أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - نظرية أوفرتون وتحولات القبول الاجتماعي














المزيد.....

نظرية أوفرتون وتحولات القبول الاجتماعي


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 07:44
المحور: المجتمع المدني
    


إن ما يعرف بنافذة أوفرتون هو مفهوم يفسر كيف تتحرك الأفكار داخل المجتمع من الهامش إلى المركز وكيف تتحول من كونها مرفوضة أو صادمة إلى أفكار مقبولة بل ومقننة. وقد طرح هذا المفهوم الباحث الامريكي "جوزيف بي. أوفرتون" في سياق تحليل السياسات العامة حيث بين أن المجال السياسي لا يتحرك بحرية مطلقة، بل ضمن حدود يحددها ما يعتبره المجتمع مقبولاً في لحظة زمنية معينة. هذه الحدود ليست ثابتة، بل تتغير باستمرار تحت تأثير عوامل متعددة مثل الإعلام والثقافة والاقتصاد بحيث يمكن لفكرة كانت تعد مستحيلة قبل سنوات أن تصبح اليوم أمراً عادياً أو حتى قانوناً نافذاً.
تبدأ العملية عادة بطرح الفكرة في صورتها الأكثر صدمة حيث تعرض عبر وسائل إعلامية أو أعمال فنية بشكل يثير الرفض والاستنكار لكن هذا الرفض لا يعني الفشل، بل هو في حد ذاته خطوة أولى لأن الفكرة تكون قد دخلت حيز التداول.
فمجرد الحديث عن فكرة ما حتى لو كان في سياق الرفض يعني أنها لم تعد خارج نطاق التفكير ومع مرور الوقت يبدأ بعض المحللين والخبراء في تناول هذه الفكرة باعتبارها مجرد وجهة نظر قابلة للنقاش وغالباً ما يتم ذلك تحت شعارات مثل حرية التعبير أو التعددية وهنا تنتقل الفكرة من كونها محرمة إلى كونها موضوعاً مطروحاً للنقاش وهو تحول بالغ الأهمية.
بعد ذلك يعاد تقديم الفكرة بصيغة أكثر عقلانية حيث يتم ربطها بقيم كبرى مثل حقوق الإنسان أو الضرورات الاقتصادية أو حتى باعتبارها حلاً واقعياً لمشكلة قائمة وفي هذه المرحلة يبدأ جزء من المجتمع في النظر إليها بشكل أقل رفضاً، بل وربما يتبناها بوصفها خياراً منطقياً.
ومع استمرار التكرار والترويج تدخل الفكرة في الثقافة الشعبية من خلال الأعمال الفنية والإعلامية وتصريحات الشخصيات المؤثرة فتتحول تدريجياً إلى أمر مألوف ويبدأ الضغط الاجتماعي بالظهور حيث يشعر الأفراد بأن رفض هذه الفكرة قد يجعلهم خارج السياق العام أو غير منسجمين مع روح العصر.
تتحول الفكرة في المرحلة النهائية إلى سياسة رسمية أو قانون وهنا يحدث انقلاب في الموقف الاجتماعي، إذ لا يعود النقاش حول شرعية الفكرة بقدر ما يصبح حول ضرورة الالتزام بها وقد ينظر إلى معارضيها على أنهم متخلفون أو غير مواكبين للتطور.
وبهذا تكون النافذة قد تحركت بالكامل دون أن يشعر كثير من الأفراد بحجم التغير الذي حدث.
إن تأثير هذه العملية على أفكار الأفراد عميق ومعقد لأن الإنسان لا يشكل قناعاته في فراغ، بل ضمن بيئة اجتماعية وثقافية تؤثر فيه باستمرار.
ومع تكرار عرض فكرة معينة يبدأ ما كان غريباً في الظهور بشكل مألوف ثم يتحول إلى جزء من الواقع المقبول.
ويعتمد هذا التحول على التدرج لأن العقل البشري يميل إلى رفض التغيرات المفاجئة لكنه يتكيف مع التغيرات البطيئة خصوصاً عندما تقدم في سياق يبدو منطقياً أو أخلاقياً.
كما يلعب ما يمكن تسميته بالإجماع الظاهري دوراً مهماً حيث يعتقد الفرد أن أغلبية المجتمع بدأت تتبنى فكرة معينة بسبب حضورها المكثف في الإعلام حتى لو لم يكن ذلك دقيقاً، فيميل إلى تعديل موقفه تجنباً للعزلة أو النقد.
ولا يتوقف الأمر عند حدود الأفكار، بل يمتد إلى السلوك الاجتماعي حيث تتحول القناعات الجديدة إلى ممارسات ثم إلى عادات مستقرة مما يؤدي إلى إعادة تشكيل منظومة القيم داخل المجتمع.
وما كان يعتبر سابقاً سلوكاً مرفوضاً قد يصبح لاحقاً أمراً عادياً، بل وربما مطلوباً وهو ما يخلق في كثير من الأحيان حالة من التوتر أو الصراع بين الأجيال أو بين التيارات الفكرية المختلفة.
فالتغير السريع في القيم قد يولد شعوراً لدى بعض الأفراد بأن هويتهم مهددة فيدفعهم ذلك إلى التشدد أو الرفض المطلق بينما يندفع آخرون نحو تبني كل جديد دون تمحيص.
وتلعب وسائل الإعلام دوراً محورياً في هذه العملية إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل الواقع، بل تسهم في تشكيله وإعادة تعريفه من خلال اختيار ما يتم عرضه وكيفية عرضه.
فالأعمال الدرامية والكوميدية والبرامج الحوارية وحتى المحتوى الرقمي على وسائل التواصل الاجتماعي كلها أدوات تساهم في إعادة رسم حدود المقبول والمرفوض.
وغالباً ما يكون هذا التأثير غير مباشر بحيث لا يشعر الفرد بأنه يتعرض لعملية تغيير ممنهجة، بل يظن أنه يتبنى مواقفه بحرية كاملة.
ومع ذلك يبقى الجدل قائماً حول طبيعة نافذة أوفرتون فهناك من يراها مجرد أداة تحليلية لفهم كيف تتغير الأفكار داخل المجتمع بينما يعتقد آخرون أنها تستخدم بشكل واعٍ لتوجيه الرأي العام وصناعة القبول التدريجي لأفكار معينة. وربما تكمن الحقيقة في منطقة وسطى حيث لا تكون كل التحولات مخططة بالضرورة لكن كثيراً منها يتم استثماره وتوجيهه بما يخدم مصالح معينة.
وعند ذاك يصبح الوعي النقدي ضرورة أساسية بحيث لا ينجرف الفرد وراء كل ما هو شائع ولا يرفض كل ما هو جديد، بل يحاول فهم السياق الذي تظهر فيه الأفكار والجهات التي تروج لها والدوافع الكامنة وراءها.
فالمشكلة لا تكمن في التغير بحد ذاته لأن التغير جزء طبيعي من حياة المجتمعات، بل في غياب الوعي بآلياته مما يجعل الأفراد عرضة للتأثر دون إدراك.
تكشف نافذة أوفرتون في النهاية أن التحولات الكبرى لا تحدث فجأة، بل تتسلل تدريجياً إلى العقول حتى تصبح جزء من الواقع الذي يبدو بديهياً رغم أنه كان في وقت قريب موضع رفض قاطع.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسفة الحياة بين الجسد والقلب
- ديمونا وتحولات الصراع الإقليمي
- حروب الطاقة وإعادة تشكيل التحالفات الدولية
- اغتيال علي لاريجاني وإعادة تشكيل النظام الإيراني
- أزمة التربية بين البيت والمدرسة
- جزيرة خرج قلب الصراع النفطي الدولي
- وعي المجتمع وثمن العزلة السياسية
- وطنچي بين التشويه والانتماء
- مجتبى خامنئي بين التوريث الإيراني والصراع الإقليمي
- مستويات الوعي في إدراك القوة
- المسألة الكردية وتداعيات الصراع الإيراني إقليمياً
- إيران بين الملكية والتوافق الوطني
- تحولات الخليج بعد حرب إيران الكبرى
- بانادول وتسكين الوعي الإنساني
- مضيق هرمز وصراعات القوة والاقتصاد
- إيران والتحولات الكبرى بعد اغتيال خامنئي
- الاستخبارات المفتوحة ومؤشر البيتزا
- اقتصاد الحرب وإدامة الصراع
- من أفغانستان وباكستان إلى خرائط التفكيك
- هندسة الصمود الإيراني في الحروب المعاصرة


المزيد.....




- سجون إيران تحت القصف.. آلاف المعتقلين في دائرة الخطر
- منظمة -هيومن را?تس ووتش-: جرائم حرب ترتكبها -إسرائيل- في لبن ...
- بين الإغاثة والتمكين: وكالة بيت مال القدس تختتم حملتها الرمض ...
- شيعة نيجيريا يتظاهرون تضامنا مع إيران
- إسرائيل تفرج عن الأسير إبراهيم أبو مخ بعد اعتقال دام 40 سنة ...
- هيئة إغاثة سودانية: مصرع طفل وتضرر 900 أسرة جراء حريق بمخيم ...
- دمار غير مسبوق في عراد: صواريخ إيران تخترق الدفاعات الإسرائي ...
- تصعيد في الضفة: هجمات واسعة للمستوطنين واعتقالات في أم الفحم ...
- إصابات واعتقالات واسعة في الضفة إثر هجمات للمستوطنين واقتحام ...
- كيف حوّلت أسماء الأسد الإغاثة إلى سلطة موازية؟


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - نظرية أوفرتون وتحولات القبول الاجتماعي