حسين علي محمود
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 04:48
المحور:
المجتمع المدني
تعد ظاهرة الشقاوات من الظواهر الاجتماعية التي تظهر في المجتمعات التي تمر باضطرابات طويلة أو تعاني من ضعف البنية المؤسسية و التربوية و الاقتصادية.
و في بعض مناطق محافظة نينوى برزت هذه الظاهرة بأشكال متفاوتة حتى أصبحت جزء من الحديث اليومي للناس و أحياناً عنصراً مؤثراً في العلاقات الاجتماعية والأمن المحلي والحياة العامة.
كما أن المقصود بالشقاوات هنا ليس مجرد الشباب المشاغبين أو أصحاب السلوك العنيف الفردي، بل نمط اجتماعي يقوم على فرض الهيبة بالقوة و استعراض النفوذ و استخدام الخوف كوسيلة لاكتساب المكانة أو الحضور الاجتماعي.
و قد تتداخل هذه الظاهرة مع مفاهيم أخرى مثل الفتوة و العنف المجتمعي و البلطجة و العصبية المناطقية و أحياناً مع شبكات المصالح السياسية أو الاقتصادية غير الرسمية.
لكن السؤال الأهم هو لماذا تنتشر هذه الظاهرة في بعض المناطق دون غيرها؟! و لماذا تتحول أحياناً من سلوك فردي إلى ثقافة شبه مقبولة اجتماعياً؟!
لا يمكن فهم الشقاوة بمعزل عن البيئة الاجتماعية التي تنتجها (بالمفهوم العام)، فالمجتمع الذي يعاني من التفكك أو الاضطراب غالباً ما يخلق أنماطاً بديلة للسلطة والحماية والاعتبار الاجتماعي. ففي بعض المناطق التي شهدت حروباً أو نزاعات أو انهياراً أمنياً يصبح القوي هو المرجع الحقيقي و ليس القانون و عندما يشعر الناس أن المؤسسات الرسمية ضعيفة أو بطيئة أو غير قادرة على حمايتهم تظهر شخصيات تملأ هذا الفراغ عبر القوة و الخوف و العلاقات الخاصة.
و من هنا تتحول الشقاوة من انحراف فردي إلى وظيفة اجتماعية غير معلنة، فبعض الناس قد يلجؤون إلى الشقي لحل نزاع أو لاسترجاع حق أو لفرض نفوذ لأنهم فقدوا الثقة بالقنوات الرسمية.
و هذه النقطة خطيرة جداً لأنها تجعل المجتمع يشارك و لو بصورة غير مباشرة في إعادة إنتاج الظاهرة.
كما أن بعض البيئات الفقيرة أو المهمشة اجتماعياً قد تدفع الشباب إلى البحث عن مكانة بديلة، فالشاب الذي لا يملك فرصة تعليم أو عمل أو مستقبل واضح قد يجد في الهيبة البديلة وسيلة لإثبات الذات.
وهنا تصبح القوة الجسدية و العلاقات العنيفة بديلاً عن النجاح العلمي أو المهني.
و لا يمكن الحديث عن محافظة نينوى دون استحضار ما مرت به من أحداث قاسية خلال العقود الأخيرة و خاصة بعد عام 2003 ثم فترة سيطرة تنظيم داعش و ما تبعها من حرب، تدمير و نزوح، انهيار نفسي و اجتماعي.
لقد خلفت هذه الأحداث آثاراً عميقة في البنية النفسية و الاجتماعية للأجيال، من أبرزها تطبيع مشاهد العنف في الوعي اليومي، انتشار ثقافة القوة و السلاح، ضعف الإحساس بالأمان، تراجع دور المدرسة و الأسرة، و اضطراب القيم الاجتماعية التقليدية.
فالطفل أو المراهق الذي ينشأ وسط أصوات الرصاص و الاقتتال و السلطات المسلحة المتعددة قد يعتاد على فكرة أن القوة هي الطريق الوحيد للنجاة.
و مع مرور الوقت تتحول هذه القناعة إلى جزء من شخصيته و سلوكه الاجتماعي كما أن الحروب تنتج أحياناً فراغاً أخلاقياً، إذ تنهار المعايير القديمة دون أن تبنى معايير جديدة مستقرة، فتظهر نماذج مثل الأقوى يفرض نفسه و زعيم الجماعة ينتصر و الجرأة أهم من القانون.
و من الملاحظات المهمة في هذه الظاهرة أن أغلب المنخرطين فيها هم من فئة المراهقين أو الشباب في بدايات العمر و هي مسألة تكشف عن أزمة تربوية وثقافية عميقة. فمرحلة المراهقة بطبيعتها مرحلة حساسة يبحث فيها الإنسان عن الهوية و الاعتراف الاجتماعي و إثبات الذات و عندما يغيب الاحتواء الأسري و التوجيه التربوي و فرص النجاح الحقيقية يصبح بعض المراهقين أكثر قابلية للانجذاب نحو صورة الشخص القوي أو المخيف بوصفها طريقاً سريعاً للهيبة و الشهرة.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة دوراً كبيراً في تضخيم هذه الظاهرة و تحويلها من سلوك محلي محدود إلى استعراض علني واسع.
إذ يقوم بعض المراهقين بنشر مقاطع فيديو يظهرون فيها بأساليب استعراضية تتضمن التهديد أو العنف أو استخدام الألفاظ العدوانية أو حمل السلاح أو التفاخر بالمشاجرات(النزالات) و النفوذ و غالباً ما تصور هذه المقاطع بطريقة تحاول صناعة صورة الهيبة و الرجولة أمام الآخرين.
و مع كثرة المشاهدات و التفاعلات تتحول هذه السلوكيات إلى مصدر شهرة داخل بعض الأحياء أو البيئات الاجتماعية حتى أصبح بعض الشباب يقيس قيمته بعدد المتابعين و الخوف الذي يثيره في الآخرين لا بما يقدمه من علم أو أخلاق أو إنجاز.
و هنا تظهر مشكلة ثقافية خطيرة و هي انتقال مفهوم القيمة الاجتماعية من الإنجاز الحقيقي إلى الشهرة القائمة على التخويف و الاستعراض.
فبدل أن يصبح الطالب المتفوق أو الموهوب أو المثقف نموذجاً يحتذى به، يتحول أحياناً الشقي إلى شخصية مثيرة للإعجاب لدى بعض المراهقين.
كما أن هذه الفيديوهات تؤدي إلى ما يشبه عدوى السلوك النفسي، إذ يقلد المراهقون بعضهم بعضا و يتحول العنف إلى موضة اجتماعية داخل بعض الأحياء أو المجموعات العمرية.
و كلما شعر المراهق أن هذا السلوك يمنحه حضوراً و احتراماً أو خوفاً من الآخرين، ازداد تعلقه به.
و تبقى الأسرة المؤسسة الأولى التي تشكل شخصية الإنسان و عندما تتعرض الأسرة نفسها للضغط الاقتصادي و النفسي و الاجتماعي، فإن قدرتها على التربية تتراجع.
ففي بعض الحالات ينشأ الطفل في بيئة يغيب فيها الحوار و يحل محله العنف اللفظي أو الجسدي و قد يتعلم منذ الصغر أن الاحترام ينتزع بالقوة لا بالأخلاق أو العلم.
كما أن بعض الآباء بقصد أو دون قصد يربون أبناءهم على مفاهيم مثل "لا تسمح لأحد أن يهينك مهما كان الثمن" و "خذ حقك بيدك" و "الخوف عيب" و "الرجال ما يخاف" و "القوة تصنع الرجال".
و هذه العبارات تبدو في ظاهرها دفاعاً عن الكرامة لكنها قد تتحول إلى أرضية نفسية للعنف إذا لم تضبط بالقيم القانونية و الأخلاقية.
و من جهة أخرى فإن غياب الأب بسبب الحرب أو العمل أو التفكك الأسري مع وجود فراغ عاطفي أو رقابي يجعل بعض المراهقين يبحثون عن الانتماء خارج الأسرة وغالباً ما يجدونه في جماعات الشارع أو الشلة التي تمنحهم شعوراً بالقوة والانتماء.
أما المدرسة فهي ليست مكانًا للتعليم فقط، بل مؤسسة لصناعة المواطن لكن حين تتحول المدرسة إلى فضاء منهك يعاني من اكتظاظ اعداد الطلبة و ضعف الإمكانيات و تراجع الهيبة التربوية، فإنها تفقد قدرتها على بناء الشخصية.
ففي بعض البيئات لم تعد المدرسة قادرة على منافسة تأثير الشارع أو وسائل التواصل أو الجماعات المحلية و أصبح الطالب يرى أن الشخص القوي يحظى بالاحترام أكثر من الطالب المتفوق.
كما أن بعض المدارس تعاني من ضعف الإرشاد النفسي و غياب الأنشطة الثقافية و الرياضية و قلة البرامج التي تنمي الحوار و التسامح إضافة الى انتشار التنمر و العنف الطلابي، و كل ذلك يساهم في إنتاج جيل يرى العنف أمراً طبيعياً أو وسيلة فعالة لفرض الذات.
و من أخطر أسباب استمرار الظاهرة هو تحول الشقي أحياناً إلى شخصية شعبية جذابة، ففي بعض البيئات تُقدَّم صورة الشقي بوصفه شجاعاً و كريماً ولا يخاف و يحمي جماعته و يأخذ حقه بيده.
و تنتشر هذه الصورة عبر الحكايات الشعبية، بعض الأغاني، مقاطع التواصل الاجتماعي، و حتى في بعض الأعمال الدرامية التي تضفي على العنف هالة من البطولة.
و هنا يحدث خلط خطير بين الرجولة و العنف، و بين الهيبة و الخوف، فالرجولة الحقيقية لا تقوم على إذلال الآخرين، بل على ضبط النفس و تحمل المسؤولية و احترام القانون لكن حين يغيب هذا الوعي يتحول الشاب إلى أسير لصورة نمطية تعتبر العدوان دليل قوة.
و لا يمكن تجاهل أثر البطالة و الفقر و ضعف الفرص الاقتصادية، فالشباب الذين يشعرون بانسداد الأفق غالباً ما يكونون أكثر عرضة للانجذاب نحو السلوك العنيف أو الجماعات غير الرسمية التي تمنحهم المال السريع و الشعور بالقيمة و النفوذ المحلي و الحماية الاجتماعية.
و في بعض الحالات تتحول الشقاوة إلى اقتصاد مصغر قائم على الابتزاز أو فرض النفوذ أو الوساطة أو السيطرة على مناطق معينة.
و عندما يشعر الشاب أن المجتمع لا يكافئ الاجتهاد بقدر ما يكافئ العلاقات و القوة، فإنه يفقد الثقة بالمسار الطبيعي للحياة.
و في بعض الأحيان تتداخل ظاهرة الشقاوات مع المشهد الاجتماعي و السياسي المحلي بصورة مباشرة أو غير مباشرة خاصة في البيئات التي تشهد تحولات اجتماعية سريعة أو اضطرابات ممتدة.
فقد تحاول بعض الشخصيات استغلال النفوذ الاجتماعي أو العلاقات المحلية لتحقيق حضور أو تأثير داخل المجتمع سواء على المستوى الاجتماعي أو في بعض المصالح الضيقة.
و مع ذلك فإن الجانب الأمني في محافظة نينوى يشهد جهوداً واضحة وفاعلة من قبل المؤسسات الأمنية والقانونية في مواجهة هذه الظاهرة و الحد من انتشارها.
إذ تعمل الجهات المختصة بصورة مهنية على متابعة السلوكيات الخارجة عن القانون و ملاحقة مظاهر العنف و الاستعراض التي تهدد الاستقرار المجتمعي خاصة تلك التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو داخل بعض الأحياء السكنية.
كما أن تطبيق القانون و تعزيز الاستقرار الأمني يلعبان دوراً مهماً في تقليل نفوذ هذه الظواهر ومنع تحولها إلى سلوك مقبول اجتماعياً.
فكلما شعر المواطن بوجود دولة حاضرة و مؤسسات فاعلة تراجعت الحاجة إلى الشخصيات التي تحاول فرض حضورها عبر القوة أو التخويف.
و لهذا فإن معالجة الظاهرة تحتاج إلى تكامل بين الجانب الأمني الذي يفرض القانون و يحافظ على الاستقرار و بين الجوانب التربوية و الثقافية و الاجتماعية التي تعالج الأسباب العميقة التي تدفع بعض الشباب إلى هذا المسار.
إن معالجة الشقاوات لا تتم فقط عبر الاعتقالات أو العقوبات رغم أهمية القانون، بل تحتاج إلى مشروع اجتماعي و ثقافي و تربوي طويل الأمد.
فحين يشعر المواطن أن القانون يحميه بعدالة، تقل الحاجة إلى الرجال الأقوياء خارج إطار الدولة كما أن دعم الأسرة عبر برامج التوعية و التأهيل النفسي و التربوي خاصة في المناطق المتضررة من الحروب يعد خطوة أساسية في الوقاية من هذه الظاهرة.
و يأتي إصلاح المدرسة بوصفه عنصراً محورياً من خلال تعزيز الإرشاد النفسي، دعم الأنشطة الثقافية و الرياضية، تعليم مهارات الحوار و حل النزاعات، و إعادة الاعتبار للمعلم. كما أن توعية المراهقين رقمياً باتت ضرورة عبر بناء وعي نقدي تجاه المحتوى العنيف و الاستعراضي على وسائل التواصل الاجتماعي و تعليم الشباب أن الشهرة الحقيقية لا تقوم على التخويف أو إثارة الرعب، بل على الإنجاز و الموهبة و المعرفة.
كذلك فإن توفير فرص العمل، الرياضة، الفنون، و المشاريع الصغيرة يخلق بدائل صحية عن العنف و يساعد الشباب على بناء شعور حقيقي بالقيمة و الانتماء.
و في الوقت نفسه يحتاج المجتمع إلى إنتاج خطاب ثقافي جديد يعيد تعريف الرجولة و الهيبة بوصفهما قيماً أخلاقية و إنسانية، لا قدرة على التخويف و فرض السيطرة.
كما أن للإعلام دوراً مهماً في الحد من الظاهرة عبر تجنب تمجيد العنف أو تحويل الشقي إلى بطل شعبي و العمل بدلاً من ذلك على إبراز النماذج الإيجابية التي تمثل العلم و العمل و المسؤولية.
إن ظاهرة الشقاوات في بعض مناطق نينوى ليست مجرد مشكلة أخلاقية أو انحراف فردي، بل نتيجة تراكمات اجتماعية، نفسية، اقتصادية، و سياسية معقدة و هي تكشف حجم التحولات التي أصابت المجتمع خلال سنوات الحروب و الاضطراب.
كما أن انتشار هذه الظاهرة بين المراهقين وتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات لاستعراض العنف و صناعة الهيبة الوهمية يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بمفهوم النجاح و القيمة و الرجولة داخل بعض البيئات الاجتماعية.
لكن المجتمعات لا تختزل بظواهرها السلبية، فنينوى (الموصل) بتاريخها و ثقافتها و تنوعها الإنسان تمتلك أيضاً طاقات هائلة من الوعي و العلم و التماسك الاجتماعي.
و لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة ممكنة إذا توفرت إرادة مجتمعية حقيقية تعيد الاعتبار للتربية و القانون و الثقافة و العدالة.
فالمجتمع الذي يصنع المهندس، المعلم، الطبيب، و المثقفين، لا ينبغي أن يسمح للخوف و العنف بأن يصبحا معياراً للهيبة أو الرجولة.
#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟