حسين علي محمود
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 04:50
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
في المجتمعات التي تعاني من أزمات اقتصادية و إدارية متراكمة، كثيراً ما يجري البحث عن أسباب سطحية لتعليق الفشل عليها بدلاً من مواجهة الأسباب العميقة و الحقيقية.
و في كل مرحلة يظهر نقاش جديد يحمل عنواناً مختلفاً لكنه يدور حول الفكرة نفسها و هو كيف يمكن ضبط المجتمع من أجل رفع الإنتاجية و تحسين الأداء العام؟!
و هناك البعض يطرح مطالبات عبر الدعوات التي تطالب بتقييد الحياة الليلية و إغلاق الكافيهات و المولات عند منتصف الليل، بل و طرح فكرة تنظيم أو تقليل خدمة الإنترنت خلال ساعات الفجر بحجة أن السهر المفرط أصبح سبباً مباشراً في الكسل الوظيفي ان صح التعبير و تراجع إنتاجية المجتمع.
هذا الطرح رغم أنه يبدو للوهلة الأولى منطقياً أو حتى حريصاً على المصلحة العامة إلا أنه يثير أسئلة أعمق و أكثر أهمية و منها :
هل المشكلة فعلاً في السهر؟!
و هل يمكن بناء مجتمع منتج عبر فرض نمط حياة موحد على الناس؟؟
و هل تتقدم الدول حين تغلق المقاهي و تقطع الإنترنت أم حين تبني مؤسسات قوية و ثقافة عمل حقيقية؟!
الحقيقة أن هذه القضية أعقد بكثير من اختزالها في ساعات النوم و الاستيقاظ لأن المجتمعات لا تقاس بإيقاع نومها فقط، بل بطريقة إدارتها للعمل و بقوة مؤسساتها و بطبيعة العلاقة بين المواطن و الدولة.
إن السهر ليس ظاهرة خاصة بمجتمعات العالم الثالث وحدها، ففي أغلب المدن الكبرى في العالم من نيويورك الى طوكيو و من لندن الى سيؤل تستمر الحياة الليلية حتى الفجر. المقاهي مفتوحة، وسائل النقل تعمل، الإنترنت متاح بلا قيود، و مع ذلك تبقى تلك الدول من بين الأعلى إنتاجية و تنظيماً في العالم.
فلو كان السهر وحده سبب التخلف لكانت هذه الدول أول المنهارين اقتصادياً و إدارياً لكن المشكلة الحقيقية ليست في أن الناس تسهر، بل في ماذا تفعل حين تعمل؟!
هناك فرق كبير بين مجتمع يعمل ضمن نظام واضح يخضع للمحاسبة و المتابعة و بين مجتمع تتحول فيه الوظيفة إلى مجرد حضور شكلي لا علاقة له بالإنتاج الحقيقي.
في كثير من المؤسسات الضعيفة يمكن للموظف أن يحضر باكراً و ينام باكراً و يستيقظ باكراً لكنه مع ذلك لا ينتج شيئاً ذا قيمة لأن النظام الإداري نفسه لا يكافئ الإنتاج ولا يعاقب التقصير.
بينما قد يعمل شخص آخر حتى ساعات متأخرة من الليل لكنه يؤدي مهامه بكفاءة عالية لأنه يشعر بالمسؤولية و يعرف أن أداءه مراقب و مقيم بشكل حقيقي.
و لهذا فإن اختزال أزمة الإنتاجية في السهر يشبه معالجة الحمى دون البحث عن المرض الحقيقي.
إن أي مجتمع يعاني من ضعف الإنتاجية لا بد أن يسأل نفسه أولاً عدة اسئلة منطقية :
هل توجد ثقافة عمل حقيقية؟!
هل هناك نظام محاسبة واضح؟!
هل يتم تقييم الموظف على أساس الإنجاز أم على أساس العلاقات و الشكليات؟!
هل يشعر العامل أو الموظف بأن جهده سيقوده إلى تحسين حياته ومستقبله؟!
أم أن الجميع يدرك مسبقاً أن العمل الجاد و التقصير كلاهما يؤديان إلى النتيجة نفسها؟!
حين تغيب العدالة الإدارية تصبح الدعوات لضبط المجتمع أخلاقياً أو سلوكياً محاولة للهروب من جوهر المشكلة.
إن فكرة إغلاق الكافيهات أو تقييد الإنترنت تبدو في ظاهرها محاولة لتنظيم الحياة العامة لكنها في جوهرها تحمل نزعة وصائية، أي أن الدولة تتعامل مع المواطنين وكأنهم غير قادرين على إدارة حياتهم بأنفسهم، فتقرر متى ينامون و متى يستيقظون و كيف يقضون أوقاتهم.
لكن المجتمعات الحديثة لا تدار بهذه الطريقة، فالدولة ليست وصياً أخلاقياً على الحياة الشخصية للناس، بل مؤسسة لتنظيم الحقوق و الخدمات و بناء الاقتصاد و تطبيق القانون.
ثم إن الحياة الليلية ليست كلها عبثاً أو ترفاً فارغاً كما يصور أحياناً، فالكثير من الشباب يعملون ليلاً و طلبة الجامعات يدرسون عبر الإنترنت و أصحاب الأعمال يعتمدون على الشبكة في التجارة و التواصل و بعض المهن أصلاً ترتبط بالعمل الليلي بسبب فرق التوقيت أو طبيعة السوق العالمي.
لهذا فإن قطع الإنترنت أو تقييده خلال ساعات معينة لن يضر الساهرين فقط، بل قد يضر الاقتصاد نفسه و يعطل أعمالاً حقيقية و يخلق مشكلات تقنية و تعليمية و مهنية لا تقل خطورة عن المشكلة التي يراد حلها.
كما أن إغلاق الكافيهات و المولات باكراً سيؤدي إلى خسائر اقتصادية مباشرة لأن هذه الأماكن ليست مجرد فضاءات للترفيه، بل مصدر رزق لآلاف العاملين.
و في دول تعاني أصلاً من البطالة مع ضعف فرص العمل، فإن أي قرار يضيق النشاط الاقتصادي يجب أن يدرس بحذر شديد
الأخطر من ذلك أن المجتمعات التي تعالج مشاكلها عبر المنع و القمع غالباً ما تنتج سلوكاً أكثر سلبية، فالإنسان حين يشعر أن الدولة تتدخل في تفاصيل حياته الخاصة دون معالجة الأزمات الكبرى يبدأ بفقدان الثقة بالمؤسسات و يتحول القانون من أداة تنظيم إلى أداة تضييق.
إن بناء مجتمع منضبط لا يتم بالقوة، بل بالتربية و الوعي و بناء المؤسسات، فالموظف المنضبط لا يصنع عبر قطع الإنترنت، بل عبر بيئة عمل تحترم الجهد و تكافئ الإنجاز.
و الطالب المجتهد لا يحتاج إلى شرطي يمنعه من السهر، بل إلى تعليم حقيقي يجعله يشعر بقيمة مستقبله و الشاب الذي يملك عملاً منتجاً و مشروع حياة واضحاً لن يقضي يومه كله في الفراغ أصلاً.
من هنا يمكن القول إن جذور الأزمة أعمق بكثير من ظاهرة السهر، فنحن أمام مشكلة تتعلق ببنية المجتمع الاقتصادية و الثقافية و الإدارية.
إن المجتمعات الريعية تحديداً تعاني من أزمة ضعف الدافع للإنتاج، فحين يصبح الاقتصاد قائماً على الريع لا على الصناعة و الزراعة و الابتكار تضعف العلاقة الطبيعية بين العمل و الثروة و يتحول جزء من المجتمع إلى حالة من الاعتماد على الدولة بدلاً من المبادرة الفردية و الإنتاج الحقيقي.
ففي مثل هذه البيئات تنتشر البطالة المقنعة و تتراجع قيمة الوقت و يصبح الفراغ واسعاً إلى درجة تجعل السهر نفسه نتيجة طبيعية لا سبباً أصلياً.
فالشاب الذي لا يجد فرصة عمل حقيقية و لا يملك مشروعاً واضحاً للمستقبل غالباً ما سيقضي ليله في المقاهي أو على الإنترنت ليس لأنه يحب الفوضى بالضرورة، بل لأنه لا يملك ما يدفعه لتنظيم حياته.
و لهذا فإن الحل الجذري يبدأ من الاقتصاد قبل أي شيء آخر، حين تنشئ الدولة مشاريع زراعية و صناعية حقيقية و تخلق فرص عمل واسعة و تربط الدخل بالإنتاج، فإن نمط الحياة سيتغير تلقائياً.
الإنسان الذي يستيقظ صباحاً ليذهب إلى عمل يحترمه و يمنحه دخلاً كريماً سيعيد تنظيم وقته بنفسه دون الحاجة إلى أوامر أو قيود.
فالإيقاع الصحي للحياة لا يفرض بالقوانين فقط، بل تفرضه ضرورات الحياة العملية.
و في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل دور الأسرة، فهي المدرسة الأولى للانضباط و السلوك و من داخل البيت يتعلم الطفل معنى الوقت، الالتزام، المسؤولية، و احترام العمل.
إن كثيراً من مظاهر الفوضى الاجتماعية ليست ناتجة فقط عن ضعف الدولة، بل أيضاً عن تراجع الدور التربوي للأسرة و المدرسة.
و حين تضعف هذه المؤسسات التربوية يصبح من السهل أن يتحول الشارع أو الإنترنت إلى البديل الثقافي و السلوكي للأجيال الجديدة.
و لهذا فإن إصلاح المجتمع يجب أن يكون مشروعاً متكاملاً يبدأ من الأسرة و يمر بالمدرسة و ينتهي بالمؤسسة الاقتصادية و الإدارية.
أما على مستوى العمل الحكومي، فإن الحلول الحقيقية واضحة و معروفة لكنها تحتاج إلى إرادة فعلية لا إلى قرارات استعراضية.
فالإصلاح يبدأ من تفعيل أنظمة الحضور و الانصراف بشكل جاد، ربط الترقيات و الحوافز بالإنتاج الحقيقي، إنهاء ثقافة الوظيفة الشكلية، تطوير الإدارة الرقمية و تقليل الروتين، تحسين بيئة العمل و احترام الموظف الكفوء، محاربة الفساد الإداري و المحسوبية، و خلق فرص اقتصادية حقيقية للشباب.
حينها فقط يمكن الحديث عن مجتمع منتج، أما محاولة إصلاح الاقتصاد عبر إغلاق المقاهي أو تقليل الإنترنت فهي تشبه محاولة إصلاح محرك معطل عبر تغيير لون السيارة.
إن المجتمعات المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها أجبرت الناس على النوم مبكراً، بل لأنها بنت نظاماً يجعل الوقت ذا قيمة، العمل ذا معنى، و القانون محترماً على الجميع.
إذن لا يمكن إنكار أن السهر المفرط قد يكون ظاهرة سلبية في بعض الأحيان خصوصاً حين يرتبط بالفوضى أو الإهمال أو الإدمان الرقمي لكن معالجة هذه الظواهر يجب أن تكون عبر التوعية و التعليم، تحسين جودة الحياة لا عبر فرض الوصاية على المجتمع.
فالمشكلة ليست في أن الناس تسهر، بل في أن كثيرين لا يجدون ما يستحق أن يستيقظوا لأجله صباحاً.
#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟