أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - مستويات الوعي في إدراك القوة















المزيد.....

مستويات الوعي في إدراك القوة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 07:55
المحور: المجتمع المدني
    


هناك مقولة شائعة تقول : "الكلب ينظر إلى العصا والذئب ينظر إلى اليد التي تحملها أما الثعلب فينظر إلى العينين."
تبدو هذه العبارة في ظاهرها مجرد تشبيه بسيط بين ثلاثة حيوانات لكنها في العمق مجاز غني يكشف عن أنماط مختلفة من الوعي في قراءة الواقع وفهم القوة والتهديد. فالمقولة لا تصف الحيوانات بقدر ما ترسم خريطة رمزية لطرائق البشر في إدراك ما يحدث حولهم وكيف يفسرون الأفعال والسلطة والنية الكامنة خلف السلوك.
إن هذا المجاز يفتح باباً للتأمل في الفروق الدقيقة بين الإدراك السطحي والإدراك العميق وبين رد الفعل الغريزي والوعي النقدي القادر على تحليل ما وراء الظواهر.
حين ينظر الكلب إلى العصا فإنه يركز على الأداة الظاهرة أمامه، فالعصا هنا تمثل الخطر المباشر والشيء الذي يمكن أن يسبب الألم أو التهديد.
في هذا المستوى من الإدراك يتوقف الوعي عند حدود ما يظهر للعين فلا يتجاوز ذلك إلى التفكير في الفاعل أو في السياق الذي أنتج الفعل.
وهذا النمط من الإدراك يشبه إلى حد كبير الطريقة التي يتعامل بها كثير من الناس مع الأحداث في حياتهم اليومية. فهم يرون النتائج المباشرة ويتفاعلون معها بوصفها حقائق قائمة بذاتها دون أن يحاولوا البحث عن الأسباب العميقة التي تقف خلفها.
في الحياة الاجتماعية كثيراً ما يظهر هذا النوع من الوعي حين يتم التعامل مع الظواهر بوصفها مشاكل منفصلة عن جذورها.
فالفقر على سبيل المثال يُرى أحياناً كحالة فردية أو مشكلة أخلاقية دون النظر إلى البنية الاقتصادية أو الاجتماعية التي أنتجته والجريمة تدان بوصفها سلوكاً منحرفاً دون محاولة فهم الظروف الاجتماعية أو الثقافية التي دفعت إليها.
في هذه الحالة يصبح المجتمع أشبه بكلب يحدق في العصا يخاف منها أو يهاجمها لكنه لا يفكر في اليد التي رفعتها.
أما الذئب في هذا المجاز فإنه يتجاوز الأداة لينظر إلى اليد التي تحمل العصا.
هنا يحدث تحول في مستوى الإدراك، إذ لم يعد التركيز على الشيء الظاهر بل على مصدر القوة الذي يحركه.
فالذئب يدرك أن العصا في ذاتها ليست خطراً حقيقياً وأن قيمتها تكمن في الشخص الذي يمسك بها ويستطيع استخدامها.
هذه النظرة تمثل درجة أعلى من الوعي لأنها تحاول فهم العلاقة بين الأداة والفاعل، بين الوسيلة والسلطة التي تستخدمها.
هذا النمط من الإدراك يقترب من الوعي التحليلي الذي يحاول قراءة البنى الاجتماعية والسياسية خلف الظواهر. فالأحداث في المجتمعات لا تقع بمعزل عن القوى التي تصنعها والقرارات لا تصدر في فراغ بل تكون غالباً تعبيراً عن مصالح وتوازنات وعلاقات قوة.
من يمتلك هذا المستوى من الوعي لا يكتفي بملاحظة ما يحدث بل يسعى إلى فهم من يقف خلفه.
إنه لا يكتفي بالنظر إلى العصا بل يسأل دائماً، من الذي يرفعها؟؟ ولأي غاية؟؟
غير أن الثعلب في هذا المجاز يذهب إلى مستوى أبعد من ذلك، فهو لا يكتفي بالنظر إلى العصا ولا إلى اليد بل يركز على العينين والعينان في الثقافة الإنسانية كثيراً ما تعدان مرآة للنية والوعي لأنهما تكشفان ما قد تخفيه الأفعال أو الكلمات فقد تمسك اليد بالعصا لكن نظرة العينين قد تكشف التردد أو الخداع أو الضعف أو التصميم.
لذلك فإن النظر إلى العينين يعني محاولة قراءة ما وراء الفعل نفسه أي النية الكامنة التي تحركه.
هذا المستوى من الإدراك يمثل وعياً أكثر تعقيداً وعمقاً لأنه لا يكتفي بتحليل القوة أو مصدرها بل يحاول فهم العقل الذي يوجهها.
ففي الحياة الاجتماعية كثيراً ما تكون الأفعال مجرد واجهة تخفي وراءها مقاصد مختلفة، قد يبدو الفعل في ظاهره تهديداً لكنه في الحقيقة محاولة للضغط أو للمساومة.
وقد يبدو قرار ما إجراء إدارياً عادياً بينما يكون في العمق جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع القوة أو النفوذ.
إن القدرة على قراءة هذه الإشارات الخفية تتطلب حساً نقدياً عالياً لأن العالم الإنساني لا يقوم فقط على الأفعال الظاهرة بل أيضاً على الرموز والإشارات والرسائل غير المعلنة.
والسياسة على سبيل المثال ليست مجرد قرارات وقوانين بل هي أيضاً لغة وإشارات ومواقف مدروسة بعناية.
من ينظر إلى العينين في هذا السياق هو الذي يحاول فهم الخطاب الضمني والإدراك بأن ما يقال علناً قد يختلف عما يراد فعلاً.
ومن خلال هذا المجاز يمكن أن نفهم لماذا يختلف الناس في تفسير الحدث الواحد، فبعضهم يكتفي برؤية ما يحدث أمامه مباشرة فيفسره بطريقة بسيطة وسريعة.
وبعضهم يحاول البحث عن القوى التي تقف خلف الحدث فيدرك أن ما يبدو بسيطاً في الظاهر قد يكون نتيجة توازنات أعقد في العمق.
وهناك من يحاول الذهاب أبعد من ذلك فيسعى إلى قراءة النيات والاستراتيجيات التي تحرك هذه القوى نفسها.
هذا الاختلاف في مستويات الإدراك لا يتعلق فقط بذكاء الأفراد بل أيضاً بالثقافة التي ينتمون إليها وبالخبرة التي يكتسبونها عبر الزمن.
فالمجتمعات التي تشجع التفكير النقدي والتحليل العميق تكون أكثر قدرة على تجاوز النظر إلى العصا وأكثر ميلاً إلى فهم اليد والعينين معاً.
أما المجتمعات التي يهيمن فيها التفكير السطحي فإنها غالباً ما تبقى أسيرة الظواهر المباشرة فتتعامل مع النتائج دون أن تفهم الأسباب.
ولذلك فإن هذه المقولة البسيطة تحمل في داخلها دعوة ضمنية إلى الارتقاء بمستوى الوعي، فهي تذكرنا بأن إدراك الواقع ليس عملية تلقائية بل مهارة تتطور مع التفكير والتجربة.
وكلما استطاع الإنسان أن يتجاوز ردود الفعل المباشرة اقترب أكثر من فهم العالم بطريقة أعمق وأكثر تعقيداً.
إن العالم الذي نعيش فيه مليء بالأحداث والوقائع التي تبدو واضحة في ظاهرها لكنها تخفي وراءها طبقات متعددة من المعاني وما يبدو أحياناً تهديداً مباشراً قد يكون مجرد أداة في لعبة أكبر وما يبدو فعلاً بسيطاً قد يكون جزءاً من شبكة معقدة من المصالح والنيات.
لذلك فإن الاكتفاء بالنظر إلى العصا قد يقود إلى فهم ناقص للواقع في حين أن محاولة فهم اليد والعينين معاً تفتح الباب أمام إدراك أكثر شمولاً.
في النهاية لا تتحدث هذه المقولة عن الحيوانات بقدر ما تتحدث عن الإنسان نفسه.
إنها تطرح سؤالاً ضمنياً حول الطريقة التي نقرأ بها العالم من حولنا، هل نكتفي بما نراه أمامنا أم نحاول فهم القوى التي تحركه أم نسعى إلى اكتشاف النوايا التي تقف خلف تلك القوى؟؟
ربما يكمن نضج الإنسان والمجتمع في القدرة على الانتقال من ردود الفعل السطحية إلى التحليل العميق لأن الواقع لا يكشف نفسه كاملاً لمن يكتفي بالنظر إلى العصا وحدها بل لمن يحاول أيضاً قراءة اليد التي ترفعها والعينين اللتين توجهانها.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسألة الكردية وتداعيات الصراع الإيراني إقليمياً
- إيران بين الملكية والتوافق الوطني
- تحولات الخليج بعد حرب إيران الكبرى
- بانادول وتسكين الوعي الإنساني
- مضيق هرمز وصراعات القوة والاقتصاد
- إيران والتحولات الكبرى بعد اغتيال خامنئي
- الاستخبارات المفتوحة ومؤشر البيتزا
- اقتصاد الحرب وإدامة الصراع
- من أفغانستان وباكستان إلى خرائط التفكيك
- هندسة الصمود الإيراني في الحروب المعاصرة
- العقل والعلم في الإسلام
- تيتانيك وإدارة الوعي بالعاطفة
- غاريت مورغان مخترع الإشارة
- جدلية الوظيفة والرسالة التربوية
- الصيام والإفطار بين الإيمان والمواطنة
- موضوعية الأخلاق بين الإيمان والإلحاد
- عيد الحب من القداسة إلى السوق
- الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر
- هل تحل تركيا محل إيران في الشرق الأوسط عسكرياً وجيوسياسياً؟؟
- الاستراتيجية التركية واختبار السيادة العراقية


المزيد.....




- اجتماع مجلس حقوق الانسان في جنيف يدين القصف الصهيوامريكي لمد ...
- منظمة حقوقية: الجيش الإسرائيلي يستخدم ذخائر الفوسفور الأبيض ...
- الصليب الأحمر: الأطراف اليمنية أظهرت التزاماً في تنفيذ اتفاق ...
- المركز العالمي للسلام وتنمية حقوق الإنسان يدين استمرار سجن ر ...
- الجيش الإسرائيلي ضرب شاحنة للأمم المتحدة في غزة -عن غير قصد- ...
- اليونيسيف: مقتل 83 قاصرا في الهجمات الأخيرة على لبنان
- هيومن رايتس ووتش: إسرائيل قصفت مناطق سكنية لبنانية بالفوسفور ...
- بيان أممي جديد يدقّ ناقوس الخطر بشأن الانتهاكات ضد اللاجئين ...
- عشرات الآلاف يتظاهرون في إسبانيا رفضا للحرب على إيران
- غزة تترقب مسار حرب إيران.. مخاوف من التصعيد العسكري والمجاعة ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - مستويات الوعي في إدراك القوة