أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد















المزيد.....

بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 20:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لقد عرفت السينما المصرية مخرجا اسمه حسن الإمام، لم يكن مجرد صانع أفلام بل كان يعرف كيف يحول القصة إلى حدث جماهيري.
كانت وصفته بسيطة في ظاهرها ومعقدة في جوهرها وهي شخصيات متناقضة، صراع محتدم، لحظات غضب، دموع، حب، وخيانة ثم نهاية تمنح المشاهد شعورا بالانتصار حتى لو خرج من قاعة السينما وهو يعلم أن الحياة ليست بهذه البساطة.
كان حسن الإمام يدرك أن الجمهور لا يشتري تذكرة ليرى قصة انما ليرى كيف تُروى القصة.
فالقصص ليست نادرة لكن المخرج الجيد هو الذي يمنحها الحياة أما إذا وقعت القصة نفسها في يد مخرج ضعيف فإنها تتحول إلى عمل ممل مهما كانت فكرتها عظيمة.
هذه الحقيقة لا تخص السينما وحدها وانما تمتد إلى السياسة أيضا.
في العراق يبدو أننا نملك قصة تصلح لأن تكون من أكثر القصص إثارة في تاريخ الدولة الحديثة اسمها مكافحة الفساد.
إنها قصة تتوافر فيها جميع عناصر الدراما مثل أموال هائلة، نفوذ سياسي، صراع مصالح، وثائق، تحالفات، ضحايا، متهمون، و رأي عام يتابع الأحداث بشغف.
لكنها، رغم كل ذلك لم تتحول حتى اليوم إلى قصة يطمئن الناس إلى نهايتها لأن المشكلة لم تكن في القصة بل في طريقة إخراجها.
و قد كان أول المخرجين السيد حيدر العبادي (رئيس الوزراء العراقي السابق) حيث امتلك العبادي ميزة لم تتوافر لغيره، فقد جاء من داخل المؤسسة السياسية و كان يعرف الكثير من خفاياها بحكم موقعه و علاقاته الممتدة لسنوات.
لذلك اعتقد العراقيون أن مرحلة جديدة قد بدأت و أن ملفات الفساد ستفتح على مصاريعها.
لكن الرجل اختار أسلوبا يقوم على التلميح أكثر من التصريح إذ كان يرسل رسائل مبهمة و يتحدث عن البعض و الجهات و المتورطين دون أن تتحول هذه العبارات إلى رواية مكتملة الأركان أمام الرأي العام.
و بقي الجمهور ينتظر المشهد الحاسم الذي يكشف الأسماء و النتائج لكنه لم يأتِ.
انتهت السنوات الأربع و انتهى الفيلم قبل أن يبلغ ذروته حتى كاد الناس ينسون تفاصيله.
ثم جاء السيد مصطفى الكاظمي (رئيس الوزراء العراقي السابق) بأسلوب مختلف.
هذه المرة ظهرت لجنة أبو رغيف و بدأت أخبار الاعتقالات تتصدر المشهد حيث شعر المواطن بأن الكاميرا اقتربت من مواقع الحدث، لأول مرة بدا أن الدولة لا تتحدث عن الفساد فقط إنما تتحرك ميدانيا لمواجهته.
غير أن الفيلم بقي ناقصا فالجمهور لم يكن يريد سماع خبر الاعتقال وحده إنما كان يريد أن يعرف النهاية.
كم استعيد من الأموال؟! من أُدين؟! من خرج بريئا؟! و ما الذي انتهت إليه الملفات؟! فالقصة التي لا يعرف المشاهد خاتمتها تبقى ناقصة مهما بلغت إثارتها.
ثم جاءت الضغوط السياسية و الهجمة المضادة و وجد الكاظمي نفسه يقاتل على أكثر من جبهة بينما وقف الجمهور متفرجا رغم أنه المستفيد الأول من نجاح أي حملة حقيقية ضد الفساد.
هنا انتهى الفصل الثاني دون أن يقتنع المشاهد بأن العقدة قد حلت.
بعد ذلك تولى السيد محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة و كانت البداية مختلفة في الشكل إذ ظهرت أكوام من الأموال أمام عدسات الكاميرات بوصفها جزء من قضية سرقة القرن حيث كانت الصورة قوية، صادمة، و قادرة على جذب الانتباه في لحظتها لكن الصورة مهما بلغت قوتها ليست نهاية القصة.
لقد أصبح العراقيون أكثر خبرة بعد سنوات طويلة من الوعود، لم يعودوا يكتفون بالمشهد الأول إنما صاروا يسألون تلقائيا ماذا حدث بعد ذلك؟! هل استعيدت الأموال كلها؟! هل اكتملت الإجراءات القضائية؟! و هل انتهت القضية فعلا؟!
إن الصورة تستطيع أن تثير الانفعال لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع اليقين.
الى أن جاء السيد علي الزيدي رئيسا لمجلس الوزراء ليقدم أسلوبا مختلفا في إخراج الفيلم.
ربما أدرك الرجل أن المشكلة لم تعد في إقناع الناس بوجود الفساد فهذه الحقيقة أصبحت مستقرة في الوعي العام وإنما في إعادة بناء الثقة بين المواطن و الدولة.
و لهذا لم تعد البيانات الرسمية هي البطل الوحيد بل دخلت الكاميرا إلى قلب الحدث حيث صارت وسائل الإعلام و منصات التواصل تنقل مشاهد المداهمات، أكوام الأموال، القصور، الشقق الفارهة، المزارع، و كأن المواطن أصبح حاضرا داخل مسرح العملية نفسها.
كان ذلك تطورا مهما في لغة الخطاب السياسي، فالصورة أصبحت جزءً من الرسالة لا مجرد وسيلة لنقلها.
لكن هنا يبدأ السؤال الأصعب، هل كل ما تراه العين يكفي لإثبات الحقيقة؟!
كيف يعرف المواطن أن المنزل الذي يشاهده يعود فعلا إلى الشخص الذي قيل إنه صاحبه؟! و كيف يتحقق من أن الأموال المصورة مرتبطة بالقضية نفسها؟!
إن المواطن العادي لا يمتلك أدوات التحقيق و لذلك فإنه يبني قناعته غالبا على الثقة أو على حاجته النفسية إلى التصديق.
لقد تعب العراقيون من الانتظار حتى أصبحت الصورة تمنحهم شيئا من الأمل و إن لم تكن تقدم لهم القصة كاملة.
وهنا تكمن المفارقة إذ في السابق كانت حملات مكافحة الفساد تواجه بهجوم مباشر، تشكيك، تخوين، و مقاومة سياسية واضحة.
أما اليوم فقد أصبح كثير من السياسيين يعلنون دعمهم الكامل لأي حملة ضد الفساد حتى أولئك الذين كانوا يحسبون على منظومة الحكم نفسها.
و هنا تختلط الأدوار لتبقى التساؤلات من الفاسد؟! و من الذي يحارب الفساد؟! و من الذي يدعم الحملة لأنه يريد الإصلاح فعلا؟!
من الذي يدعمها لأنه يدرك أن الكاميرا لن تصل إليه؟!
هذه الأسئلة هي التي تجعل الفيلم أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.
فالفساد ليس مجرد جريمة مالية انما هو شبكة من المصالح و العلاقات و الولاءات، لهذا فإن محاربته ليست معركة قانونية فقط وإنما معركة سردية أيضا.
من ينجح في رواية القصة يكسب الرأي العام و من يكسب الرأي العام يمتلك قوة لا تقل أهمية عن قوة المؤسسات.
لهذا أصبحت الكاميرا شريكا للقاضي و أصبحت الصورة شريكا للوثيقة، و أصبح الرأي العام طرفا في المعركة لا مجرد متفرج عليها غير أن كل ذلك لا يغني عن الحقيقة.
لا ينتهي الفيلم الحقيقي عند تصوير المداهمات و لا عند عرض الأموال أمام العدسات و لا عند تصفيق الناس على وسائل التواصل الاجتماعي.
إنه ينتهي عندما تصدر أحكام عادلة، تسترد الأموال، يحاسب كل من تثبت مسؤوليته أيا كان موقعه أو انتماؤه و عندما يشعر المواطن بأن القانون أصبح أعلى من النفوذ.
عندها فقط لن يكون العراقيون أمام فيلم ناجح بل أمام دولة نجحت في تحويل قصة مكافحة الفساد من مادة للإثارة السياسية إلى تجربة مؤسساتية راسخة.
و حتى يحين ذلك اليوم سيبقى العراقيون يشاهدون الفيلم نفسه يتغير فيه المخرجون، تتبدل الوجوه، و تتنوع أساليب السرد الروائي بينما تبقى القصة واحدة و يبقى السؤال الأخير معلقا بعد إسدال الستار.
هل تغير المخرج فعلا أم أننا ما زلنا نشاهد المشهد نفسه من زاوية تصوير مختلفة؟!



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفضاء الرقمي وأزمة الوعي المجتمعي المعاصر
- مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة
- الأستاذ الناجح وصناعة الأجيال
- الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة
- الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
- تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
- التنمية لا تبدأ بقطع الإنترنت
- الشهرة المفاجئة وثقافة القطيع الرقمي
- الشقاوات و أزمة الهوية الاجتماعية
- فخ ثوقيديدس والتحول العالمي
- الإنسان في عصر الخوارزميات
- الحرب على إيران وصراع النفوذ الدولي
- انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم
- النظام التعليمي العربي وصناعة المعرفة
- ضغوط الامتحانات والانفجار السلوكي
- الجدل الأمريكي الإيراني بين القوة والدبلوماسية
- المنطقة العربية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية
- التجنيد الإلزامي بين الأمن والتنمية بالعراق
- إيران بين الدولة والثورة وصراع النفوذ


المزيد.....




- أمريكا تكشف عن مقاطع فيديو رُفعت عنها السرية للأجسام الطائرة ...
- عون: لبنان سيمضي في المفاوضات
- الجثث المجهولة الهوية.. فصل معاناة جديد
- وزير الخارجية الإيراني يزور سلطنة عُمان لبحث تطورات مضيق هرم ...
- الجيش الصومالي يصدر بيانا بعد فيديو مهين لأمريكا
- 5 أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي يعلنون توصلهم لاتفاق مع البي ...
- -ميدل إيست أي-: روسيا لم تظهر أي عداء عسكري تجاه أي دولة في ...
- واشنطن تخطط لبناء أسطول جوي حكومي خاص بالترحيل ونقل المسؤولي ...
- الدبلوماسية تعود إلى الواجهة بعد يومين من الضربات المتبادلة ...
- جهود لإحياء الوساطة... ترامب يوافق على استئناف المفاوضات وطه ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد