أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - الإنسان بين الظهور وإخفاء المعاناة














المزيد.....

الإنسان بين الظهور وإخفاء المعاناة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 02:49
المحور: قضايا ثقافية
    


البعض عندما يتحدث معك يقول "اشتريت سيارة جديدة" لكن لا يقول انه مديون ويدفع أقساط.
او يقول حصلت على معدل عالٍ يؤهلني لدخول أرقى الجامعات لكن لا يذكر أنه فقد والده أو أمه في نفس السنة.
أو يقول انه عمل حفلة فخمة بمناسبة ما لكن لا يقول انه جمع المال لأشهر عديدة حتى تمكن من عمل الحفلة.
من الطبيعي ان الشخص يشارك انتصاراته وانجازاته مع الآخرين لكنه يحتفظ بالجانب المظلم لنفسه وهذه غريزة الإنسان يظهر انجازه ويخفي وجعه.
الفكرة هنا لا تتوقف عند مجرد ملاحظة هذا السلوك، بل تمتد لفهم أعمق لكيف نبني صورنا أمام الآخرين وكيف نفهم نحن بدورنا حياة من حولنا.
لأن ما يحدث في الحقيقة هو أننا لا نرى الحياة كما هي، بل نرى نسخة مختصرة منها، نسخة تم اختيارها بعناية لتعرض.
حين يقول أحدهم "نجحت" فهو لا يكذب لكنه لا يقول كل شيء وحين يتحدث عن إنجازه فهو يشارك النتيجة لا الرحلة بكل ما فيها من تعب وخسارة وتردد.
وهذا الانتقاء ليس خداعاً بقدر ما هو محاولة إنسانية لحماية النفس والحفاظ على صورتها أمام الآخرين لكن المشكلة لا تكمن في أن الناس تخفي، بل في الطريقة التي نفسر بها ما نراه.
نحن نأخذ الجزء الظاهر من حياة الآخرين ونتعامل معه وكأنه الحقيقة الكاملة ثم نقارن به حياتنا بكل ما فيها من تفاصيل خفية وهنا يبدأ الشعور بالنقص أو الظلم.
أنت تعيش حياتك من الداخل بكل ما فيها من تعب وقلق ومحاولات بينما ترى حياة الآخرين من الخارج فقط في لحظات النجاح أو الفرح.
هذا الفرق في زاوية الرؤية يصنع وهماً كبيراً أن الآخرين يعيشون حياة أسهل أو أكثر اكتمالاً ومع تكرار هذه المقارنات يبدأ الإنسان بالشعور أنه أقل أو متأخر أو أنه الوحيد الذي يعاني بينما الحقيقة أن الجميع يعاني لكن ليس الجميع يتحدث عن ذلك.
كل إنسان يحمل داخله قصة لا تروى كاملة وتفاصيل لا تظهر للعلن وصراعات لا يشاركها مع أحد.
وحين ندرك هذه الحقيقة يتغير شيء مهم داخلنا نصبح أقل قسوة على أنفسنا وأكثر فهماً للآخرين ندرك أن ما نراه ليس إلا جزء من الصورة وأن كل إنجاز له ثمن غير ظاهر وكل ابتسامة قد تخفي خلفها تعباً طويلاً.
هذا الفهم لا يعني أن نكشف كل شيء أو نلغي خصوصيتنا، بل يعني أن نكون صادقين مع أنفسنا على الأقل.
أن نعترف بأننا نتعب ونتألم ونتعثر دون أن نرى في ذلك ضعفاً أو نقصاً لأن هذه الجوانب المخفية هي جزء حقيقي من إنسانيتنا وليست شيئاً يجب إنكاره.
ومع تطور الحياة خاصة مع انتشار منصات مثل فيسبوك وانستغرام وغيرهم لم تعد هذه الظاهرة مجرد سلوك فردي، بل أصبحت نمطاً عاماً.
لم يعد الإنسان يكتفي بإخفاء ألمه، بل صار يعرض نسخة محسنة من حياته فيختار فيها أجمل اللحظات وأفضل الزوايا وأكثر التفاصيل إشراقاً.
وهكذا تتشكل أمامنا صورة جماعية مضللة الجميع ناجحون، سعداء، متحققون بينما الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير.
والمشكلة أن هذا العرض المستمر للحظات المثالية لا يغير فقط ما نراه، بل يغير أيضاً ما نشعر به فكلما زاد تعرضنا لهذه الصور المنتقاة زاد إحساسنا بأننا أقل أو أننا متأخرون عن الآخرينرغم أننا في الحقيقة نقارن حياتنا الكاملة بلحظات مختارة من حياة غيرنا.
الانسان في النهاية ليس ما يظهره فقط، بل أيضاً ما يخفيه والحياة ليست صورة مكتملة تعرض للناس، بل قصة طويلة فيها فصول لا تحكى.
لذلك حين تسمع عن نجاح أحدهم لا تفترض أن الطريق كان سهلاً وحين تنظر إلى حياتك لا تقلل من قيمتها لأنك ترى جانبها الصعب.
الجميع يحمل شيئاً في الداخل لكن ليس الجميع يتحدث عنه.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القضية الفلسطينية من صلاح الدين الى السياسة المعاصرة
- الإلهاء الجماهيري وإعادة تشكيل الوعي
- الصراع الامريكي الصيني في ساحة إيران
- نظرية أوفرتون وتحولات القبول الاجتماعي
- فلسفة الحياة بين الجسد والقلب
- ديمونا وتحولات الصراع الإقليمي
- حروب الطاقة وإعادة تشكيل التحالفات الدولية
- اغتيال علي لاريجاني وإعادة تشكيل النظام الإيراني
- أزمة التربية بين البيت والمدرسة
- جزيرة خرج قلب الصراع النفطي الدولي
- وعي المجتمع وثمن العزلة السياسية
- وطنچي بين التشويه والانتماء
- مجتبى خامنئي بين التوريث الإيراني والصراع الإقليمي
- مستويات الوعي في إدراك القوة
- المسألة الكردية وتداعيات الصراع الإيراني إقليمياً
- إيران بين الملكية والتوافق الوطني
- تحولات الخليج بعد حرب إيران الكبرى
- بانادول وتسكين الوعي الإنساني
- مضيق هرمز وصراعات القوة والاقتصاد
- إيران والتحولات الكبرى بعد اغتيال خامنئي


المزيد.....




- العراق.. 5 قتلى من الشرطة والحشد واستهداف لمقرات نيجيرفان وم ...
- مقال بنيويورك تايمز: إيران تعتقد أنها قادرة على كسب حرب طويل ...
- الصحفي دومينيك واغورن: رصدت الأحداث من داخل إيران وأعرف لماذ ...
- كيم يشرف على اختبار محرك صواريخ -هدفها الوصول لأميركا-
- دفاعات الإمارات تتعامل مع اعتداءات صاروخية ومسيرات إيرانية
- نبض أوروبا: دول أوروبا لا تدعم حرب إيران لكنها تلعب دورا حاس ...
- هل باتت دفاعات أوكرانيا وخبراؤها أهدافا لإيران؟
- باريس تشتبه في علاقة بين الهجوم المحبط ضد بنك أمريكي والحرب ...
- استطلاع: فانس يتصدر ترشيحات المحافظين لرئاسة الولايات المتحد ...
- -كذب في كل شيء-.. حرب إيران تؤزم علاقة ترمب بشباب ماغا


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسين علي محمود - الإنسان بين الظهور وإخفاء المعاناة