أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي محمود - أزمة التربية بين البيت والمدرسة














المزيد.....

أزمة التربية بين البيت والمدرسة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 07:49
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


تشهد المنظومة التربوية والتعليمية في السنوات الأخيرة تحولات مقلقة تمس جوهر العملية التعليمية ليس من حيث المناهج أو الإمكانيات فقط بل في بنيتها القيمية والسلوكية. فقد باتت المؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها ترفع صوتها محذرة من تفاقم ظواهر الانحراف السلوكي لدى شريحة واسعة من التلاميذ والطلبة في مشهد لم يعد عابراً أو محدوداً بل أصبح ظاهرة متنامية تستدعي وقفة تأمل جادة ومسؤولة.
إن المدرسة التي كانت إلى وقت قريب فضاء للعلم والانضباط وبناء الشخصية أصبحت اليوم تتحمل أعباء تفوق قدرتها ووظيفتها الأساسية.
فهي لم تعد مجرد مؤسسة تعليمية تنقل المعرفة بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لمعالجة اختلالات تربوية عميقة كان من المفترض أن تبنى جذورها الأولى داخل الأسرة.
فالقيم الأساسية مثل الاحترام، الالتزام، ضبط النفس، تحمل المسؤولية، وآداب الحوار، لم تعد تغرس بالشكل الكافي في البيوت مما يجعل المدرسة في مواجهة مباشرة مع نتائج هذا الفراغ التربوي.
وما يزيد من تعقيد المشهد هو ما يلاحظه العاملون في الحقل التربوي يومياً من مظاهر مقلقة كعنف لفظي وجسدي لا مبالاة واضحة تجاه العملية التعليمية، ضعف في التركيز، إدمان متزايد على الهواتف والألعاب الإلكترونية، غياب الدافعية، وانفلات سلوكي يعكس أزمة أعمق من مجرد تصرفات عابرة.
هذه السلوكيات ليست وليدة لحظة بل هي نتاج تراكمات طويلة من الإهمال الأسري وغياب التوجيه وانعدام الحوار الحقيقي داخل الأسرة.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال تحميل المدرسة وحدها مسؤولية هذا التدهور لأن المؤسسة التعليمية مهما بلغت من كفاءة لا تستطيع أن تعوّض الدور الجوهري للأسرة.
فالتربية تبدأ من البيت حيث يتعلم الطفل أولى قواعد التعامل مع ذاته ومع الآخرين.
وعندما يغيب هذا الدور أو يضعف تصبح المدرسة أمام مهمة شبه مستحيلة، تعليم بلا أساس تربوي.
ورغم هذا الواقع لا بد من الإشارة إلى وجود أسر ما تزال تضطلع بدورها التربوي بكل وعي ومسؤولية وهو ما ينعكس بشكل واضح في سلوك أبنائها داخل المدرسة وخارجها.
هذه النماذج تؤكد أن الخلل ليس قدراً محتوماً بل نتيجة خيارات يمكن تعديلها وإصلاحها.
لكنها للأسف باتت أقلية وسط موجة متسارعة من الانشغال والإهمال وترك الأبناء فريسة لعالم مفتوح دون رقابة أو توجيه.
إن المشكلة لا تكمن فقط في غياب الوقت بل في غياب الأولويات، فالكثير من الأسر تبرر تقصيرها بضغوط الحياة ومتطلباتها وهو أمر مفهوم إلى حد ما لكن غير المقبول هو أن تتحول هذه الضغوط إلى ذريعة للتخلي عن أهم مسؤولية وهي تربية الأبناء لأن الثمن في هذه الحالة لا يدفع فوراً بل يتراكم ليظهر لاحقاً في صورة أزمات سلوكية وفشل دراسي وربما انحرافات أخطر تهدد مستقبل الفرد والمجتمع.
إلى كل أب وأم إلى كل من له دور في بناء هذا الجيل المدرسة ليست بديلاً عنكم وليست مؤسسة لإعادة التأهيل الاجتماعي بل شريك يحتاج إلى دعمكم الحقيقي.
هذا الدعم لا يكون بالشعارات أو اللوم بل بالمتابعة اليومية، بالسؤال، بالحوار، بوضع حدود واضحة، وبالتواصل المستمر مع المعلمين والإدارة.
إن العلاقة بين الأسرة والمدرسة يجب أن تقوم على التكامل لا التنافر وعلى المسؤولية المشتركة لا تبادل الاتهامات. فنجاح العملية التربوية رهين بهذا التعاون وأي خلل في أحد الطرفين ينعكس مباشرة على المتعلم.
إننا اليوم أمام مفترق طرق إما أن نستمر في تجاهل هذه المؤشرات الخطيرة حتى تتفاقم وتصبح أكثر تعقيداً أو أن نتحمل مسؤولياتنا بوعي ونعيد الاعتبار للتربية كقيمة أساسية تسبق التعليم وتدعمه.
إن إنقاذ المدرسة من الانهيار القيمي ليس مهمة مستحيلة لكنه يتطلب إرادة جماعية تبدأ من داخل الأسرة وتدعم داخل المدرسة وتحتضن من قبل المجتمع ككل.
فالأبناء ليسوا مجرد أفراد داخل الفصول الدراسية بل هم انعكاس مباشر لما نغرسه فيهم من قيم وما نتركه فيهم من فراغ.
وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم ان تربية الأبناء ليست خياراً يمكن تأجيله بل مسؤولية عاجلة لا تحتمل التأخير لأن المستقبل الذي نصنعه اليوم في سلوكهم هو ذاته الذي سنعيشه غداً.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جزيرة خرج قلب الصراع النفطي الدولي
- وعي المجتمع وثمن العزلة السياسية
- وطنچي بين التشويه والانتماء
- مجتبى خامنئي بين التوريث الإيراني والصراع الإقليمي
- مستويات الوعي في إدراك القوة
- المسألة الكردية وتداعيات الصراع الإيراني إقليمياً
- إيران بين الملكية والتوافق الوطني
- تحولات الخليج بعد حرب إيران الكبرى
- بانادول وتسكين الوعي الإنساني
- مضيق هرمز وصراعات القوة والاقتصاد
- إيران والتحولات الكبرى بعد اغتيال خامنئي
- الاستخبارات المفتوحة ومؤشر البيتزا
- اقتصاد الحرب وإدامة الصراع
- من أفغانستان وباكستان إلى خرائط التفكيك
- هندسة الصمود الإيراني في الحروب المعاصرة
- العقل والعلم في الإسلام
- تيتانيك وإدارة الوعي بالعاطفة
- غاريت مورغان مخترع الإشارة
- جدلية الوظيفة والرسالة التربوية
- الصيام والإفطار بين الإيمان والمواطنة


المزيد.....




- رئيس كوبا برسالة تحدّ يبين الرد إذا حاولت أي قوة أمريكية الس ...
- إسرائيل.. تساقط حطام صواريخ إيرانية بأكثر من منطقة فجر الأرب ...
- لبنان.. ارتفاع عدد القتلى مع إعلان إسرائيل عن هجمات في أنحاء ...
- إيران لديها ربما -آلاف الخيارات- لتهديد الملاحة بمضيق هرمز ر ...
- من مقدّم برامج تلفزيونية إلى وزير دفاع ترامب: من هو بيت هيغس ...
- السفارة الأمريكية في بغداد تتعرض لهجوم ثانٍ بمسيّرة خلال ساع ...
- ساركوزي يتبرأ من تهم فساد بشأن تمويل حملته الرئاسية في 2007 ...
- مسؤول يكشف أعداد المصابين في صفوف القوات الأمريكية منذ بدء ا ...
- وول ستريت جورنال: إسرائيل تطارد قادة إيران في مخابئهم
- وكالة: إيران تعدم رجلا أدين بالتجسس لصالح إسرائيل


المزيد.....

- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا
- مفهوم النشاط التعليمي لأطفال المدارس / مالك ابوعليا
- خصائص المنهجية التقليدية في تشكيل مفهوم الطفل حول العدد / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي محمود - أزمة التربية بين البيت والمدرسة