أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - جزيرة خرج قلب الصراع النفطي الدولي















المزيد.....

جزيرة خرج قلب الصراع النفطي الدولي


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 07:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تعد جزيرة خرج مجرد نقطة على خريطة الخليج، بل تمثل مركز الثقل الذي يمر عبره العمود الفقري للاقتصاد الإيراني.
فعلى مساحة لا تتجاوز 20 كيلومترا مربعا، تحتضن الجزيرة ما بين 90% و95% من صادرات النفط الإيراني، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر المواقع حساسية في معادلات الطاقة الإقليمية والدولية.
تضم جزيرة خرج منظومة متكاملة من منشآت الطاقة التي تجعلها محوراً رئيسياً لقطاع النفط الإيراني تشمل مرافق تحميل النفط وصهاريج تخزين ضخمة ومراكز لمعالجة النفط إضافة إلى مطار صغير وقاعدة عسكرية.
تقع ‎جزيرة خرج على بعد 25 كيلومتر فقط من الساحل الإيراني مقابل بوشهر وعلى مسافة 480 كيلومتر شمال مضيق هرمز.
هذا الموقع منحها دوراً محورياً في التحكم بتدفقات النفط نحو الأسواق الآسيوية خصوصاً الصين عبر شبكة ضخمة من الخزانات والأنابيب ومرافق التحميل.
لكن أهمية ‎جزيرة خرج لا تقتصر على حاضرها النفطي فالجزيرة تحمل إرثاً تاريخياً يمتد لقرون، إذ كانت محطة تجارية نشطة منذ القرن العاشر واحتضنت ديراً مسيحياً يعود للقرن 7 الميلادي، كما شكلت نقطة نفوذ للهولنديين في القرن 18 الذين بنوا فيها حصناً ما زالت آثاره قائمة وحولوها إلى مركز تجاري بحري بين الشرق والغرب لكنها هجرت بعد ذلك بعد أن شهدت إيران ثورة نفطية في ستينيات القرن الماضي.
تعد اليوم ‎جزيرة خرج نقطة حساسة في أي توتر عسكري فاستهدافها يعني شللاً اقتصادياً لإيران واضطراباً في أسواق الطاقة العالمية واحتمال انزلاق المنطقة إلى تصعيد واسع وهو ما قد ينعكس سلباً على أسواق الطاقة ويزيد من احتمالات التصعيد العسكري في منطقة الخليج إضافة إلى استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج.
لهذا السبب ورغم التوترات المتكررة، بقيت الجزيرة خارج دائرة الضربات المباشرة في حسابات القوى الكبرى رغم أهميتها حيث نجت جزيرة خرج من ضربات مباشرة في أزمات تاريخية مسبقة فخلال أزمة الرهائن الإيرانية عام 1979 امتنع الرئيس الأميركي جيمي كارتر عن استهدافها كما تجنبتها الضربات خلال حرب ناقلات النفط في الثمانينيات حتى جاء ترامب وقصفها في 2026.
جزيرة خرج ليست جزيرة إنها ‎عقدة استراتيجية تربط بين التاريخ والاقتصاد والسياسة ومفتاح لفهم توازنات القوة في الخليج.

فيما لو تم الاستيلاء على جزيرة خرج وهو واحتمال وارد في مخططات ترامب لقطع عائدات النفط عن الحكومة الإيرانية حيث ستتوقف صادرات النفط الإيرانية وسيتراجع الإنتاج إلى النصف إضافة الى سيطرة امريكا وتحكمها في مسار وبوابة مضيق هرمز وهو ما يجعل امريكا تتحكم في مفاصل اقتصاديات العالم وكذلك خنق الصين تجارياً ونفطياً وهذا ما تريده بشدة واشنطن.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، ماذا يعني استراتيجيا أن تتحول هذه الجزيرة الصغيرة إلى هدف مباشر في الصراع بين واشنطن وطهران؟؟
لا يمكن فهم الحديث عن احتلال واشنطن للجزيرة بمعزل عن الاستراتيجية الأمريكية الأوسع في الخليج، فهذه الجزيرة الصغيرة التي تبدو جغرافياً مجرد نقطة في مياه الخليج تمثل عملياً صمام الشريان النفطي لدولة بحجم ايران ومن هنا فإن التفكير في السيطرة عليها لا ينظر إليه فقط كعملية عسكرية محدودة، بل كتحرك استراتيجي قادر على إعادة رسم موازين القوة في المنطقة بأكملها.
إن الهدف الأول سيكون خنق الاقتصاد الإيراني دون الحاجة إلى غزو بري واسع أو حرب شاملة، فمعظم صادرات النفط الإيرانية تمر عبر هذه الجزيرة قبل أن تتجه نحو الأسواق العالمية وبالتالي فإن السيطرة عليها تعني عملياً السيطرة على النهر النفطي الذي يغذي الميزانية الإيرانية.
وفي دولة يعتمد جزء كبير من دخلها القومي على النفط فإن فقدان هذا المنفذ سيؤدي إلى تراجع حاد في الإيرادات الحكومية ما ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على تمويل مؤسساتها العسكرية والاقتصادية.
إضافة إلى ذلك، فإن موقع الجزيرة القريب نسبياً من مضيق هرمز يمنحها أهمية تتجاوز حدود إيران نفسها، فالمضيق يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم حيث يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية.
ومن خلال جزيرة خرج يمكن مراقبة جزء كبير من الحركة البحرية في شمال الخليج ما يجعلها نقطة متقدمة لأي قوة ترغب في التأثير على تدفق الطاقة العالمية.

في هذا المحور ترى بعض دوائر التفكير الاستراتيجي في واشنطن أن السيطرة على الجزيرة تمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط هائلة ليس فقط على إيران، بل أيضاً على القوى الكبرى المنافسة وعلى رأسها الصين.
تعد بكين من أكبر مستوردي النفط في العالم وجزء معتبر من وارداتها يأتي من الخليج وإذا تمكنت واشنطن من التحكم في أحد المفاصل الحيوية لصادرات النفط الإيرانية فإن ذلك يضيف بعداً جديداً إلى المنافسة الجيوسياسية بين القوتين.
ولهذا فإن أي اضطراب في تدفقات النفط من جزيرة خرج قد ينعكس بشكل مباشر على أمن الطاقة الصيني.
كما أن الصين تنظر إلى استقرار إمدادات الطاقة من الخليج باعتباره جزءاً أساسياً من استراتيجيتها الاقتصادية طويلة المدى خصوصاً في ظل توسعها الصناعي واعتماد اقتصادها على تدفق مستقر للموارد.
ومن هنا فإن تحكم قوة دولية في أحد المفاصل الحيوية لتصدير النفط الإيراني قد يمنحها قدرة غير مباشرة على التأثير في توازنات الطاقة التي تعتمد عليها بكين.
ويكتسب هذا البعد أهمية أكبر إذا وضع في سياق التنافس الجيوسياسي المتصاعد بين واشنطن وبكين حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي في الممرات البحرية ومصادر الطاقة العالمية.
وفي مثل هذا السياق قد تتحول جزيرة خرج إلى ورقة ضغط إضافية في لعبة النفوذ الدولي ليس فقط في الخليج، بل في معادلة التوازن بين القوى الكبرى على مستوى العالم.

ومن منظور آخر، فإن احتلال الجزيرة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع غير التقليدي في الخليج.
فإيران التي طورت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من القدرات العسكرية غير المتكافئة قد لا ترد بالضرورة عبر مواجهة تقليدية مباشرة.
بدلاً من ذلك قد تلجأ إلى تكتيكات تعتمد على استهداف طرق الملاحة أو المنشآت النفطية أو القواعد العسكرية في المنطقة والتي من الممكن أن تجعل الخليج بأكمله مسرحاً لتوترات متصاعدة يصعب احتواؤها بسهولة.

قد يفسر احتلال جزيرة خرج في المنطقة على أنه تحول جذري في قواعد الاشتباك بين واشنطن وطهران، فحتى في أشد مراحل التوتر بين الطرفين ظلت المنشآت النفطية الحيوية هدفاً حساساً تتجنب القوى الكبرى ضربه مباشرة خشية انهيار الاستقرار النسبي في أسواق الطاقة العالمية.
لذلك فإن هذا السيناريو يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل النظام الأمني في الخليج، فالدول الخليجية المنتجة للنفط تدرك أن أي سابقة تتعلق بالسيطرة على منشأة نفطية سيادية قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراعات الاقتصادية والعسكرية حيث تتحول البنية التحتية للطاقة إلى أهداف استراتيجية مباشرة.

كما أن تداعيات ذلك لن تتوقف عند حدود الخليج، فأسواق النفط العالمية شديدة الحساسية لأي اضطراب في الإمدادات وإذا توقفت صادرات إيران فجأة أو أصبحت خاضعة لسيطرة قوة أجنبية فإن ذلك قد يؤدي إلى قفزات حادة في أسعار النفط ما سينعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله.
الخلاصة، إن جزيرة خرج تمثل مثالاً واضحاً على كيف يمكن لموقع جغرافي صغير أن يحمل وزناً استراتيجياً هائلاً.
فهي ليست مجرد ميناء لتصدير النفط، بل عقدة تلتقي عندها خطوط الاقتصاد والسياسة والأمن في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية لهذا السبب تعتبر جزيرة خرج رغم صغرها إحدى أكثر النقاط التي تراقب بعناية في حسابات القوى الكبرى لأنها ببساطة تمثل المفتاح الذي قد يفتح باباً لتغيير قواعد اللعبة في الخليج كله.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وعي المجتمع وثمن العزلة السياسية
- وطنچي بين التشويه والانتماء
- مجتبى خامنئي بين التوريث الإيراني والصراع الإقليمي
- مستويات الوعي في إدراك القوة
- المسألة الكردية وتداعيات الصراع الإيراني إقليمياً
- إيران بين الملكية والتوافق الوطني
- تحولات الخليج بعد حرب إيران الكبرى
- بانادول وتسكين الوعي الإنساني
- مضيق هرمز وصراعات القوة والاقتصاد
- إيران والتحولات الكبرى بعد اغتيال خامنئي
- الاستخبارات المفتوحة ومؤشر البيتزا
- اقتصاد الحرب وإدامة الصراع
- من أفغانستان وباكستان إلى خرائط التفكيك
- هندسة الصمود الإيراني في الحروب المعاصرة
- العقل والعلم في الإسلام
- تيتانيك وإدارة الوعي بالعاطفة
- غاريت مورغان مخترع الإشارة
- جدلية الوظيفة والرسالة التربوية
- الصيام والإفطار بين الإيمان والمواطنة
- موضوعية الأخلاق بين الإيمان والإلحاد


المزيد.....




- إسرائيل تعلن مقتل مسؤولين إيرانيين رفيعين بعد إتمامها 400 مو ...
- إسرائيل.. آخر مستجدات اعتراض الصواريخ الإيرانية صباح الأحد
- إيران.. آخر مستجدات الضربات على دول الخليج صباح الأحد
- الإمارات والسعودية والكويت تتصدى لهجمات بمسيّرات ودويّ صفارا ...
- أب وأم وطفلاهما.. الاحتلال يرتكب مجزرة بحق عائلة في طوباس
- بوليتيكو: سمعة الولايات المتحدة عالميا أسوأ مما يتصوره مواطن ...
- مكتب نتنياهو ينفي شائعات اغتياله ويؤكد أنه -بخير-
- بعد وعوده بنجدتهم.. إيرانيون مناهضون للنظام ينقلبون على ترمب ...
- الرئيس الأميركي: إيران تريد هدنة لكن شروط الاتفاق غير كافية ...
- الدفاعات الإماراتية تتصدى لصواريخ ومسيرات قادمة من إيران


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - جزيرة خرج قلب الصراع النفطي الدولي