حسين علي محمود
الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 04:50
المحور:
المجتمع المدني
في السنوات الأخيرة لم تعد الشهرة مرتبطة بالموهبة أو العلم أو الإنجاز أو حتى التاريخ الشخصي المعروف، بل ظهرت فئة جديدة من الشخصيات التي دخلت إلى الفضاء الرقمي بصورة مفاجئة و بقدرات مالية ضخمة و استطاعت خلال فترة قصيرة أن تتحول إلى ظاهرة جماهيرية واسعة التأثير. هذه الشخصيات تعتمد غالباً على صناعة محتوى قائم على الإبهار المالي مثل توزيع الأموال، شراء السيارات للغرباء، منح الهواتف، بناء المنازل، إقامة المسابقات، دفع تكاليف العلاج، أو تقديم هدايا ضخمة أمام الكاميرا.
عندها يتحول الشخص مع التكرار إلى نجم هوليودي تتبعه الحشود و يصبح حضوره في الشارع حدثاً استثنائياً خصوصاً لدى الأطفال و المراهقين الذين ينظرون إليه بوصفه نموذجاً للنجاح و القوة و القدرة.
لكن خلف هذه المشاهد التي تبدو إنسانية أو ترفيهية توجد أسئلة أعمق بكثير تتعلق بطبيعة المجتمع المعاصر و تحولات القيم و أشكال النفوذ الجديدة و علاقة المال بالإعلام و الجمهور و السياسة.
فالمجتمع بطبيعته يميل إلى الشخصيات التي تمنحه الأمل أو تثير دهشته، و في البيئات التي تعاني من الفقر أو البطالة أو التفاوت الطبقي أو ضعف الخدمات يصبح ظهور شخص يوزع المال علناً حدثاً استثنائياً له تأثير عاطفي هائل.
الناس لا ترى فقط شخصاً غنياً، بل ترى شخصاً قادراً على تغيير حياة الآخرين بسرعة و شخصاً يتجاوز روتين المؤسسات الرسمية و يبدو قريباً من الناس العاديين.
و من هنا يبدأ بناء صورة البطل الشعبي الرقمي ان صح التعبير.
غير أن المشكلة الاجتماعية تبدأ عندما يتحول هذا النموذج إلى مركز للانبهار الجماعي، فتبدأ معايير المجتمع بالتغير تدريجياً.
ففي السابق كان المجتمع يمنح مكانة عالية للطبيب أو المعلم أو الكاتب أو صاحب الخبرة أما اليوم فإن عدداً كبيراً من الأطفال و المراهقين قد يمنحون هذه المكانة لمن يملك القدرة على الظهور المستمر و الإنفاق العلني.
و هذا التحول ليس بسيطاً لأنه يعيد تشكيل مفهوم القيمة الاجتماعية نفسها.
فبدل أن يصبح السؤال ماذا قدم هذا الشخص للمجتمع فكرياً أو علمياً؟! يصبح السؤال كم سيارة وزع؟! و كم شخصاً صوره و هو يبكي بعد استلام المال؟؟
و هنا تنتقل المجتمعات تدريجياً من ثقافة الإنجاز إلى ثقافة الاستعراض.
لا تصنع وسائل التواصل الاجتماعي مجرد مشاهير، بل تصنع حشوداً رقمية تتحرك بالعاطفة أكثر من التفكير النقدي، لذلك نرى أطفالاً يركضون خلف المشهور و مراهقين يعتبرون مقابلته حلماً و جماهير تدافع عنه بشكل أعمى.
و في هذه اللحظة لا يعود الشخص مجرد صانع محتوى، بل يتحول إلى رمز نفسي و اجتماعي، و هنا تكمن الخطورة لأن الجمهور خاصة الصغير عمراً قد يربط بين المال و القوة، و بين الشهرة و الحقيقة، و بين عدد المتابعين و المشاهدات و القيمة الإنسانية و هي معادلات خطيرة على المدى البعيد.
لم تعد الثقافة المعاصرة تقوم فقط على المعرفة أو المعنى، بل على جذب الانتباه، ففي العقود السابقة كانت القدوة غالباً عالماً أو أديباً أو فناناً حقيقياً أو شخصية ذات تاريخ نضالي أو معرفي أما اليوم فقد أصبح المؤثر الثري ينافس كل هذه النماذج، بل يتفوق عليها أحياناً في التأثير الجماهيري.
و هذا يكشف عن تحول ثقافي عميق حيث انتقلت المجتمعات من ثقافة المعنى إلى ثقافة الانتباه، أي أن القيمة لم تعد فيما تقوله، بل في قدرتك على جذب الأنظار.
كما أن الثقافة الرقمية الحديثة قائمة على فكرة أن اللحظة التي لا تصور كأنها لم تحدث أصلاً، لذلك يتحول العمل الخيري نفسه إلى عرض بصري مليء بالكاميرات و الموسيقى المؤثرة واللقطات الدرامية و ردود الفعل العاطفية.
و في هذه اللحظة يصبح الفقير جزء من المشهد الإعلامي لا مجرد إنسان يحتاج المساعدة، و هنا يبرز سؤال أخلاقي مهم هل ما يحدث فعل إنساني خالص، أم صناعة محتوى تستخدم العاطفة البشرية لتحقيق الانتشار؟!
فحين يتم تصوير المحتاج لحظة ضعفه أو بكائه أو انهياره العاطفي تتحول المساعدة أحياناً من فعل يحفظ الكرامة إلى لحظة استهلاك جماهيري للعاطفة و كأن الإنسان الفقير أصبح مادة بصرية لجذب المشاهدات.
و من أخطر نتائج هذه الظاهرة أنها تبني وعياً جديداً قائماً على السرعة و الاختصار و النتائج الفورية، فالطفل الذي يشاهد شخصاً يظهر فجأة بسيارات فارهة و أموال هائلة لن يقتنع بسهولة بقيمة المسار الطويل القائم على الدراسة و التعب و الخبرة و سنوات العمل، بل قد يرى أن النجاح الحقيقي هو أن تصبح مشهوراً بسرعة و أن تجذب الانتباه و أن تمتلك جمهوراً ضخماً.
و هكذا ينشأ صدام فكري بين منطق البناء البطيء ومنطق الشهرة الفورية.
الغموض أيضاً يلعب دوراً أساسياً في تضخيم هذه الشخصيات، فكلما كان مصدر المال غير واضح ازداد تأثير الشخصية و تحولت إلى لغز جماهيري.
تبدأ الناس بتخيل علاقات خفية أو دعم سياسي أو تجارة مجهولة أو قوى نافذة تعمل خلف الكواليس، و في المجتمعات التي تعاني أصلاً من ضعف الثقة بالمؤسسات ينتشر هذا النوع من الشك بسرعة كبيرة.
و الأخطر من ذلك أن النجاح يختزل تدريجياً في المال فتصبح القيمة الأخلاقية أو المعرفية أو الإنسانية أقل أهمية من السيارة الفارهة أو الساعة الثمينة أو عدد الحراس أو حجم الهدايا ما يؤدي مع الوقت إلى تآكل فكرة القيمة الداخلية للإنسان.
نحن أمام ما يمكن تسميته باقتصاد المشاهدات حيث أصبح الانتباه نفسه سلعة، فكل مشاهدة تعني إعلانات و رعايات وعقوداً و شهرة أكبر وأرباحاً أعلى.
لذلك فإن توزيع المال قد يكون في بعض الأحيان استثماراً مربحاً لا خسارة، إذ قد ينفق المشهور عشرات الآلاف في فيديو واحد لكنه يربح أضعافها من الإعلانات و المنصات و الشركات الراعية و التفاعل الجماهيري، و هنا يتحول العمل الإنساني إلى جزء من اقتصاد المحتوى.
لكن المشكلة الكبرى تظهر عندما تكون الثروة ضخمة و سريعة و غير مفهومة المصدر فيبدأ الناس بطرح الأسئلة حول قانونية هذه الأموال أو وجود شبكات تمويل و مصالح سياسية أو اقتصادية، أو احتمال استخدام الشهرة لتبييض الصورة أو النفوذ.
وهذه الأسئلة ليست دائماً اتهامات مباشرة لكنها نتيجة طبيعية لغياب الشفافية خاصة في المجتمعات التي تعاني من الفساد وضعف الرقابة.
لقد ظهرت أيضاً طبقة جديدة من النخب ليست طبقة رجال الأعمال التقليديين ولا المثقفين ولا السياسيين، بل نجوم المنصات الرقمية الذين يملكون المال و النفوذ و الجمهور و القدرة على توجيه الرأي العام.
و هذا يمنحهم سلطة اجتماعية قد تتجاوز أحياناً سلطة المؤسسات التقليدية نفسها، فالشخص الذي يتابعه ملايين الشباب يمتلك قوة هائلة يستطيع من خلالها التأثير على المزاج الشعبي و تحسين صورة جهات معينة، أو حتى إخفاء قضايا حقيقية خلف محتوى ترفيهي ضخم.
و هنا يظهر مفهوم النفوذ الناعم، أي التأثير غير المباشر على المجتمع عبر الشهرة و العاطفة بدل الخطاب السياسي التقليدي.
قد تكون في بعض الحالات هناك جهات اقتصادية أو شبكات مصالح أو أطراف سياسية تدعم هذه الشخصيات بشكل مباشر أو غير مباشر، لأن المؤثر الجماهيري أصبح أداة فعالة جداً للوصول إلى الناس خاصة الشباب.
فالجمهور قد يثق بالمشهور أكثر مما يثق بالإعلام التقليدي أو الخطاب الرسمي و عندما يملك شخص جمهوراً ضخماً و مخلصاً فإنه لا يملك مجرد متابعين، بل يملك قوة اجتماعية قابلة للتحشيد و التوجيه.
أما عن التأثير النفسي على الأطفال و المراهقين فهو من أخطر أبعاد هذه الظاهرة، لأن هذه الفئة أكثر اندفاعاً وتأثراً بالصورة و أقل قدرة على التفكير النقدي.
فعندما يشاهد الطفل سيارات فارهة و أموالاً ضخمة و جماهير تهتف لشخص ما، فإنه يربط تلقائياً بين الشهرة و السعادة و القيمة الإنسانية.
و من هنا تبدأ الأحلام غير الواقعية بالتشكل كما تبدأ المقارنة الاجتماعية القاسية مثل لماذا لا أملك مثل هذا؟! لماذا حياتي عادية؟! لماذا هذا الشخص يملك كل شيء؟! و هذه المقارنات قد تؤدي إلى الإحباط و القلق و ضعف الرضا عن الحياة أو الهوس بالشهرة.
و في حالات كثيرة لا يرى بعض الأطفال و المراهقين هذه الشخصيات كمؤثرين فقط، بل كرموز خلاص نفسي و عاطفي، و لذلك نرى احياناً بكاءً هستيرياً عند رؤيتهم أو دفاعاً متعصباً عنهم أو اندفاعاًجنونياً نحوهم.
و هذه الظاهرة تشبه إلى حد بعيد ظواهر النجومية الجماهيرية التي كانت مرتبطة بالفنانين في السابق لكنها اليوم أصبحت مرتبطة بالمال و الاستعراض الرقمي.
إن ظاهرة المشاهير المفاجئين ليست قضية بسيطة تتعلق بالترفيه أو الكرم فقط، بل هي ظاهرة تكشف تحولات عميقة داخل المجتمع الحديث حيث تحول الشهرة إلى سلطة، و تحول المال إلى لغة تأثير، و تحول الإنسان إلى محتوى.
إنها ظاهرة تجمع الاقتصاد بالإعلام، و السياسة بالعاطفة، و الثقافة بالاستهلاك، و الشهرة بالنفوذ (إنها لعنة اجتماعية) إن صح التعبير.
و لذلك فإن التعامل معها لا يجب أن يكون قائماً على الانبهار المطلق أو التخوين المطلق، بل على الوعي النقدي فالمشكلة ليست في وجود أشخاص يساعدون الآخرين، بل في المجتمع الذي قد يبدأ تدريجياً بتقديس الصورة بدل الحقيقة و الاستعراض بدل القيمة و الانتشار بدل المعنى.
#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟