أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - هندسة الوعي في زمن الضجيج














المزيد.....

هندسة الوعي في زمن الضجيج


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 00:25
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لا حاجة لإسكات الحقيقة، يكفي دفنها تحت جبل من التفاهة مثل اخبار تافهة وجدلات فارغة وصراخ بلا معنى حتى يختنق العقل من كثرة ما يسمع فيتوقف عن الفهم وهذا هو اغراق الوعي بالضجيج.
إن تفكيك القدرة على التركيز عن طريق محتوى سريع مبتور وسطحي يدرب العقل على القفز لا على الغوص، على التلقي لا على التحليل حتى يصبح التفكير العميق مهمة مرهقة يهرب منها.
يوم بعد يوم تفرض اعادة تعريف للمعرفة حيث لم يعد العارف من يفهم بل من يكرر وتتحول المعلومة إلى معلبة تستهلك دون هضم ويكافأ من يردد لا من ينقاش.
فيتولد دائما صناعة قطيع الرأي الواحد فيتوزع وهم الاجماع وهو ما يتردد بعبارات منها "الجميع يقول هذا" "الكل يعتقد ذلك" هنا سيخاف الفرد من الاختلاف ويستقيل عقله لصالح جوقة القطيع.
كما ان شيطنة التفكير النقدي تغزو الكثير من المجتمعات الفقيرة فكريا حيث يعتبر كل سؤال عقلي تهديداً وكل تحليل موضوعي يتهم بالتعقيد حتى يصبح الجهل منطقة آمنة والعقل مغامرة خطيرة وتجاوز الخطوط الحمراء.
تكون المكافآت سطحية في هذه المجتمعات فالذي يضحك أكثر يشاهد أكثر والذي يختصر أكثر يكافأ أكثر عندها ستربى اجيال على أن الخفة والساذجة طريقا النجاة وأن العمق عبء بلا أي عائد يذكر.
لا يعود الضجيج في هذا السياق مجرد حالة عابرة، بل يصبح أسلوب حياة إذ تفتح هاتفك فتجد سيلاً لا ينتهي من الأخبار، مقاطع قصيرة، آراء متضاربة، وضحك سريع.
كل شيء يمر بسرعة أسرع من أن تفهمه وأبطأ من أن تتجاهله وهنا لا يطلب منك أن تفكر، بل أن تتابع فقط حيث لم يعد الناس يسألون هل هذا صحيح؟! بل يسألون كم عدد من شاركه؟! ومن قاله قبلي؟!
ومع الوقت تتغير عادات العقل، لم يعد يصبر على قراءة طويلة ولا يحتمل فكرة معقدة حيث يعتاد القفز من مقطع إلى آخر، من فكرة إلى أخرى حتى يصبح التركيز نفسه مهمة مرهقة.
وعندما يتعب يبحث عن الأسهل رأي جاهز، تفسير سريع، جملة مختصرة تنهي الحيرة دون أن تقنع العقل وهكذا لا يلغى التفكير، بل يختصر حتى يفقد معناه.
في مواقع التواصل لا ينتصر الأعمق، بل الأسرع ولا ينتشر الأصدق، بل الأشد إثارة وقد يكون فيديو قصير لكنه يختزل قضية كاملة وتعليق ساخر قد يسقط نقاشاً جادًا.
ومع كل ضغطة إعجاب وكل مشاركة سريعة يعاد تشكيل الذوق العام دون أن نشعر وشيئاً فشيئاً يصبح الاختلاف خطراً ليس لأنه خطأ، بل لأنه مرهق.
عندما يقول الجميع شيئاً، يصبح من الصعب أن تقف وحدك وتسأل لماذا؟! وعندما يتكرر رأي واحد في كل مكان يبدو وكأنه الحقيقة حتى لو لم يكن كذلك وهنا يولد وهم الإجماع.
الإنسان بطبيعته لا يحب العزلة، فيميل إلى ما يميل إليه الآخرون ومع تكرار الرسائل نفسها يخاف من الخروج عن الصف، فيصمت أو يوافق أو يردد حتى لو لم يقتنع.
ليس لأنه ضعيف، بل لأنه محاط بضجيج لا يترك له مساحة للتفكير.
وفي بيئة كهذه يصبح التفكير النقدي عبئاً ويفسر السؤال على أنه اعتراض والتحليل يتهم بالتعقيد والهدوء يقابل بالملل، فيكافأ من يبسط حتى يسطح ويهمش من يفكر حتى يعمق.
ومع الوقت تتبدل القيم حيث الذي يضحك أكثر، يشاهد أكثر والذي يختصر أكثر يكافأ أكثر والذي يفكر بعمق يتعب نفسه بلا عائد سريع.
فتنشأ أجيال تعتقد أن الخفة نجاة وأن العمق عبء لكن الحقيقة أبسط مما تبدو عليه، لأن العقل الذي لا يدرب على التفكير سيتعلم التكرار والإنسان الذي لا يسأل سيصدق أي شيء.
في المحصلة النهائية، لا يختفي الجهل بل يعاد تشكيله في هيئة جذابة إذ يحتفى به ويرفع صاحبه ويقدم كصوت بسيط يزعم تمثيل الناس بينما هو في الحقيقة لا يفعل سوى إعادة إنتاج السقوط ذاته.
وهنا لا يكمن الخطر في الجهل بحد ذاته، بل في القبول به والرضا عنه حتى يتحول الغباء إلى فضيلة تصاغ بعناية داخل منظومة هندسة الغباء الجماعي.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفساد وإعادة إنتاج السلطة
- رهانات الحصار وصمود إيران
- جدلية التجميد والردع النووي
- من إسلام آباد إلى هرمز وانهيار هندسة التفاوض الأمريكي–الإيرا ...
- إيران بين توازنات القوى الدولية
- إيران وأمريكا بين التصعيد والتسوية الاستراتيجية
- الثقافة السليكونية ووهم المعرفة
- السياسة بين الواقع والحضور الرقمي
- جدلية الحشد والفصائل المسلحة في السيادة الهجينة
- التقارب الديني بين الفكر والتطبيق
- هل هناك مدير حقيقي للحرب في إيران؟!
- الواقعية التقدمية في السياسة الدولية
- الأزمات الداخلية وتصدير الحروب
- من الجزر الثلاث إلى جزيرة خرج واستراتيجية إعادة تشكيل موازين ...
- مهلة 10 أيام لطهران بين السياسة الداخلية وضغط إقليمي استراتي ...
- الإنسان بين الظهور وإخفاء المعاناة
- القضية الفلسطينية من صلاح الدين الى السياسة المعاصرة
- الإلهاء الجماهيري وإعادة تشكيل الوعي
- الصراع الامريكي الصيني في ساحة إيران
- نظرية أوفرتون وتحولات القبول الاجتماعي


المزيد.....




- المقاومة الإسلامية في لبنان: خرق جديد لقوّات الإحتلال يضاف إ ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: انفجار عبوات ناسفة زرعها مجاهدو ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: أدّى انفجار العبوات الناسفة إلى ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: رتل الاحتلال الإسرائيلي كان يتح ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: كمين العبوات الناسفة التي انفجر ...
- صراع القيم والسياسة: مواجهة مفتوحة بين الفاتيكان والبيت الأب ...
- جندي من قوات الاحتلال الإسرائيلي يحطم تمثالا للسيد المسيح جن ...
- جيش الاحتلال يعزم فتح تحقيق في صورة لجندي يحطم تمثالا للسيد ...
- اعتقال وسيطة أسلحة إيرانية يكشف دعم الجيش والإخوان بالسودان ...
- القدس.. تشييع مؤذن وقارئ المسجد الأقصى الشيخ ناجي القزاز


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين علي محمود - هندسة الوعي في زمن الضجيج