.
هذه الظروف دفعت الإنسان إلى البحث عن أي وسيلة للهروب من التوتر والضغط لذلك أصبحت اللذة السريعة هي الخيار الأسهل.
فبدل أن يبحث الفرد عن نشاط طويل يحتاج إلى تركيز أو بناء ذاتي يتجه إلى ترفيه سريع يمنحه شعوراً مؤقتاً بالراحة وهنا نفهم لماذا انتشرت ثقافة تغيير الجو بشكل كبير، لأن المجتمع في حالة إنهاك نفسي مستمر.
لكن المشكلة الأعمق ليست فقط في سلوك الأفراد، بل في غياب البنية الثقافية نفسها، فالمسرح والسينما لم يختفيا لأن الناس لا تحبهما، بل لأنهما تعرضا للإهمال والتدمير لعقود. كثير من دور السينما أغلقت أو تحولت إلى أبنية مهملة والمسارح تراجعت بسبب ضعف الدعم وقلة الإنتاج وغياب المشاريع الثقافية الجادة.
كما أن الفنون عموماً أصبحت تعاني من التهميش سواء بسبب الأزمات الاقتصادية أو بسبب الخطابات الاجتماعية التي نظرت أحياناً إلى الثقافة والفن على أنهما أمور ثانوية لا أهمية لها أمام الأزمات الكبرى.
ومع غياب الفضاء الثقافي تراجعت الهوايات أيضاً، إذ القراءة أصبحت نشاطاً محدوداً والنوادي الفنية والرياضية لم تعد متاحة بالشكل الكافي والعمل التطوعي ما زال ضعيف التنظيم والرحلات الاستكشافية والأنشطة البيئية والثقافية نادرة مقارنة بما يحتاجه مجتمع شاب مثل المجتمع العراقي. وهكذا يجد الشباب أنفسهم أمام خيارات محدودة جداً للترفيه، فيتكرر المشهد نفسه كل يوم مطعم، كافيه، مول، ثم عودة إلى المنزل مع شعور داخلي بالفراغ.
المشكلة إذن ليست أن المجتمع يحب الأكل أو التسوق، بل أن المجتمع حُرم تدريجياً من البدائل التي تصنع المعنى الحقيقي للحياة، فالإنسان لا يحتاج فقط إلى الترفيه، بل يحتاج أيضاً إلى الشعور بالإبداع والانتماء والمشاركة.
يحتاج إلى أماكن يعبر فيها عن نفسه ويتعلم ويكتشف مواهبه ويكون صداقات قائمة على الاهتمامات لا على الاستهلاك فقط.
ولهذا فإن استعادة الحياة الثقافية أصبحت ضرورة اجتماعية ونفسية وليست مجرد رفاهية للنخبة حيث يحتاج المجتمع إلى إعادة إحياء المسارح والسينما والنوادي الثقافية والمكتبات العامة ويحتاج أيضاً إلى مبادرات شبابية مستقلة قادرة على خلق فضاءات جديدة للحياة.
يمكن لمجموعات صغيرة من الشباب أن تؤسس نوادي قراءة أو فرقاً تطوعية أو ورشاً فنية أو نشاطات موسيقية أو رحلات استكشافية تعيد للناس علاقتهم بالحياة خارج الاستهلاك اليومي.
حتى الكافيهات نفسها يمكن أن تتحول إلى فضاءات أكثر عمقاً إذا احتوت على مكتبات صغيرة أو أمسيات ثقافية أو عروض موسيقية وورش عمل.
فالمشكلة ليست في المكان بحد ذاته، بل في طبيعة الدور الذي يؤديه داخل المجتمع كما في كثير من دول العالم لعبت المقاهي الثقافية دوراً مهماً في تشكيل الوعي والحوار العام، فلماذا لا يحدث ذلك في العراق أيضاً؟!
إن المجتمع الذي يفقد المسرح والسينما والحديقة والنادي الثقافي يتحول تدريجياً إلى مجتمع متعب نفسياً حتى لو بدا مزدحماً بالحياة من الخارج، فالإنسان لا يعيش بالاستهلاك وحده، بل يعيش أيضاً بالفكرة والفن والحوار والهواية والشعور بالانتماء.
وحين تصبح الحياة كلها قائمة على الأكل والتسوق والاستعراض الرقمي يبدأ الفراغ الداخلي بالتوسع مهما بدت المظاهر براقة.
لذلك فإن إعادة بناء الفضاء الثقافي في العراق ليست قضية ترفيه فقط، بل قضية مرتبطة بصحة المجتمع نفسه لأن الثقافة ليست شيئاً زائداً عن الحاجة، بل هي ما يمنح الإنسان القدرة على فهم نفسه والعالم من حوله ويمنحه معنى أعمق للحياة وسط كل هذا الضجيج اليومي.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النظام التعليمي العربي وصناعة المعرفة
- ضغوط الامتحانات والانفجار السلوكي
- الجدل الأمريكي الإيراني بين القوة والدبلوماسية
- المنطقة العربية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية
- التجنيد الإلزامي بين الأمن والتنمية بالعراق
- إيران بين الدولة والثورة وصراع النفوذ
- استقالة قاليباف في ظل هيمنة الحرس الثوري
- المفاوضات الأميركية الإيرانية بين الانقسام الداخلي والضغط ال ...
- ما بعد الهدنة وخيارات حاسمة في العلاقات الأمريكية الإيرانية
- أزمة اختيار رئيس وزراء العراق بين العزلة الإقليمية والضغوط ا ...
- هندسة الوعي في زمن الضجيج
- الفساد وإعادة إنتاج السلطة
- رهانات الحصار وصمود إيران
- جدلية التجميد والردع النووي
- من إسلام آباد إلى هرمز وانهيار هندسة التفاوض الأمريكي–الإيرا ...
- إيران بين توازنات القوى الدولية
- إيران وأمريكا بين التصعيد والتسوية الاستراتيجية
- الثقافة السليكونية ووهم المعرفة
- السياسة بين الواقع والحضور الرقمي
- جدلية الحشد والفصائل المسلحة في السيادة الهجينة


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم