حسين علي محمود
الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 04:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
انتشرت الاخبار تفيد بدعم امريكي لدخول الأكراد الحرب ضد ايران واتصال ترامب مع بافل طلباني ومسعود برزاني لحثهم على دخول الحرب ودعم نظرائهم اكراد ايران في مناطق ايلام وكرمنشاه والشريط الحدودي الكردي الايراني الذي يتواجد فيه اكراد ايران.
وبغض النظر اذا كان الخبر صحيح ام لا، لكن لنقرأ المشهد قراءة علمية سياسية بعيداً عن التحليلات الاعلامية والانترنت.
والسؤال التالي، ماذا بعد دخول الاكراد لايران برياً، وماذا يعني لسوريا وتركيا ؟!
إن دخول الأكراد إلى هذا المشهد لا يعني مجرد تحرك عسكري مؤجر بل يفتح الباب أمام سيولة جغرافية محفوفة بالمخاطر الإقليمية ويطرح في الوقت نفسه ضمانات سياسية ثقيلة قد تقود إن نضجت ظروفها إلى استقلال حقيقي.
فإن ترسخ هذا المسار فقد نكون أمام ربط جغرافي بين جزء من أكراد إيران وجزء من أكراد العراق بما يشكل شريطاً سياسياً وجغرافياً متصلاً يعيد تشكيل الخريطة الكردية في الإقليم.
ومثل هذا السيناريو لا يمكن أن يمر بهدوء، فهو في المدى البعيد مصدر إزعاج استراتيجي لتركيا التي ترى في أي تمدد كردي على حدودها تهديداً مباشراً لأمنها ووحدتها.
ومن هنا يمكن فهم جانب من المشهد في شمال شرق سوريا، فقبول الأكراد ومعهم الإسرائيليون بخسارة تلك الساحة لا يعني نهاية المشروع بل قد يكون إعادة تموضع نحو جغرافيا يرونها أكثر قابلية للتحقق والاستمرار.
الاكراد على مدى التاريخ لم يتعلموا من الدروس التي واجهوها من القوى الغربية.
والتاريخ الحاضر لم يتعلموا من الدرس ابداً عندما استخدمتهم امريكا في سوريا بديلاً عن قواتها فقاتلوا معها أملاً بأن يحصلوا على إقليم مستقل وبعد أن اتفقت مع الحكومة السورية، قالت : "لهم اندمجوا."
والآن تريد واشنطن أن تستخدمهم في إيران متناسين أن القوى الكبرى وعلى رأسهم أمريكا همها مصالحها الاستراتيجية قبل حلفائها.
متى تقتنع التنظيمات الكردية بأن بإستنساخ تجربة العراق بالحصول على حكم ذاتي أمر شبه مستحيل بوجود دولة مثل تركيا، لقد أفشلت تركيا هذه الأحلام في سوريا.
فهل يعتقدون أن بإمكانهم النجاح في إيران!؟
إن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط هل يمكن للأكراد أن يدخلوا الحرب ضد إيران؟؟ بل الأهم من ذلك ما الذي سيترتب على هذا الدخول في ميزان القوى الإقليمي؟؟ وهل سيكون هذا التدخل جزءاً من مشروع سياسي طويل الأمد أم مجرد ورقة تكتيكية ضمن صراع أكبر بين القوى الدولية؟؟
فعند قراءة المشهد استراتيجياً يجب فهم أن أي تحرك كردي داخل الأراضي الإيرانية لن يكون مجرد عملية عسكرية محدودة بل سيحمل معه احتمال فتح جبهة جيوسياسية جديدة في منطقة تعد واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتعقيداً.
فإيران ليست دولة منهكة أمنياً إلى درجة تسمح بانهيار سريع في أطرافها القومية بل هي دولة تمتلك بنية أمنية وعسكرية متماسكة وتجربة طويلة في إدارة التمردات المحلية سواء في كردستان أو في مناطق أخرى.
وبالتالي فإن دخول القوى الكردية إلى إيران سيعني في المقام الأول فتح حرب استنزاف طويلة أكثر مما يعني تحقيق اختراق سريع أو مكاسب سياسية مباشرة.
وهذا النوع من الحروب غالباً ما يستخدم من قبل القوى الكبرى لإضعاف الخصوم وليس بالضرورة لتحقيق أهداف الحلفاء المحليين.
ومن هنا تظهر طبيعة الدور الأميركي في مثل هذه السيناريوهات، فالسياسة الأميركية تاريخياً تتعامل مع الفاعلين المحليين بوصفهم أدوات ضمن منظومة توازن القوى لا بوصفهم شركاء استراتيجيين دائمين.
وقد أثبت التاريخ القريب والبعيد أن واشنطن غالباً ما تتخلى عن حلفائها المحليين عندما تتغير أولوياتها الاستراتيجية أو عندما تتوصل إلى تسويات مع القوى الكبرى.
إن مراجعة التاريخ الكردي الحديث تقدم أمثلة عديدة على هذا النمط، فقد دعمت الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية الحركات الكردية في مراحل مختلفة لكنها في لحظات التحول الكبرى كانت تعيد ترتيب أوراقها وفق مصالحها العليا وليس وفق طموحات تلك الحركات.
ففي سبعينيات القرن الماضي عندما دعمت واشنطن وبعض القوى الإقليمية التمرد الكردي في العراق، انتهى الأمر فجأة بعد اتفاقات إقليمية أعادت رسم خطوط التفاهم بين الدول. وفي مراحل لاحقة تكرر المشهد بأشكال مختلفة حيث كانت الحركات الكردية تتحول في كثير من الأحيان إلى ورقة ضغط في الصراعات الإقليمية والدولية.
وفي الحالة السورية القريبة ظهر هذا النمط بشكل واضح، فقد وجدت القوى الكردية نفسها شريكاً عسكرياً أساسياً للولايات المتحدة في الحرب ضد التنظيمات المتطرفة لكن عندما تغيرت الحسابات السياسية والعسكرية وجدت تلك القوى نفسها أمام واقع جديد فرض عليها إعادة التموضع والبحث عن تفاهمات مع الدولة السورية.
وهنا يظهر السؤال الأكثر حساسية، هل يمكن تكرار نموذج إقليم كردستان العراق في إيران أو في أي منطقة أخرى؟؟
يشير الواقع الجيوسياسي إلى أن الظروف التي سمحت بقيام إقليم كردستان في العراق كانت ظروفاً استثنائية إلى حد بعيد.
فقد جاء ذلك في سياق انهيار الدولة العراقية بعد حرب الخليج ووجود منطقة حظر جوي ثم لاحقاً في ظل إعادة تشكيل النظام السياسي العراقي بعد عام 2003.
أي أن الإقليم نشأ في فراغ سياسي وأمني كبير سمح بتثبيت واقع شبه مستقل.
أما في الحالة الإيرانية الصورة مختلفة تماماً، فالدولة الإيرانية تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية قوية كما أن الجغرافيا السياسية للمنطقة تجعل أي مشروع كردي مستقل يواجه رفضاً شديداً من دول إقليمية رئيسية وعلى رأسها تركيا التي ترى في أي كيان كردي مستقل تهديداً وجودياً لأمنها القومي.
إن تركيا التي خاضت عقوداً من الصراع مع الحركات الكردية المسلحة، لن تقف متفرجة أمام سيناريو قد يؤدي إلى تشكل ممر كردي متصل يمتد من العراق إلى إيران وربما إلى أجزاء أخرى من المنطقة.
فمثل هذا التطور سيغير بشكل جذري موازين القوى على حدودها الجنوبية والشرقية.
ولذلك يمكن القول إن أي محاولة لخلق كيان كردي جديد في المنطقة ستواجه تحالفاً موضوعياً بين عدة قوى إقليمية حتى وإن كانت هذه القوى تختلف في ملفات أخرى.
فالدول غالباً ما تتفق عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على حدودها ووحدتها الإقليمية.
ومن هنا يمكن فهم التعقيد الشديد الذي يحيط بالمشروع القومي الكردي في الشرق الأوسط، فالأكراد يشكلون واحدة من أكبر القوميات التي لا تمتلك دولة مستقلة لكنهم في الوقت نفسه يعيشون داخل أربع دول رئيسية لكل منها حساباتها الأمنية والسياسية الخاصة.
وهذا ما يجعل تحقيق حلم الدولة الكردية أمراً بالغ الصعوبة ليس فقط بسبب مواقف الدول التي يعيشون فيها بل أيضاً بسبب توازنات النظام الدولي الذي لا يميل عادة إلى تغيير الحدود القائمة إلا في ظروف استثنائية للغاية.
وفي ضوء ذلك، فإن دخول الأكراد في مواجهة عسكرية مع إيران، إذا حدث فعلاً، قد يكون خطوة تحمل مخاطر أكبر بكثير من المكاسب المحتملة.
وفي السياق نفسه، يحذر عدد من الباحثين في العلاقات الدولية من المخاطر التي قد تواجه إقليم كردستان العراق إذا انجرف إلى هذا السيناريو.
وفي هذا الإطار يقول الدكتور علي أغوان (أستاذ العلاقات الدولية) :
"لا اعلم الى اي مدى ستكون القيادات الكردية العراقية مستجيبة للطلب الامريكي واذا كانت مستجيبة وتتعاون، هل هي واثقة من ان النظام سيسقط في طهران بشكل حتمي للتعاطي مع هذا الملف وكأنه تذكرة باتجاه واحد بدون عودة ؟؟
هذا رهان على طريقة الروليت الروسي يضع اكراد العراق ومكتسباتهم على طاولة قد تنقلب في اي لحظة !!
بحيث نسمع ان هناك تنظيمات كردية تتحرك فعلا عبر الحدود العراقية باتجاه ايران الان وهذا ما قالته اكسيوس كذلك ونفته كارولين لفت، وكأن هناك تسليم كامل من قبل قيادة كردستان العراق بان النظام سيسقط في ايران !
ماذا لو لم يسقط النظام الايراني بسرعة، او ماذا لو انه لم يسقط اساساً؟؟
هل يستطيع الاقليم تحمل الانتقام الذي قد يأتي من ايران او حلفائها؟؟
هل يتحمل الاقليم موجة من المسيرات او الصواريخ التي قد تطلقها الفصائل من العراق او من داخل ايران نتيجة لهذا التعاون اذا تم اثباته ؟!
ترامب مرة اخرى أو بالأحرى الولايات المتحدة تستخدم القضية الكردية العادلة والمظلومة وتحركها لاغراض تتعلق باهدافها الكبرى وليس لاهداف الشعب الكردي الحبيب !
هل يريد ترامب تعويض خسارة الاكراد لموقعهم في سوريا مقابل منحهم فرصة للنمو والتوسع في ايران؟؟
هل يضمن القادة الكرد ان لا يتم تصفية ملفهم بعد انتهاء الغرض منهم من جديد كما حدث في سوريا؟؟
ماذا يدور في رأس الرئيس ترامب؟؟ وكيف تخاطر القوى الكردية العراقية بالرهان مرة اخرى مع رئيس هو للتو تخلى عنهم في سوريا وقد يتركهم مع اول صفقة يعقدها ان ظهر له احد ما مقنع من داخل ايران؟!
إن ثبتت عملية التعاون بين اكراد العراق واكراد ايران برعاية امريكية ولم يسقط النظام الايراني في القريب العاجل، سيتعرض اقليم كردستان العراق لحرج استراتيجي كبير لا نتمناه اطلاقاً كونه جزء من جغرافية عراقية سيادية لا يجب ان تتضرر حققت مكتسبات عمرانية مهمة وكبيرة !!
تحتاج القيادة العراقية الكردية للتحوط الاستراتيجي اكثر وعدم التسرع وراء مغريات ترامب ووعوده بالحكم الذاتي والفيدرالية الكردية وحق تقرير المصير في ايران !!
الغرب يكذب على القضية الكردية من عام 1916 حتى الان !!
وان صحت هذه المعطيات، كيف ستدير ادارة الاقليم علاقاتها مع الجانب التركي الذي يقبض على ورقة الاقتصاد الكردي بالكامل؟!
السؤال المهم الان : هل بغداد على علم بما يجري هناك؟؟"
كما أن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى تعقيد المشهد السوري والعراقي أيضاً لأن أي تصعيد في إيران قد يدفع القوى الإقليمية إلى إعادة ترتيب أوراقها في الساحات المجاورة بما في ذلك سوريا والعراق حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية بشكل معقد.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه القيادات الكردية على نفسها ليس فقط .. كيف يمكن استثمار اللحظة الدولية؟؟ بل أيضاً كيف يمكن تجنب الوقوع مرة أخرى في فخ الصراعات الكبرى التي تستخدم فيها القوى الصغيرة كأدوات مؤقتة؟؟
فالتاريخ السياسي للمنطقة يثبت أن القوى الكبرى قد تشجع بعض المشاريع في لحظات معينة لكنها لا تتردد في التخلي عنها عندما تتغير موازين القوى أو عندما تتطلب مصالحها ذلك.
وبالتالي فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على دعم خارجي مؤقت بل على تسويات سياسية داخلية طويلة الأمد تضمن الحقوق الثقافية والسياسية ضمن إطار الدول القائمة، بدلاً من الدخول في مغامرات جيوسياسية قد تنتهي بنتائج عكسية.
وهنا ربما يكمن الدرس الأكثر أهمية في تاريخ المنطقة أن المشاريع التي تبنى على توازنات دولية متقلبة غالباً ما تكون هشة وقابلة للانهيار بينما المشاريع التي تقوم على تفاهمات داخلية مستقرة تكون أكثر قدرة على البقاء والاستمرار.
ولذلك فإن أي قراءة استراتيجية للمشهد الحالي يجب أن تتعامل مع هذه القضية بحذر شديد لأن الشرق الأوسط ليس ساحة لسيناريوهات بسيطة بل شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والصراعات التي قد تحول أي خطوة غير محسوبة إلى شرارة لصراع إقليمي واسع لا يمكن التنبؤ بنتائجه.
#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟