حسين علي محمود
الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 04:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الكثير من الشباب العربي معزولون سياسياً ولا توجد مشاركة قوية في الحياة السياسية، بل إن هناك انخفاضاً في معدل القراءة في الدول العربية مقارنة بدول أخرى.
وهذه طامة كبرى لا يعيها الكثيرون.
يظن أغلب الأفراد في الوطن العربي أن بيوتهم تحميهم من السياسة لكنهم لا يدركون أن السياسيين الذين يتجاهلونهم هم من يقررون سرعة الإنترنت ومستقبل وظائفهم وحتى سعر القهوة التي يشربونها يومياً.
فالسياسة ليست كلاماً وتنظيراً فقط، بل هي مرتب الفرد وأجره ومستوى معيشته.
هي الضرائب التي يدفعها وفرص العمل التي يحصل عليها والخدمات التي يتلقاها، لذلك فالسياسة ليست شأن السياسيين وحدهم، بل شأن المجتمع بأكمله.
وحين يتم تجاهل اللعبة السياسية تبدأ آثار ذلك بالظهور تدريجياً في حياة الناس إذ يحكم التضخم وترتفع الضرائب وتقل فرص العمل، بل قد يتضاعف حتى إيجار البيت.
وكل هذه ليست مجرد أزمات عابرة بل نتائج مباشرة لقرارات سياسية واقتصادية.
وفي المجتمعات المتقدمة، تخشى الطبقة السياسية وعي الشارع لأن المواطن الواعي قادر على محاسبة السلطة.
أما في كثير من مجتمعاتنا فإن الصمت يصبح أعظم ما تمتلكه الطبقة السياسية لتمرير القرارات ضد المواطن بسهولة.
إن من أكبر أوهام النجاة أن يعتقد الكثيرون أن شهاداتهم أو عملهم الشاق سيحميهم من تقلبات الواقع لكن هذا مفهوم مغلوط، لأن كل ذلك قد لا ينفع إذا انهار الاقتصاد بأكمله أو اندلعت حرب بسبب قرارات لم يشارك المجتمع في صناعتها أو حتى في مناقشتها.
ولهذا فإن درع الوعي الحقيقي يبدأ بالقراءة وبالقدرة على النقاش حتى مع من نختلف معهم.
ففهم كيفية إدارة الأموال العامة ومعرفة كيف تصاغ القوانين والسياسات محلياً يمنح الإنسان معرفة مستقلة تحميه من التضليل والاستغفال.
كما أن المشاركة الواعية لا تعني بالضرورة الصراخ أو الصراع، بل تعني الانخراط بذكاء في أدوات التأثير الممكنة مثل التجمعات النقابية والنشاط الرقمي والمقاطعة الاقتصادية الواعية التي يمكن أن تشكل ضغطاً حقيقياً في أي مجتمع.
فالمنطقة اليوم تدخل فصلاً جديداً ومجهولاً من التاريخ.
ولهذا فإن السؤال الأهم اليوم ليس فقط لماذا يعزف الشباب عن السياسة، بل كيف تشكلت هذه العلاقة المشوهة بين المجتمع والسياسة في العالم العربي؟؟
إن المشكلة في العالم العربي لا تكمن فقط في ضعف المشاركة السياسية، بل في طبيعة العلاقة المشوهة بين المواطن والسياسة.
فالكثيرون نشؤوا على فكرة أن السياسة مجال خطر أو قذر وأن الابتعاد عنها نوع من الحكمة أو السلامة.
لكن الواقع يظهر العكس تماماً، فحين ينسحب المجتمع من السياسة لا تختفي السياسة من حياته، بل تتحول إلى قوة خفية تتحكم فيه دون أن يملك القدرة على التأثير فيها.
إن الفراغ السياسي لا يبقى فارغاً، بل تملؤه دائماً النخب الأكثر تنظيماً أو الأكثر نفوذاً.
وحين يتراجع وعي المجتمع، تصبح القرارات الكبرى الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية تُصاغ بعيداً عن أعين الناس ومصالحهم.
عندها تتحول الدولة من مساحة مشتركة لصناعة القرار إلى جهاز يدار من الأعلى بينما يكتفي المواطن بدور المتلقي للنتائج.
والأخطر من ذلك أن العزلة السياسية تترافق غالباً مع عزلة معرفية، فضعف القراءة وضعف الاطلاع لا يعني فقط نقصاً في الثقافة العامة، بل يعني أيضاً فقدان القدرة على فهم ما يجري حولنا.
السياسة في جوهرها شبكة من القرارات المعقدة موازنات، قوانين، تحالفات، سياسات تعليمية واقتصادية.
ومن لا يقرأ ولا يتابع لن يستطيع أن يرى العلاقة بين هذه القرارات وبين حياته اليومية.
حين ترتفع الأسعار يظن كثيرون أن الأمر مجرد أزمة اقتصادية عابرة بينما قد تكون نتيجة لسياسات مالية خاطئة.
وحين تقل فرص العمل يفسر الأمر أحياناً باعتباره حظاً سيئاً أو ضعفاً في السوق بينما قد يكون مرتبطاً بقرارات تتعلق بالاستثمار أو الضرائب أو التعليم.
وحين تتدهور الخدمات، يلام الموظف الصغير أو الدائرة الحكومية بينما السبب الحقيقي قد يكون قراراً سياسياً أتُخذ قبل سنوات.
لهذا فإن القراءة ليست ترفاً ثقافياً، بل أداة سياسية بامتياز، القراءة تمنح الفرد القدرة على تفكيك الخطاب العام وعلى التمييز بين الحقيقة والدعاية وبين الإصلاح الحقيقي والشعارات.
المجتمع الذي يقرأ يصعب تضليله والمواطن الذي يقرأ يصعب استغلاله.
لكن الوعي لا يكتمل بالقراءة وحدها، فالمعرفة تحتاج إلى نقاش وتفاعل.
إن المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تسمح بتداول الأفكار واختلاف الآراء دون خوف، النقاش العام ليس فوضى كما يعتقد البعض بل هو آلية لتصحيح المسار.
عندما يتحدث الناس عن قضاياهم بجرأة، تظهر الأخطاء مبكراً قبل أن تتحول إلى أزمات كبرى.
وفي المقابل، فإن المجتمعات التي يسود فيها الصمت الطويل تتحول تدريجياً إلى مجتمعات هشة وقد يبدو الصمت هدوءاً في الظاهر لكنه يخفي تراكماً من المشكلات غير المحلولة وعندما تنفجر هذه المشكلات يكون الثمن أكبر بكثير مما لو عولجت مبكراً عبر الحوار والمشاركة.
من هنا تأتي أهمية الأشكال الحديثة للمشاركة الاجتماعية والسياسية، فالمشاركة اليوم لم تعد مقتصرة على الأحزاب التقليدية أو الانتخابات فقط، لقد ظهرت أدوات جديدة للتأثير مثل النقابات المهنية، الحملات الرقمية، المبادرات المجتمعية، المقاطعة الاقتصادية الواعية، والضغط الإعلامي. هذه الأدوات تمنح المواطن العادي مساحة للتأثير حتى في البيئات التي تكون فيها القنوات السياسية الرسمية محدودة.
لكن هذه الأدوات تحتاج إلى تنظيم ووعي، فالنشاط العفوي قد يلفت الانتباه مؤقتاً لكنه لا يصنع تغييراً طويل الأمد أما النشاط المنظم القائم على المعرفة والتحليل فيستطيع أن يفرض نفسه كقوة حقيقية في المجتمع.
كما أن الوعي السياسي لا يعني بالضرورة الانخراط في صراعات حزبية أو أيديولوجية حادة فالوعي الحقيقي يبدأ من فهم المصالح العامة.
كيف تدار الموارد؟؟
كيف تصاغ القوانين؟؟
من يربح ومن يخسر من كل قرار اقتصادي؟؟
ما هي الأولويات الحقيقية للتعليم والصحة والبنية التحتية؟؟
هذه الأسئلة هي جوهر السياسة وهي في الوقت نفسه جوهر حياة الناس اليومية.
إن أحد أكبر الأخطاء الشائعة هو الاعتقاد بأن السياسة شأن يخص النخب فقط، هذا التصور يخدم تلك النخب أكثر مما يخدم المجتمع.
فكلما ابتعد الناس عن السياسة ازدادت قدرة النخب على احتكار القرار، أما حين يدرك المواطنون أن السياسة هي إدارة شؤونهم اليومية فإنهم يبدأون بالمطالبة بدورهم الطبيعي في صنعها.
إن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي تمتلك مواطنين واعين هي المجتمعات الأكثر قدرة على الصمود في الأزمات. فالوعي الجماعي يعمل كجهاز إنذار مبكر يكتشف الأخطار قبل أن تتحول إلى كوارث.
كما أنه يخلق نوعاً من الرقابة الشعبية التي تدفع المؤسسات إلى العمل بشفافية أكبر.
واليوم تقف المنطقة العربية أمام مرحلة تاريخية معقدة حيث التحولات الاقتصادية العالمية والتغيرات الجيوسياسية والتطور التكنولوجي السريع كلها عوامل تعيد تشكيل العالم من حولنا.
في مثل هذه اللحظات التاريخية يصبح الوعي المجتمعي ضرورة وجودية لا مجرد خيار ثقافي.
فالمستقبل لا يصنع فقط في مكاتب الحكومات أو في قاعات المؤتمرات الدولية، بل يصنع أيضاً في وعي الشعوب. المجتمع الذي يمتلك أفراداً يقرأون ويفكرون ويناقشون هو مجتمع يملك فرصة حقيقية لتوجيه مصيره، أما المجتمع الذي يكتفي بالمشاهدة من بعيد فسيجد نفسه دائماً يتكيف مع قرارات صنعت دون مشاركته.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين أحزاب أو تيارات، بل بين الوعي واللامبالاة، بين مجتمع يقرر أن يفهم ما يجري حوله ومجتمع يترك الآخرين يقررون عنه.
وفي النهاية، قد يبدو صوت الفرد ضعيفاً في مواجهة منظومات سياسية واقتصادية كبيرة لكن التاريخ مليء بالأمثلة التي تثبت أن التغيير يبدأ دائماً من تراكم الوعي. فكرة تتحول إلى نقاش ونقاش يتحول إلى حركة وحركة تتحول إلى قوة اجتماعية قادرة على إعادة صياغة الواقع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه كل فرد على نفسه ليس هل السياسة تهمني؟؟
بل إلى أي مدى أستطيع أن أسمح للآخرين بتقرير حياتي دون أن أفهم كيف ولماذا؟!
فالسياسة في النهاية ليست مجرد صراع على السلطة إنها صراع على شكل الحياة التي سنعيشها جميعاً.
#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟