أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - الثقافة السليكونية ووهم المعرفة














المزيد.....

الثقافة السليكونية ووهم المعرفة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 20:13
المحور: قضايا ثقافية
    


لم تعد المشكلة في "الثقافة السليكونية" أنها مجرد ظاهرة سطحية، بل في أنها تحولت إلى معيار جذب وإبهار حيث تسيل له لعاب فئة لا يستهان بها من الذين يقدّمون أنفسهم بوصفهم مثقفين.
هؤلاء لا يكتفون بتبني هذا النموذج، بل ينجذبون إليه بشغف كأنهم وجدوا فيه اختصاراً مغرياً للطريق الطويل الذي تتطلبه الثقافة الحقيقية.
إنها علاقة تبادلية حيث جسد محقن بالفلر والسليكون وخطاب محقن بالمصطلحات الرنانة فكلاهما يقدم وهم الامتلاء وكلاهما يخفي فراغاً عميقاً.
حين نقول إن لعاب بعض المستثقفين يسيل أمام هذا النموذج، فنحن لا نبالغ وهؤلاء يرون في الثقافة السليكونية فرصة ذهبية يمكنهم الظهور والتفاخر والادعاء دون عناء القراءة أو مشقة التفكير.
ينجذبون إلى الصورة قبل الفكرة، إلى الشكل قبل المضمون، إلى اللمعان قبل العمق الفكري ويصفقون لكل ما هو لافت ويمنحون الشرعية لكل ما يبدو حديثاً وجريئاً حتى لو كان فارغاً من أي قيمة معرفية فما يغريهم ليس المعرفة، بل إمكانية تقليدها لا الحقيقة بل مظهرها.
ومن المثير للسخرية أن كثيراً من هؤلاء المستثقفين والمستثقفات يشتركون في ملامح متشابهة ليس فقط جسدياً حيث الخدود المنتفخة والشفاه المبالغ في حجمها، بل لغوياً أيضاً حيث الجمل المنتفخة والمصطلحات المتورمة والأفكار التي بلا عظام.
كما أن الفلر يعطي حجماُ دون بنية، فإن خطابهم يعطي ضجيجاً دون معنى وكل شيء يبدو أكبر مما هو عليه مثل الكلمات الادعاءات وحتى الثقة بالنفس لكن عند أول تفكيك علمي يتضح أن هذا الانتفاخ لا يستند إلى أي صلابة معرفية.
أكثر ما يفضح هذا النموذج هو اللغة نفسها حيث نصوص تعج بأخطاء إملائية فادحة وتركيب مهلهل وجمل تفتقر إلى أبسط قواعد اللغة العربية.
هنا لا يعود الزيف قادراً على الاختباء طويلاً لأن اللغة تفضح صاحبها مهما حاول التجمل، كيف لمن لا يفرق بين همزة الوصل والقطع أن يتحدث بثقة عن تفكيك الخطاب؟! وكيف لمن يعجز عن صياغة جملة سليمة أن يدعي الغوص في الفلسفة أو النقد؟!
ليست المسألة تعالياً لغوياُ، بل مسألة منطق بسيط من لا يمتلك الأداة لا يمكنه ادعاء إتقان الصنعة.
في هذا السياق تتحول الثقافة إلى ما يشبه عرض أزياء مفتوح، استعراض متواصل للصور والكلمات والمواقف.
كل شيء قابل للتزيين والتضخيم والتسويق ولم يعد السؤال ماذا تقول؟! بل كيف تبدو وأنت تقول؟! وهنا تحديداً يزدهر المستثقف، لأنه بارع في الظهور لا في الإنتاج إذ يجيد صناعة الانطباع أكثر من صناعة الفكرة ويستثمر في الشكل أكثر مما يستثمر في المعنى، إنه يتقن الإيحاء بالعمق دون أن يغامر فعلياً بالنزول إليه والخطير في هذه الظاهرة ليس وجودها فحسب، بل التواطؤ الذي يحيط بها.
هناك من يدرك هشاشتها لكنه يصفق لها إما بدافع المجاملة أو بدافع المصلحة وهناك من يراها بوضوح لكنه يفضل الصمت فيتحول الصمت إلى شكل من أشكال القبول وهكذا تتكرس الرداءة بوصفها أمراً عادياً ويصبح الزيف مألوفاً، بل وربما مرغوباً.
الثقافة السليكونية في جوهرها ليست مجرد سلوك فردي، بل نمط عام يعكس أزمة أعمق في المعنى والمعايير الثقافية، إنها لحظة يستبدل فيها العمق بالانتفاخ والفهم بالادعاء واللغة بالزخرفة الفارغة.
وفي مثل هذه اللحظة لا نكون أمام مثقفين حقيقيين، بل أمام نسخ مكررة من الوهم تتشابه في ملامحها كما تتشابه في فراغها.
فليس كل من نفخ خديه بدا ممتلئاً ولا كل من نفخ عباراته صار مثقفاُ، بعض الامتلاء .. مجرد هواء.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السياسة بين الواقع والحضور الرقمي
- جدلية الحشد والفصائل المسلحة في السيادة الهجينة
- التقارب الديني بين الفكر والتطبيق
- هل هناك مدير حقيقي للحرب في إيران؟!
- الواقعية التقدمية في السياسة الدولية
- الأزمات الداخلية وتصدير الحروب
- من الجزر الثلاث إلى جزيرة خرج واستراتيجية إعادة تشكيل موازين ...
- مهلة 10 أيام لطهران بين السياسة الداخلية وضغط إقليمي استراتي ...
- الإنسان بين الظهور وإخفاء المعاناة
- القضية الفلسطينية من صلاح الدين الى السياسة المعاصرة
- الإلهاء الجماهيري وإعادة تشكيل الوعي
- الصراع الامريكي الصيني في ساحة إيران
- نظرية أوفرتون وتحولات القبول الاجتماعي
- فلسفة الحياة بين الجسد والقلب
- ديمونا وتحولات الصراع الإقليمي
- حروب الطاقة وإعادة تشكيل التحالفات الدولية
- اغتيال علي لاريجاني وإعادة تشكيل النظام الإيراني
- أزمة التربية بين البيت والمدرسة
- جزيرة خرج قلب الصراع النفطي الدولي
- وعي المجتمع وثمن العزلة السياسية


المزيد.....




- إليكم سبب ارتفاع سعر النفط الجمعة رغم اتفاق وقف إطلاق النار ...
- مصدر لبناني لـCNN: نواف سلام سيُسافر إلى واشنطن بعد -طلب إسر ...
- بين التكلفة الباهظة لحرب إيران وخطاب ترامب -المتناقض-.. -مخا ...
- ورقتان متصادمتان على طاولة إسلام آباد.. هل تنجح -الورقة الثا ...
- دعوات لشد الرحال للأقصى في أول جمعة بعد إعادة فتحه
- أسرى غزة المحررون.. فرحة الحرية تصطدم بالواقع القاسي
- استعدادات إسلام آباد لاستضافة المفاوضات بين إيران والولايات ...
- الديوان الأميري القطري: أمير دولة قطر ورئيس وزراء بريطانيا ي ...
- محادثات إيران.. هل ترامب أمام اتفاق أسوأ من اتفاق أوباما؟ تح ...
- ماذا على طاولة المحادثات بين أمريكا وإيران وسط حالة الترقب؟ ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - الثقافة السليكونية ووهم المعرفة