أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة















المزيد.....

مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 22:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ أن تشكلت الدولة بوصفها مؤسسة تنظم المجتمع لم تكن السلطة تعمل منفردة، فالتاريخ السياسي من الإمبراطوريات القديمة إلى الدول الحديثة يكشف أن الحكم لم يقم يوما على القوة العسكرية وحدها و لا على القانون وحده و لا على الاقتصاد وحده بل كان يعتمد على شبكة معقدة من المصالح و الأدوات و الرموز التي تتداخل فيما بينها لتنتج منظومة متماسكة للسيطرة و إعادة إنتاج النفوذ.
من بين الفرضيات التي تثير نقاشا واسعا في الفكر السياسي والاجتماعي أن كل نظام سياسي مهما اختلف اسمه أو أيديولوجيته يتحرك داخل مثلث تتساند أضلاعه باستمرار و هم ( السلطة، رأس المال، الجنس ) بوصفه أداة للهيمنة و الابتزاز و الإلهاء.
و قد يختصر البعض الضلع الثالث بكلمة الدعارة إلا أن المقصود هنا أوسع بكثير من معناها التجاري الضيق فهو يشمل توظيف الجسد،الرغبة، العلاقات الجنسية في صناعة النفوذ، جمع المعلومات، إخضاع الخصوم، و التأثير في الرأي العام.
و لا تعني هذه الفرضية أن كل سلطة فاسدة أو أن كل ثروة نتاج استغلال أو أن الجنس يؤدي الدور نفسه في جميع المجتمعات و إنما تشير إلى أن هذه العناصر الثلاثة كثيرا ما تتحول عندما تغيب الرقابة و المساءلة إلى منظومة مترابطة تعيد إنتاج نفسها باستمرار.

لا تستطيع أي سلطة أن تستمر بالشعارات وحدها فالدولة تحتاج إلى المال لتمويل الجيش، الأجهزة الأمنية، الإدارة العامة، الإعلام، المشاريع، و شبكات الولاء السياسي.
و لهذا فإن العلاقة بين السلطة و رأس المال ليست علاقة طارئة إنما علاقة عضوية.
ففي الأنظمة الشمولية يرتبط كبار رجال الأعمال غالبا بالحاكم أو بالحزب الحاكم فيحصلون على الاحتكارات و الامتيازات مقابل الولاء السياسي بينما تتخذ هذه العلاقة في الديمقراطيات صورا أكثر تعقيدا عبر جماعات الضغط، تمويل الحملات الانتخابية، الشركات الكبرى، الإعلانات، و شبكات المصالح الاقتصادية.
و الفرق بين النظامين ليس في وجود العلاقة إنما في مستوى الشفافية و الرقابة المفروضة عليها فالسلطة تحتاج إلى المال كي تستمر و المال يحتاج إلى السلطة كي يتوسع.

و في المقابل فإن رأس المال الكبير نادرا ما يزدهر بعيدا عن الحماية السياسية، فالمستثمر يحتاج إلى قوانين مستقرة، قضاء نزيه، أجهزة تنفيذية تحمي العقود، و قد يسعى أحيانا إلى إعفاءات ضريبية أو امتيازات أو صفقات حكومية.
و من هنا يظهر ما يسميه علماء السياسة بتحالف النخب حيث تتبادل النخب الاقتصادية و السياسية المنافع بصورة مستمرة فالمال يمول السياسة و السياسة تحمي المال و مع مرور الزمن يصبح من الصعب التمييز بين مصالح الدولة و مصالح الطبقة المسيطرة عليها.
كما أن الأسواق الاقتصادية لا تعمل بمعزل عن الدولة بل تحتاج دائما إلى إطار سياسي و قانوني يحميها، و العلاقة بين الاقتصاد و السلطة أكثر تشابكا مما تبدو عليه في الخطابات النظرية.

أما الضلع الثالث و هو الجنس بوصفه أداة للسيطرة فهو أكثر تعقيدا مما يوحي به معناه الشائع، فالتاريخ السياسي و مهمات الاستخبارات يكشفان أن توظيف العلاقات الجنسية لم يكن مجرد انحراف فردي إنما استخدم في كثير من الأحيان وسيلة للحصول على المعلومات، ابتزاز المسؤولين، إسقاط الشخصيات العامة، و صناعة الفضائح السياسية.
كما أن صناعة الترفيه و الإباحية في بعض المجتمعات تحولت إلى سوق اقتصادية ضخمة ترتبط أحيانا بمراكز نفوذ إعلامي و مالي فيصبح الجسد سلعة، الرغبة سوقا، و الشهوة موردا اقتصاديا يمكن أن تتقاطع حوله مصالح سياسية و تجارية.
و في هذا المنظور يلفت النظر إلى أن السلطة لا تمارس هيمنتها بالقوانين و العقوبات وحدها إنما تمتد إلى إدارة الأجساد و تنظيم الرغبات و توجيه السلوك بحيث يصبح الجسد نفسه مجالا لممارسة السلطة و إنتاج الطاعة.
إن من أقدم وسائل الحكم أيضا هو أن تنشغل الشعوب بما هو أقل أهمية كي لا يلتفتوا إلى القضايا الكبرى لذلك يرى عدد من المفكرين أن الترفيه المفرط و الإثارة الجنسية و الاستهلاك غير المحدود قد تتحول إلى أدوات سياسية عندما تستخدم لصرف الانتباه عن الفساد أو الاستبداد أو التفاوت الاقتصادي.
ولا يعني ذلك وجود مؤامرة دائمة أو خطة مركزية تحرك كل شيء و إنما يعني أن الأنظمة قد تستفيد من مجتمع ينشغل باللذة و الاستهلاك أكثر من انشغاله بالمحاسبة و المساءلة.

قد يبدو أن الأنظمة الديمقراطية بعيدة عن هذا النموذج لكنها ليست خارجه بالكامل، فالفرق الجوهري أن الأنظمة الديمقراطية تمتلك بدرجات متفاوتة مؤسسات تحد من تغول العلاقة بين السلطة و المال مثل استقلال القضاء، حرية الصحافة، الانتخابات الدورية، منظمات المجتمع المدني، و هيئات مكافحة الفساد.
أما في الأنظمة الشمولية فإن الأضلاع الثلاثة غالبا ما تندمج داخل مركز واحد للسلطة فتختفي الحدود بين الدولة و الحاكم و رجال الأعمال و الأجهزة الأمنية.
و لذلك فإن القضية ليست وجود العلاقة في حد ذاتها بل قدرة المجتمع على مراقبتها و منع تحولها إلى احتكار دائم للنفوذ.
و هنا تعبر عن هذه الفكرة بمفهوم الهيمنة حيث لا تكتفي السلطة بالإكراه انما تسعى إلى كسب قبول المجتمع عبر الثقافة و الإعلام و المؤسسات بحيث تبدو علاقات القوة و كأنها أمر طبيعي لا يحتاج إلى مساءلة.

يبدأ الخطر الحقيقي عندما تتغلب هذه الأضلاع الثلاثة على المجتمع بأسره.
فعندما تخضع السياسة للمال و يتحول المال إلى سلطة و يصبح الجسد وسيلة للابتزاز أو للإلهاء أو للربح غير المحدود يفقد المجتمع تدريجيا قدرته على المقاومة إذ تصبح، الانتخابات شكلية، الإعلام تابعا، الثروة محتكرة، الثقافة استهلاكية، و يتحول المواطن إلى مجرد مستهلك أو تابع أو رقم انتخابي داخل منظومة أكبر منه.
و مع ذلك فإن من الخطأ التعامل مع هذه الفكرة بوصفها قانونا تاريخيا مطلقا، فالتاريخ يقدم نماذج لدول استطاعت أن تحد من نفوذ رأس المال على القرار السياسي و أخرى نجحت في محاربة شبكات الفساد و الاستغلال الجنسي و ثالثة بنت مؤسسات قوية تفصل بين النفوذ الاقتصادي و السلطة التنفيذية.
لذلك فإن هذا المثلث ليس قدرا محتوما إنما احتمالا يزداد حضوره كلما ضعفت المؤسسات، غابت الشفافية، تراجعت حرية الإعلام، و انخفضت قدرة المجتمع على المساءلة.

قد تختلف الأسماء و الرايات و تتبدل الأيديولوجيات بين اليمين واليسار، و بين الليبرالية والاشتراكية، و بين الجمهوريات والملكيات لكن السؤال يبقى واحدا من يحكم؟! و من يملك؟! و ما الأدوات التي يستخدمها للحفاظ على نفوذه؟!
إن العلاقة بين السلطة و رأس المال و الجنس السياسي ليست وصفة ثابتة لتفسير جميع المجتمعات وانما هي عدسة تحليلية تساعد على فهم الكيفية التي تتشابك بها القوة السياسية و الاقتصادية و الرمزية لإنتاج منظومات هيمنة معقدة.
و المجتمعات التي تنجح في كسر هذا التشابك ليست تلك التي تنكر وجوده بل تلك التي تبني مؤسسات مستقلة، تضمن حرية الإعلام، تفرض الشفافية، تخضع الجميع مهما بلغت قوتهم لسيادة القانون.
فحين يصبح القانون أعلى من السلطة و أقوى من المال و أقدر على حماية كرامة الإنسان تتراجع فرص تشكل هذا المثلث و يقترب المجتمع من دولة المواطنة بدل دولة الامتيازات.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأستاذ الناجح وصناعة الأجيال
- الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة
- الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
- تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
- التنمية لا تبدأ بقطع الإنترنت
- الشهرة المفاجئة وثقافة القطيع الرقمي
- الشقاوات و أزمة الهوية الاجتماعية
- فخ ثوقيديدس والتحول العالمي
- الإنسان في عصر الخوارزميات
- الحرب على إيران وصراع النفوذ الدولي
- انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم
- النظام التعليمي العربي وصناعة المعرفة
- ضغوط الامتحانات والانفجار السلوكي
- الجدل الأمريكي الإيراني بين القوة والدبلوماسية
- المنطقة العربية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية
- التجنيد الإلزامي بين الأمن والتنمية بالعراق
- إيران بين الدولة والثورة وصراع النفوذ
- استقالة قاليباف في ظل هيمنة الحرس الثوري
- المفاوضات الأميركية الإيرانية بين الانقسام الداخلي والضغط ال ...


المزيد.....




- 10 من أفضل المدن الأمريكية التي تستحق الزيارة
- لغز امتدّ لـ40 عامًا.. الكشف عن أصول أحفورة ديناصور في ألاسك ...
- إيران تحذر فرنسا وبريطانيا من أي تحرك عسكري في مضيق هرمز
- -داعش- يصوب على مجلس الشعب السوري ويواصل هجومه على الشرع
- أول أصيص في العالم يتمدد مع حجم النبتة!
- ألمانيا - ما علاقة الصين بـ-فضيحة أكبر بيت دعارة في أوروبا-؟ ...
- السجن 30 عاماً لأحد أبرز المتورطين بشبكات مخدرات مرتبطة بالن ...
- لماذا أنشأت مصر مقر -الأوكتاغون-؟
- سوريا.. مطار حلب يستقبل أولى رحلات -العربية للطيران- قادمة م ...
- وزير الخارجية الألماني الأسبق يرفض بالمطلق امتلاك بلاده -مظل ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة