أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين علي محمود - الاستخبارات المفتوحة ومؤشر البيتزا














المزيد.....

الاستخبارات المفتوحة ومؤشر البيتزا


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 01:25
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


لا تحتاج أحياناً أجهزة الاستخبارات إلى أقمار صناعية تجوب الفضاء ولا إلى شبكات تجسس معقدة تخترق الاتصالات المشفرة ولا إلى طائرات استطلاع خفية تحلق في الظلام.
يكفيها أحياناً أن تصغي إلى ما هو أكثر بساطة وأكثر إنسانية مثل حركة الطلبات المتدفقة إلى مطاعم الوجبات السريعة القريبة من مراكز القرار.
في قلب تل أبيب، حيث يقع مجمع "الكِرياه" ذلك الحي العسكري الذي يشبه غالباً بنسخة إسرائيلية مصغرة من البنتاغون، إذ صدرت تعليمات مشددة إلى الجنود والضباط بمنع منعاً باتاً طلب الطعام عبر تطبيق Wolt إلى داخل القاعدة.
بدا القرار في ظاهره إدارياً بسيطاً، لكنه في جوهره يعكس خوفاً عميقاً من تسريب معلومة لا تمر عبر الأقمار الصناعية، بل عبر علبة بيتزا ساخنة.
لقد أُمر الجنود باستلام وجباتهم في نقاط بعيدة خارج الأسوار بعيداً عن الكاميرات والخرائط الرقمية التي تحلل كل حركةؤ ولم يكن السؤال .. ماذا سيأكل الجنود؟؟ بل من يراقب من؟؟
الفكرة ليست وليدة اللحظة إنها نظرية استخباراتية قديمة أعادت التكنولوجيا الحديثة إحياءها بصورة أكثر رعباً تدعى بين بعض الباحثين بمؤشر البيتزا، ومفادها أن ازدياد الطلبات الليلية حول المنشآت العسكرية الحساسة قد يكون أدق من أي بيان رسمي في كشف الاستعدادات الطارئة.
حين ترتفع الطلبات بنسبة غير معتادة في ساعة متأخرة الثانية أو الثالثة فجراً فهذا يعني أن شيئاً ما يحدث خلف الجدران المغلقة.
فالجنود الذين يفترض أن يكونوا في ثكناتهم والضباط الذين أنهوا دوامهم يعودون فجأة إلى مكاتبهم، الأضواء تشتعل في الطوابق العليا والهواتف تفتح والخرائط تفرش على الطاولات.
في الخارج، لا يرى المارة شيئاً، لكن خوادم تطبيقات التوصيل ترى كل شيء حيث عدد الطلبات، توقيت الدفع، وتكرار العناوين.
هكذا تتحول وجبة سريعة إلى شيفرة وتصبح البيتزا برقية غير مقصودة تعلن اقتراب ساعة الصفر.
في إحدى الوقائع التي أثارت اهتمام المتابعين، تحدثت تقارير عن رصد زيادات حادة في طلبات الطعام قرب منشآت عسكرية أمريكية قُبيل توترات إقليمية كبرى وقد تداول ناشطون على منصة X (تويتر سابقا) حساباً يحمل اسم "Pentagon Pizza Report"، ادعى مراقبة حركة الطلبات حول وزارة الدفاع الأمريكية وبينما لم تصدر تأكيدات رسمية، فإن الفكرة ذاتها كانت كافية لإثارة القلق، ماذا لو كان العالم يقرأ استعدادات الحرب من خلال صناديق كرتونية مكدسة خلف الأبواب؟؟
في أحد الأيام الماضية، انتشرت تكهنات بأن نشاطاً غير اعتيادي في محيط منشآت حساسة سبق تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً تجاه إيران، حيث لم يكن الأمر قائماً على صور أقمار صناعية، بل على بيانات مفتوحة المصدر حللها هواة ومبرمجون يجلسون خلف شاشاتهم في أماكن متفرقة من العالم.
لقد أصبح التتبع الجماعي ظاهرة، إذ كل فرد يحمل هاتفاً يمكن أن يكون من حيث لا يدري، نقطة بيانات في شبكة قراءة كبرى.
ما الذي تغير إذن؟! الذي تغير هو أن المعلومة لم تعد حكراً على من يملك أدوات التجسس التقليدية، الخوارزميات التي تحلل أنماط الاستهلاك قادرة على استنتاج ما هو أبعد من سلوك غذائي، فحين تربط البيانات الزمنية بالموقع الجغرافي وتقارن بسجلات سابقة يمكن استنتاج وجود طارئ. وحين يتكرر النمط في أكثر من موقع قد يُقرأ بوصفه استعداداً عاماً.
هذا ما يفسر القلق الإسرائيلي من أن تؤدي زيادة مفاجئة في الطلبات في ليلة مفاوضات حساسة في مدينة مثل جنيف إلى إرسال إشارة مبكرة لخصم يراقب بصمت.
فالمعلومة في زمن الذكاء الاصطناعي، لا تحتاج إلى تصريح، يكفي أن تتسرب عبر سلوك جماعي غير محسوب.
إنها مفارقة لافتة الدول التي تنفق المليارات على حماية أسرارها، قد تفاجأ بأن ثغرتها ليست في أنظمة التشفير، بل في عادات بشرية بسيطة.
فالجندي الذي يطلب وجبة ليلية لأنه سيبقى حتى الفجر لا يدرك أنه جزء من معادلة أكبر والموظف الذي يدير تطبيق التوصيل لا يتخيل أن بياناته قد تستخدم في تحليل استراتيجي عابر للقارات.
لقد أصبح "الصمت الغذائي" إن صح التعبير إجراء احترازياً في بعض اللحظات الحرجة ليس خوفاً من تسريب محادثة، بل من تسريب نمط، فالنمط هو اللغة الجديدة التي تقرؤها الآلات.
في عالم تتداخل فيه الحياة اليومية مع الأمن القومي، لم تعد الحروب تقرأ فقط في بيانات الجيوش وتصريحات القادة، بل في تفاصيل صغيرة كأضواء مكاتب لا تنطفئ، سيارات تصطف عند بوابات مغلقة وطلبات طعام تتكدس في ساعة متأخرة.
هكذا يصبح الاقتصاد الرقمي مرآة للقرار السياسي وتتحول علبة بيتزا إلى مؤشر استراتيجي.
قد يبدو الأمر ساخراً للوهلة الأولى، لكن جوهره بالغ الجدية في عصر البيانات المفتوحة، لا توجد حركة بلا أثر.
وكل أثر قابل للتحليل وبينما تسعى العواصم الكبرى إلى إحكام السيطرة على تسريباتها التقليدية، يبقى السؤال مفتوحاً، هل تستطيع الدول أن تخفي قراراتها الكبرى إذا كانت تفاصيل حياتها اليومية تبث في كل ثانية إلى خوادم لا تنام؟!
ربما لم تعد الحرب تبدأ بطلقة تُسمع، بل بجرس توصيل يُدق في عتمة الليل.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اقتصاد الحرب وإدامة الصراع
- من أفغانستان وباكستان إلى خرائط التفكيك
- هندسة الصمود الإيراني في الحروب المعاصرة
- العقل والعلم في الإسلام
- تيتانيك وإدارة الوعي بالعاطفة
- غاريت مورغان مخترع الإشارة
- جدلية الوظيفة والرسالة التربوية
- الصيام والإفطار بين الإيمان والمواطنة
- موضوعية الأخلاق بين الإيمان والإلحاد
- عيد الحب من القداسة إلى السوق
- الاستحقاق والمسؤولية في وعي الضحية المعاصر
- هل تحل تركيا محل إيران في الشرق الأوسط عسكرياً وجيوسياسياً؟؟
- الاستراتيجية التركية واختبار السيادة العراقية
- السياسة والاقتصاد في إدارة الحروب
- نظرية القنفذ وأخلاقيات المسافة الآمنة
- إبستين فضيحة تحمي النظام
- إبستين وفضيحة النظام الغربي
- المالكي وأزمة القابلية للحكم
- بين المؤثر والمشهور، قوة التأثير والوعي
- شيعة ايران وشيعة المواطنة


المزيد.....




- وفاة نجل الفنّانة أناهيد فياض والوزير الأردني السابق مثنى غر ...
- بينهم قائد الحرس الثوري.. الجيش الإسرائيلي ينشر قائمة بأسماء ...
- حكم إيران بقبضة حديدية.. من يكون المرشد الإيراني علي خامنئي؟ ...
- محلل إيراني: الضربات العسكرية لا تستطيع إسقاط النظام
- تكثيف الأمن حول البيت الأبيض ومنتجع ترمب مع بدء الحرب على إي ...
- محلل إماراتي: الرد العسكري خيار وارد إذا استمر التصعيد الإير ...
- الناطق باسم الجيش الإسرائيلي يؤكد اغتيال قادة إيرانيين في ال ...
- كاتب بريطاني يشرح -المقامرة الكبرى- لترمب في الهجوم على إيرا ...
- محلل: طهران تكتشف أن موسكو حليف وقت الرخاء فقط
- قطر تعلن 8 إصابات و114 بلاغا بسقوط شظايا بعد الهجوم الإيراني ...


المزيد.....

- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب
- الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر ) / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين علي محمود - الاستخبارات المفتوحة ومؤشر البيتزا