أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة















المزيد.....

الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 04:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تعد الأوخلوقراطية أو ما يعرف بحكم الغوغاء من أكثر المفاهيم إثارة للقلق في تاريخ الفكر السياسي.
فالفلاسفة الإغريق لم ينظروا إليها باعتبارها نظاماً سياسياً مستقلاً يمكن أن ينافس الديمقراطية أو الملكية أو الأرستقراطية بل رأوا فيها المرحلة المرضية التي تصيب الديمقراطية عندما تفقد توازنها و تتحول من حكم القانون إلى حكم الانفعالات.
إنها اللحظة التي تنتصر فيها الصيحات على الحجج و العواطف على العقل و الحشود على المؤسسات.
اشتُقت الكلمة من اللفظ اليوناني أوخلوس الذي يعني الحشد أو الغوغاء و من كراتوس الذي يعني السلطة أو الحكم.
و قد استخدمها مفكرون كبار مثل أرسطو وبوليبوس لوصف الحالة التي تنحرف فيها الديمقراطية عن غايتها الأصلية فتتحول من أداة لحماية الحرية و العدالة إلى وسيلة لنشر الفوضى و إضعاف الدولة.

لم يكن الفلاسفة القدماء يرون أن الديمقراطية تبدأ فاسدة أو منحرفة بل على العكس من ذلك كانوا يعتبرونها إنجازاً سياسياً عظيماً يولد عادة بعد صراع طويل ضد الاستبداد أو حكم النخب الفاسدة.
فالأجيال التي تؤسس النظام الديمقراطي تكون قد دفعت ثمناً باهظاً من أجل الحرية و لذلك تدرك قيمتها و تحافظ عليها.
غير أن المشكلة تبدأ عندما تنتقل الديمقراطية إلى أجيال لم تعش تجربة النضال نفسها، فهذه الأجيال تنشأ في ظل الحرية باعتبارها أمراً بديهياً دون أن تدرك التضحيات التي سبقتها.
و مع مرور الوقت يتراجع الشعور بالمسؤولية الجماعية و يبدأ الخلط بين الحرية و الفوضى.
عند هذه النقطة تتحول الحرية من حق يمارس ضمن إطار القانون إلى رغبة في التخلص من كل قيد أو ضابط و يصبح احترام المؤسسات أمراً ثانوياً بينما تقدم الرغبات الآنية للجماهير على المصلحة العامة طويلة الأمد.
و هكذا تبدأ الديمقراطية بفقدان المناعة التي كانت تحميها.

إن من أهم الإشكالات التي تطرحها الأوخلوقراطية ذلك الخلط بين المساواة السياسية و المساواة المعرفية. فالديمقراطية الحديثة تقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق و الواجبات لكنها لا تفترض أن جميع الآراء متساوية من حيث القيمة العلمية أو الخبرة العملية.
غير أن المجتمعات التي تقترب من الأوخلوقراطية تميل إلى التعامل مع جميع الآراء باعتبارها متكافئة تماماً بغض النظر عن مستوى المعرفة أو التخصص.
فيصبح رأي الخبير الاقتصادي مساوياً لرأي شخص لم يقرأ في الاقتصاد يوماً و يصبح رأي الطبيب في القضايا الصحية مجرد وجهة نظر لا تختلف عن رأي أي فرد آخر.
لا تكمن المشكلة هنا في حق الناس بالتعبير عن آرائهم فهذا حق أساسي بل في تراجع قيمة المعرفة و الخبرة أمام سلطة الانفعال الشعبي.
و عندما يحدث ذلك تتراجع القرارات الرشيدة لتحل محلها الأحكام المتسرعة و الشعارات السهلة.

لا تنشأ الأوخلوقراطية تلقائياً بل تحتاج إلى من يغذيها و يوجهها و هنا يظهر ما أطلق عليه المفكرون اسم الديماغوجيين أي قادة الجماهير الذين يتقنون مخاطبة العواطف أكثر من مخاطبة العقول.
يعرف هؤلاء السياسيون كيف يحولون المخاوف الشعبية إلى أدوات للوصول إلى السلطة، فهم لا يقدمون حلولاً حقيقية للمشكلات المعقدة بل يختزلونها في شعارات بسيطة و جذابة.
وكلما ازدادت المشكلة تعقيداً ازدادت الحاجة إلى خطاب مبسط يعد الجماهير بحلول سريعة و سحرية.
و غالباً ما يعتمد الديماغوجي على صناعة عدو دائم، فقد يكون هذا العدو أقلية داخلية أو نخبة ثقافية أو دولة خارجية أو أي طرف يمكن تحميله مسؤولية الإخفاقات و الأزمات.
و بذلك تتحول السياسة من ساحة للنقاش العقلاني إلى ساحة للصراع العاطفي و التعبئة المستمرة.
في هذه البيئة يصبح الهدوء ضعفاً و التفكير المتأني تردداً و النقد العقلاني خيانة أما أكثر الأصوات صخباً فهي التي تحظى بالاهتمام والتأثير.

إن الركيزة الأساسية لأي دولة مستقرة هي سيادة القانون. فالقانون وجد ليكون مرجعاً أعلى من الأفراد و الجماعات و ليحمي المجتمع من تقلبات الأهواء و المصالح الآنية.
لكن في ظل الأوخلوقراطية يتغير هذا الترتيب، فبدلاً من أن يخضع الجميع للقانون يصبح القانون نفسه خاضعاً لمزاج الجماهير.
فإذا صدر قرار لا يرضي الحشود يمارس الضغط لإلغائه أو تعطيله، و إذا اتخذت مؤسسة موقفاً غير شعبي تتعرض لحملات الترهيب و التشويه.
و بمرور الوقت تفقد المؤسسات استقلالها ليس لأن القانون تغير بل لأن الخوف من غضب الجماهير أصبح أقوى من الالتزام بالقواعد و هنا تبدأ الدولة بالتآكل من الداخل.

يظن البعض أن حكم الغوغاء يعني فقط الفوضى في الشوارع لكن أخطر أشكاله قد يكون فكرياً و ثقافياً.
ففي المجتمعات التي تقترب من الأوخلوقراطية يصبح الاختلاف محفوفاً بالمخاطر.
حيث يتعرض أصحاب الآراء المخالفة للتشهير و السخرية و العزل الاجتماعي كما لا يعود الهدف من النقاش إقناع الخصم بل إسكات صوته وإخراجه من المجال العام.
و هكذا تفقد المجتمعات إحدى أهم مزاياها الحضارية هي القدرة على إدارة الاختلاف.
و عندما يصبح الجميع خائفين من التعبير عن آرائهم يختفي التنوع الفكري ويحل محله الإجماع القسري الذي تفرضه الجماهير الأكثر ضجيجاً.

من السمات المتكررة في الأوخلوقراطية انتشار الوعود غير الواقعية، فالساسة الشعبويون يسعون إلى كسب التأييد السريع من خلال تقديم مزايا آنية دون التفكير في النتائج المستقبلية.
قد تتخذ هذه الوعود شكل إنفاق مفرط أو توزيع للمنافع بصورة غير مستدامة أو تقديم حلول اقتصادية تبدو جذابة على المدى القصير لكنها تخلق أزمات أعمق لاحقاً.
و مع الوقت تتحول السياسة إلى مزاد للمزايدات حيث يتنافس الجميع على إرضاء الجماهير بدلاً من معالجة المشكلات الحقيقية.
و النتيجة النهائية هي استنزاف الموارد و تراجع الثقة بالمؤسسات و ازدياد الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية.


تكمن المفارقة التي لاحظها الفلاسفة القدماء في أن الأوخلوقراطية لا تنتهي عادة بمزيد من الحرية بل بنقيضها تماماً.
فالفوضى المستمرة تستنزف المجتمعات نفسياً و اقتصادياً. و عندما يشعر الناس بأن الأمن مفقود و المؤسسات عاجزة و الحياة اليومية أصبحت غير مستقرة تبدأ الأولويات بالتغير. تصبح الرغبة في النظام أقوى من الرغبة في الحرية و يصبح الاستقرار مطلباً يفوق كل المطالب الأخرى.
في تلك اللحظة يظهر الرجل القوي او المستبد العادل (ان صح التعبير) الذي يعد بإعادة الأمن و النظام، فيجد كثير من الناس أنفسهم مستعدين للتخلي عن جزء كبير من حرياتهم مقابل الشعور بالأمان.
و هكذا تتحول الديمقراطية المنهكة إلى استبداد جديد لا لأنه فرض بالقوة وحدها بل لأن المجتمع المنهك أصبح يطلبه بنفسه.

لا تكمن أهمية مفهوم الأوخلوقراطية في كونه وصفاً لحقبة تاريخية قديمة بل في كونه تحذيراً دائماً من هشاشة الأنظمة السياسية.
فالديمقراطية لا تموت عادة بضربة مفاجئة و إنما قد تتآكل تدريجياً عندما تضعف الثقافة المدنية، تتراجع قيمة المعرفة، تنتصر الشعبوية على العقل، و تصبح المؤسسات رهينة للانفعالات الجماهيرية.
لهذا فإن حماية الديمقراطية لا تعني فقط إجراء الانتخابات أو ضمان حرية التصويت بل تتطلب أيضاً ترسيخ ثقافة المسؤولية، احترام القانون، تشجيع التفكير النقدي، و الحفاظ على استقلال المؤسسات.
فبين الحرية و الفوضى خيط رفيع و عندما ينقطع ذلك الخيط تولد الأوخلوقراطية و يبدأ المجتمع رحلة العودة إلى الاستبداد الذي ظن يوماً أنه تخلص منه.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
- تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
- التنمية لا تبدأ بقطع الإنترنت
- الشهرة المفاجئة وثقافة القطيع الرقمي
- الشقاوات و أزمة الهوية الاجتماعية
- فخ ثوقيديدس والتحول العالمي
- الإنسان في عصر الخوارزميات
- الحرب على إيران وصراع النفوذ الدولي
- انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم
- النظام التعليمي العربي وصناعة المعرفة
- ضغوط الامتحانات والانفجار السلوكي
- الجدل الأمريكي الإيراني بين القوة والدبلوماسية
- المنطقة العربية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية
- التجنيد الإلزامي بين الأمن والتنمية بالعراق
- إيران بين الدولة والثورة وصراع النفوذ
- استقالة قاليباف في ظل هيمنة الحرس الثوري
- المفاوضات الأميركية الإيرانية بين الانقسام الداخلي والضغط ال ...
- ما بعد الهدنة وخيارات حاسمة في العلاقات الأمريكية الإيرانية
- أزمة اختيار رئيس وزراء العراق بين العزلة الإقليمية والضغوط ا ...


المزيد.....




- -تُبت عن أي حاجة غريبة-.. أحمد سعد يقص ضفائره أمام الكاميرا ...
- معاهدة صداقة -تاريخية- بين لندن وبرلين... طوي صفحة بريكست؟
- عقد على بريكست: تقارب جديد بين برلين ولندن يبدد إرث الانفصال ...
- روبيو: لا يحق لأي دولة فرض رسوم العبور في مضيق هرمز
- مشاهد صادمة تثير غضب المصريين بعد الفوزعلى نيوزيلندا.. ماذا ...
- أردوغان: تركيا وبولندا تؤيدان التوصل إلى تسوية سلمية عاجلة ف ...
- -إفريقيا قارة المستقبل- – ناميبيا
- الكشف عن هوية منفذ هجوم مكتبة كاليفورنيا -المأساوي والصادم-. ...
- رحلة البشر لتخفيف الألم.. بين الإيبوبروفين والباراسيتامول
- قرار دولي لمحاسبة مرتكبي الجرائم ضد قوات حفظ السلام الأممية ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة