أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية















المزيد.....

تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 07:14
المحور: المجتمع المدني
    


يشهد المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة تحولات اجتماعية و ثقافية متسارعة رافقتها ظواهر تستحق التوقف عندها بجدية.
و من أبرز هذه الظواهر اتساع الفجوة بين فئة تمتلك قدراً من التعليم و الوعي و الثقافة، و بين فئة أخرى تزداد ابتعاداً عن المعرفة و التفكير النقدي حتى أصبح الحوار بين الطرفين في كثير من الأحيان أقرب إلى تبادل الشتائم منه إلى التفاهم.
لا يتعلق الأمر هنا بالشهادات الدراسية وحدها، فالثقافة ليست ورقة جامعية كما أن الجهل ليس غياب التعليم فقط. هناك أشخاص لم يكملوا تعليمهم لكنهم يمتلكون حكمة و أخلاقاً عالية، و هناك متعلمون يفتقرون إلى أبسط قواعد الاحترام و المسؤولية.
تتعلق القضية الحقيقية بمنظومة القيم التي توجه سلوك الإنسان و تحدد طريقة تعامله مع نفسه و مع الآخرين.
لقد كشفت وسائل التواصل الاجتماعي جانباً مهماً من هذه الأزمة، فهذه المنصات لم تخلق المشكلة بقدر ما أظهرتها للعلن، ففي السابق كانت كثير من السلوكيات و الأفكار تبقى محصورة ضمن نطاق ضيق أما اليوم فقد أصبح بإمكان الجميع التعبير عن آرائهم أمام جمهور واسع.
و هنا ظهرت أنماط من السلوك تقوم على الشتائم و التنمر و السخرية و الهجوم الشخصي خصوصاً تجاه أصحاب الآراء المختلفة أو أولئك الذين يحاولون تقديم نقد بنّاء للمشكلات الاجتماعية و الثقافية.
لا تكمن المشكلة في الاختلاف، فالاختلاف أمر طبيعي و صحي في أي مجتمع حي بل تكمن في غياب القدرة على إدارة الاختلاف.
فالبعض يتعامل مع أي نقد و كأنه إهانة شخصية، و مع أي رأي مخالف و كأنه تهديد لوجوده أو هويته و هنا يتحول الحوار إلى معركة و يصبح الانتصار للرأي أهم من البحث عن الحقيقة.
في قلب هذه الأزمة يبرز مفهوم مهم يمكن تسميته بالبوصلة الأخلاقية و هو تعبير مجازي يشير إلى مجموعة القيم و المبادئ التي يعتمد عليها الإنسان للتمييز بين الصواب و الخطأ، و بين ما ينبغي فعله و ما يجب تجنبه، إنها النظام الداخلي الذي يوجه السلوك حتى في غياب الرقابة الخارجية.
فحين يختار الإنسان الصدق رغم أن الكذب قد يحقق له منفعة أو يلتزم بالأمانة رغم وجود فرصة للخيانة أو يحترم الآخرين رغم اختلافه معهم، فإنه في الحقيقة يستجيب لتوجيهات هذه البوصلة الأخلاقية.
و تتشكل هذه البوصلة من عناصر متعددة منها التربية الأسرية، الثقافة، التعليم، الخبرات الحياتية، البيئة الاجتماعية، و القيم الدينية و الإنسانية.
و هي ليست شيئاً ثابتاً بالكامل بل تتأثر بظروف الحياة، التجارب، المصالح، اضافة الى الضغوط التي يتعرض لها الإنسان.
كما ان من أهم العوامل التي تعزز البوصلة الأخلاقية :
- التربية القائمة على القيم الإنسانية السليمة.
- المحاسبة الذاتية و مراجعة السلوك باستمرار.
- وجود قدوات إيجابية في الأسرة و المجتمع.
- تنمية التعاطف مع الآخرين.
- الاستقلال الفكري و عدم الانقياد الأعمى للعقل الجمعي.
- القراءة و التفكير النقدي.
- البيئة الاجتماعية التي تكافئ النزاهة و تحترم القانون.

و في المقابل هناك عوامل تؤدي إلى إضعاف هذه البوصلة أو تشويهها منها :
- التطبيع مع الخطأ حتى يصبح أمراً عادياً.
- تغليب المصلحة الشخصية على كل اعتبار.
- ضغط الجماعة و تحويل السلوك الخاطئ إلى عادة اجتماعية مقبولة.
- التبرير المستمر للأخطاء و عدم الاعتراف بها.
- غياب المساءلة و المحاسبة.

و من أخطر الظواهر المرتبطة بضعف البوصلة الأخلاقية حالة الاستعلاء الفارغ التي يمارسها بعض الأشخاص تجاه كل من يحاول تقديم معرفة أو تصحيح فكرة أو الدعوة إلى سلوك أفضل.
فبدلاً من مناقشة الفكرة يتم السخرية من صاحبها، و بدلاً من الرد بالحجة والدليل يتم اللجوء إلى التنمر أو التشويه أو التقليل من شأن الآخرين.

هذه الظاهرة ليست مجرد مشكلة أخلاقية فردية بل هي مؤشر على أزمة ثقافية أعمق، فالمجتمعات تتقدم عندما تحترم المعرفة و أهلها، و عندما تعتبر النقد وسيلة للتصحيح و التطوير لا وسيلة للعداء و الخصومة.
أما حين يصبح الجهل مصدر فخر و يصبح الاستهزاء بالمثقفين نوعاً من البطولة الاجتماعية فإن المجتمع يدخل في دائرة خطيرة من التراجع.
و لا يعني هذا أن المثقفين دائماً على حق أو أن غير المثقفين دائماً على خطأ، فالحقيقة لا تحتكرها فئة معينة لكن الفرق يكمن في المنهج فالعقل النقدي يبحث عن الأدلة و يقبل المراجعة و التصحيح بينما العقل المنغلق يبحث فقط عما يؤكد قناعاته المسبقة.
إن ما يواجهه العراق اليوم ليس أزمة اقتصادية أو سياسية فقط بل هو أيضاً تحد أخلاقي و ثقافي و تربوي، فالقوانين وحدها لا تبني مجتمعاً متماسكاً إذا غابت القيم، و المؤسسات لا تستطيع وحدها إصلاح الخلل إذا لم يكن لدى الأفراد رقيب داخلي يحكم سلوكهم.
لقد وضعت وسائل التواصل الاجتماعي كثيراً من الناس أمام اختبار يومي، فهناك من استخدم هذه المساحات لنشر المعرفة و الحوار و الوعي، و هناك من كشف عن قدر كبير من التعصب و العدوانية و الانفلات الأخلاقي.
و في هذا الاختبار لم تكن الشهادات ولا المناصب هي العامل الحاسم بل كانت البوصلة الأخلاقية التي يحملها كل فرد داخله.
إن مستقبل أي مجتمع لا يتحدد فقط بما يمتلكه من ثروات أو موارد بل بما يمتلكه من منظومة قيم قادرة على توجيه السلوك العام.
فالمجتمعات التي تحافظ على احترام المعرفة، تربي أبناءها على التفكير النقدي، تغرس فيهم قيم العدالة و الاحترام و المسؤولية ستمتلك فرصة حقيقية للنهوض مهما كانت التحديات.
أما المجتمعات التي تسمح بتطبيع الخطأ، تمجد الجهل، تكافئ السلوك العدواني فإنها تخاطر بخسارة أهم رأسمال تملكه وهو الإنسان نفسه.

لذلك تبقى البوصلة الأخلاقية هي خط الدفاع الأخير أمام الفوضى، و قد يختلف الناس في آرائهم و معتقداتهم و انتماءاتهم لكنهم يحتاجون دائماً إلى منظومة قيم مشتركة تحفظ الاحترام المتبادل و تضمن إمكانية العيش المشترك.
و عندما تضعف هذه البوصلة لا يصبح الخطر على الأفراد فقط بل على المجتمع بأسره لأن الأمم لا تنهار حين تقل مواردها بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين ما هو صحيح و ما هو خاطئ.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
- التنمية لا تبدأ بقطع الإنترنت
- الشهرة المفاجئة وثقافة القطيع الرقمي
- الشقاوات و أزمة الهوية الاجتماعية
- فخ ثوقيديدس والتحول العالمي
- الإنسان في عصر الخوارزميات
- الحرب على إيران وصراع النفوذ الدولي
- انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم
- النظام التعليمي العربي وصناعة المعرفة
- ضغوط الامتحانات والانفجار السلوكي
- الجدل الأمريكي الإيراني بين القوة والدبلوماسية
- المنطقة العربية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية
- التجنيد الإلزامي بين الأمن والتنمية بالعراق
- إيران بين الدولة والثورة وصراع النفوذ
- استقالة قاليباف في ظل هيمنة الحرس الثوري
- المفاوضات الأميركية الإيرانية بين الانقسام الداخلي والضغط ال ...
- ما بعد الهدنة وخيارات حاسمة في العلاقات الأمريكية الإيرانية
- أزمة اختيار رئيس وزراء العراق بين العزلة الإقليمية والضغوط ا ...
- هندسة الوعي في زمن الضجيج
- الفساد وإعادة إنتاج السلطة


المزيد.....




- بعد خسارة مقعد مجلس الأمن.. هل تراجع ألمانيا تمويلها للأمم ا ...
-  حركة حماس تدين ارتكاب الاحتلال مجزرة مروعة بحق الأطفال والن ...
- اعتقال شاب سعودي للاشتباه بارتكابه محاولة قتل في إنجلترا
- فانس: مقتل الطالب البريطاني هنري نوفاك ناجم عن -غزو- المهاجر ...
- الأمم المتحدة: معلومات مضللة سبب الاحتجاجات أمام مكاتبنا في ...
- تحقيق فرنسي بجرائم حرب على خلفية معاملة إسرائيل نشطاء أسطول ...
- مجموعة حقوقية سودانية: مقتل 4 أشخاص وإصابة 6 آخرين في هجمات ...
- مركز حقوقي يبدي قلقه من اعتقال -صلاح الجراح- ويطالب بإطلاق س ...
- تفاقم معاناة الأسرى الفلسطينيين بسجن -جانوت- بسبب الإهمال ال ...
- من عنقون إلى صيدا.. الجغرافيا تضيق بالنازحين تحت وطأة إنذارا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية