أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين علي محمود - الإنسان في عصر الخوارزميات














المزيد.....

الإنسان في عصر الخوارزميات


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 07:20
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


يقول الكاتب و المؤرخ اليهودي يوفال نوح هراري "ان الحيوانات قبل الثورة الصناعية كانت يستخدمها الإنسان في المواصلات والنقل والزراعة والحروب ..الخ لكن بعد الثورة الصناعية احالها الى التقاعد بدل من ايجاد وظائف جديدة لها.
وكذلك الانسان سيحال الى التقاعد بدل من إيجاد وظائف جديده له بسبب صعود الذكاء الاصطناعي و التكنولوجيا المتقدمة."

و ربما هذا يأخذنا الى استنتاج ان البشرية مستقبلاً آيلة الى بطالة عالمية ونظام طبقي كارثي تتحكم به الشركات العملاقة ورؤوس الأموال حيث تخدمهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بينما يترأسوها بنفسهم.
هذه الفكرة تبدو لأول وهلة مبالغاً فيها أو أقرب إلى الخيال التشاؤمي لكن التمعن في التحولات الجارية يكشف أنها ليست مجرد نبوءة أدبية، بل احتمال تاريخي قابل للنقاش. فالذكاء الاصطناعي لا يحل محل الجهد العضلي فقط كما فعلت الآلات الصناعية، بل بدأ ينافس الإنسان في مجالات كانت تعد حكراً على العقل البشري مثل الكتابة، التحليل، الترجمة، التصميم، البرمجة، التعليم، التشخيص الطبي، و حتى اتخاذ القرارات الإدارية و القانونية.
و في كل ثورة تقنية سابقة كان يظهر من يطمئن الناس بأن الوظائف القديمة ستختفي لكن وظائف جديدة ستولد.
و هذا صحيح جزئياً فالثورة الصناعية ألغت أعمالاً كثيرة لكنها خلقت مصانع و مهناً و أسواقاً جديدة.
غير أن الفرق الجوهري اليوم هو أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد مهنة بعينها، بل يهدد فكرة العمل البشري نفسها بوصفها مركز الاقتصاد.
فحين تصبح الآلة قادرة على التعلم و التكيف و العمل ليلاً و نهاراً بكلفة أقل و دقة أعلى، فإن الشركات الكبرى ستفضلها اقتصادياً على الإنسان الذي يحتاج إلى راتب وتأمين و إجازات و حقوق.
و هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، إذا فقد ملايين البشر وظائفهم، فمن سيملك الثروة؟! و من سيملك و سائل الإنتاج الجديدة؟! الأغلب أن الثروة ستتركز أكثر فأكثر بيد الشركات العملاقة التي تملك البيانات و الخوارزميات و البنية التحتية الرقمية. أي أننا قد ننتقل من رأسمالية المصانع إلى رأسمالية الخوارزميات حيث تصبح السيطرة ليست على النفط أو الحديد، بل على المعلومات و الذكاء الاصطناعي و السحابات الرقمية.
في هذا العالم الجديد قد يظهر نظام طبقي أكثر قسوة من الأنظمة القديمة، فبدل الطبقات التقليدية القائمة على الملكية أو النسب قد تنشأ طبقتان أساسيتان :
طبقة صغيرة تمتلك التكنولوجيا و تتحكم بالمعرفة و البيانات و رؤوس الأموال، و طبقة واسعة من البشر لا تملك سوى الاستهلاك أو الاعتماد على الإعانات، أي أن الإنسان قد يتحول من عامل منتج إلى مستهلك فائض عن الحاجة.
و هنا يبرز سؤال فلسفي و أخلاقي خطير، إذا لم يعد الإنسان ضرورياً اقتصادياً فهل سيظل ضرورياً سياسياً و أخلاقياً؟!
يخبرنا التاريخ أن قيمة الإنسان في الأنظمة الحديثة ارتبطت كثيراً بدوره الإنتاجي حيث العامل كان مهماً لأنه ينتج و الفلاح لأنه يزرع و الجندي لأنه يقاتل لكن ماذا يحدث عندما تصبح الآلة أكثر كفاءة في الإنتاج و الطائرات المسيرة أكثر فاعلية في الحرب و الخوارزميات أقدر على الإدارة و التحليل؟! هل ستظل الأنظمة السياسية تنظر إلى الإنسان باعتباره مركز العالم أم باعتباره عبئًا اقتصادياً ينبغي إدارته فقط؟!
هذه المخاوف تتعاظم خصوصاً مع الصعود الهائل للشركات التكنولوجية العملاقة مثل OpenAI و Google و Meta و Microsoft التي تمتلك من البيانات و القدرات التقنية ما يفوق أحياناً قدرات دول كاملة.
فالدولة التقليدية كانت تحتكر القوة العسكرية و القانونية أما اليوم فإن جزء من القوة انتقل إلى شركات تتحكم بالتواصل و المعلومات و السلوك الرقمي و حتى الرأي العام.
و هذا يفتح الباب أمام شكل جديد من الهيمنة لا يعتمد على الاحتلال العسكري المباشر، بل على السيطرة الناعمة عبر التكنولوجيا و الخوارزميات.
و مع ذلك فإن الصورة ليست سوداء بالكامل، فالتاريخ أيضاً يعلمنا أن التكنولوجيا ليست قدراً مستقلاً عن الإنسان، بل أداة تتحدد نتائجها بحسب النظام السياسي و الاقتصادي و الأخلاقي الذي يديرها.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول إلى وسيلة لتحرير الإنسان من الأعمال الشاقة و الرتيبة و تقصير ساعات العمل و تحسين التعليم و الرعاية الصحية إذا جرى توزيع فوائده بشكل عادل كذلك المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، بل في السؤال من يملكها؟! و لصالح من تعمل؟!
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن الآلة أصبحت ذكية، بل في أن النظام الاقتصادي قد يصبح أكثر جشعاً و أقل إنسانية.
فحين تقاس قيمة البشر بقدرتهم على تحقيق الربح فقط، فإن ملايين الناس قد يتحولون إلى أرقام زائدة في معادلة السوق أما إذا أعيد تعريف التقدم بوصفه خدمة للإنسان لا استبدالاً له، فقد تتحول التكنولوجيا إلى فرصة تاريخية لتخفيف الفقر و التعب و اللامساواة.
و لهذا فإن معركة المستقبل لن تكون فقط معركة تقنية، بل معركة فلسفية و سياسية أيضاً تثار منها العديد من التساؤلات.
هل سيكون الذكاء الاصطناعي أداة لتحرير الإنسان أم لتهميشه؟؟
هل ستقود التكنولوجيا إلى مجتمع أكثر عدالة أم إلى إقطاع رقمي جديد؟!
و هل تستطيع البشرية أن تبني نظاماً اقتصادياً يضمن الكرامة و المعنى للإنسان حتى في عالم لم يعد العمل فيه ضرورة كما كان عبر آلاف السنين؟؟
هذه الأسئلة لم تعد خيالاً علمياً، بل أصبحت جزء من النقاش العالمي حول مستقبل الحضارة نفسها.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب على إيران وصراع النفوذ الدولي
- انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم
- النظام التعليمي العربي وصناعة المعرفة
- ضغوط الامتحانات والانفجار السلوكي
- الجدل الأمريكي الإيراني بين القوة والدبلوماسية
- المنطقة العربية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية
- التجنيد الإلزامي بين الأمن والتنمية بالعراق
- إيران بين الدولة والثورة وصراع النفوذ
- استقالة قاليباف في ظل هيمنة الحرس الثوري
- المفاوضات الأميركية الإيرانية بين الانقسام الداخلي والضغط ال ...
- ما بعد الهدنة وخيارات حاسمة في العلاقات الأمريكية الإيرانية
- أزمة اختيار رئيس وزراء العراق بين العزلة الإقليمية والضغوط ا ...
- هندسة الوعي في زمن الضجيج
- الفساد وإعادة إنتاج السلطة
- رهانات الحصار وصمود إيران
- جدلية التجميد والردع النووي
- من إسلام آباد إلى هرمز وانهيار هندسة التفاوض الأمريكي–الإيرا ...
- إيران بين توازنات القوى الدولية
- إيران وأمريكا بين التصعيد والتسوية الاستراتيجية
- الثقافة السليكونية ووهم المعرفة


المزيد.....




- جولة واشنطن الثالثة.. ماذا يريد لبنان وإسرائيل وحزب الله؟
- العثور على جثة جندية أمريكية مفقودة في المغرب
- قاضٍ أمريكي يعلق العقوبات المفروضة على ألبانيزي
- على السجادة الحمراء.. رئيس الصين يستقبل ترامب في قاعة الشعب ...
- إلغاء بناء أول -برج لترامب- في أستراليا.. ومطور المشروع لـCN ...
- -رُبَّ ضارةٍ نافعة-.. كيف يمكن لحرب إيران منح دول العالم -فا ...
- -لم نضطر لقتل الناس أو إغلاق هرمز-.. أوباما يرد على انتقادات ...
- العثور على جثة جندية أمريكية مفقودة خلال مناورات -الأسد الأف ...
- حرب إيران تهيمن على قمة ترامب وشي وتعيد رسم التحالفات في الش ...
- عاجل | الرئيس الأمريكي يصل إلى قاعة الشعب الكبرى في بكين لعق ...


المزيد.....

- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب
- الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر ) / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين علي محمود - الإنسان في عصر الخوارزميات