أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - الهجرة والاغتراب في السينما المصرية














المزيد.....

الهجرة والاغتراب في السينما المصرية


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 16:11
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست السينما مجرد فن يروي الحكايات أو وسيلة تمنح المشاهد ساعتين من المتعة ثم ينتهي أثرها بانتهاء العرض، وإنما هي واحدة من أهم المرايا التي يرى المجتمع فيها نفسه ويعيد من خلالها اكتشاف تحولات قيمه وأحلامه ومخاوفه، فالأفلام الجيدة لا تكتفي بتسجيل الواقع، بل تلتقط ما يعتمل في أعماقه من تغيرات قد لا يدركها الناس إلا بعد سنوات. لهذا فإن الباحث في المجتمع يستطيع أن يجد في السينما مادة لا تقل أهمية عن الوثائق الرسمية أو الدراسات الميدانية أو الإحصاءات، لأن الفيلم يلتقط الإنسان وهو يعيش التحول لا بعد أن يتحول إلى رقم في جدول أو نتيجة في تقرير.

تتأكد هذه الحقيقة عند النظر إلى الهجرة بوصفها واحدة من أهم الظواهر التي أعادت تشكيل المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة، فقد غادر ملايين المصريين قراهم ومدنهم إلى عواصم أخرى أو إلى دول عربية وأجنبية بحثًا عن عمل أو تعليم أو مستقبل أفضل، لكن الهجرة لم تغير أماكن الإقامة وحدها، بل غيرت شكل الأسرة المصرية وعلاقة الآباء بالأبناء ونظرة الشباب إلى النجاح وصورة الوطن في الوعي الجمعي. كانت هذه التحولات حاضرة في السينما أحيانًا بصورة مباشرة وأحيانًا أخرى بصورة رمزية، حتى أصبح من الممكن أن نقرأ تاريخ الهجرة المصرية من خلال الأفلام بقدر ما نقرأه من خلال الدراسات المتخصصة.

من هذا الإدراك صدر أمس عن المجلس الأعلى للثقافة كتابي «الهجرة والاغتراب في السينما المصرية» الذي حاولت من خلاله أن أقترب من السينما بعين الباحث في الهجرة لا بعين الناقد السينمائي، لأنني كنت مؤمنًا بأن الفيلم ليس مجرد عمل فني، وإنما وثيقة اجتماعية تكشف كيف فهم المصريون الهجرة وكيف أعادوا إنتاجها في خيالهم الجمعي وكيف نظروا إلى المهاجر وإلى الغربة وإلى العودة وإلى الوطن نفسه.

قد يتصور البعض أن الهجرة في السينما تبدأ عندما يغادر البطل حدود بلاده، غير أن السينما المصرية تكشف أن أول أشكال الهجرة لم يكن إلى الخارج، بل كان إلى الداخل. فالانتقال من القرية إلى القاهرة كان بالنسبة إلى أجيال كاملة تجربة اغتراب حقيقية. كان الشاب يغادر عالمًا يعرف فيه الجميع إلى مدينة لا تعرف أحدًا وكان يحمل معه منظومة كاملة من القيم ليجد نفسه أمام منظومة أخرى تختلف في إيقاعها وفي علاقاتها وفي تصورها للنجاح. لم يكن الشخص ينتقل من مكان إلى مكان، وإنما من عالم إلى عالم، ولذلك كانت الهجرة الداخلية في كثير من الأحيان أكثر قسوة من السفر إلى الخارج.

ثم جاءت موجات السفر إلى الخليج لتفتح فصلًا جديدًا في التاريخ الاجتماعي المصري، فدخلت الأموال إلى البيوت ودخلت معها أنماط جديدة من الاستهلاك وتغيرت أحلام الأسر وتبدلت معايير المكانة الاجتماعية. التقطت السينما هذه التحولات بذكاء، لكنها لم تنشغل كثيرًا بحجم الأموال التي عاد بها المهاجر، بل انشغلت بما أحدثته سنوات الغياب من تغير في شخصيته وفي علاقته بأسرته ومجتمعه. كان العائد يحمل حقائب ممتلئة، لكنه كان يعود أحيانًا إلى بيت لم يعد يعرفه كما كان، وإلى أبناء كبروا بعيدًا عنه، وإلى زوجة تعلمت أن تدير حياتها في غيابه، وإلى مجتمع تغير هو الآخر خلال سنوات السفر.

أما الأفلام التي تناولت الهجرة إلى أوروبا وأمريكا فقد طرحت سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بالهوية والانتماء، فالمهاجر هناك لا يواجه فقط لغة مختلفة أو مجتمعًا جديدًا، وإنما يواجه نفسه أيضًا، ليكتشف أن الوطن ليس مجرد قطعة أرض وأن الغربة ليست مجرد ابتعاد جغرافي، بل قد تصبح حالة يعيشها الإنسان حتى وهو محاط بكل أسباب النجاح، لهذا بدت شخصية المهاجر في كثير من هذه الأفلام وكأنها تعيش بين عالمين دون أن تنتمي بالكامل إلى أي منهما.

مع اتساع ظاهرة الهجرة غير النظامية دخل البحر إلى السينما بوصفه شخصية قائمة بذاتها، ولم يعد مجرد مساحة زرقاء تفصل بين بلدين، وإنما أصبح رمزًا للأمل والخوف معًا. كان البحر في المخيلة القديمة طريقًا للتجارة أو السفر، ثم تحول في المخيلة المعاصرة إلى اختبار قاسٍ بين الحياة والموت. غير أن السينما، شأنها شأن الخطاب العام، ركزت أحيانًا على المأساة أكثر من الأسباب العميقة التي تدفع شابًا إلى أن يضع حياته بين أمواج البحر، مع أن الهجرة غير النظامية ليست نتاج الفقر وحده، وإنما هي أيضًا نتاج الإحباط وضيق الأفق والشعور بأن المستقبل يوجد دائمًا في مكان آخر.

غير أن أكثر ما يلفت النظر في السينما المصرية ليس الهجرة، وإنما الاغتراب. فالاغتراب أوسع من السفر وأعمق من الانتقال بين البلدان. قد يعيش الإنسان خارج وطنه سنوات طويلة ويظل مرتبطًا به أكثر ممن لم يغادروه قط، وقد يقيم في المدينة التي ولد فيها ثم يكتشف أن الشوارع التي عرفها تغيرت وأن الوجوه التي أحبها اختفت وأن اللغة نفسها لم تعد تحمل المعاني التي اعتادها. عندئذ يصبح غريبًا في المكان الذي شهد طفولته، وتصبح الغربة حالة نفسية لا علاقة لها بجواز السفر ولا بختم المغادرة.

ربما لهذا السبب بقيت أفلام الهجرة قريبة من وجدان المصريين، لأنها لم تكن تتحدث عن السفر وحده، وإنما كانت تتحدث عن الإنسان وهو يحاول أن يجد مكانه في عالم يتغير باستمرار، فالرحلة في جوهرها ليست من القاهرة إلى الخليج أو من الفيوم إلى أوروبا، وإنما هي رحلة من صورة قديمة للذات إلى صورة جديدة لا يعرف صاحبها إن كانت أفضل أم أسوأ.

تبقى السينما، مهما اختلفت مدارسها وأهدافها، مصدرًا لا غنى عنه لفهم المجتمع، فهي لا تخبرنا بعدد من هاجروا ولا بحجم تحويلاتهم المالية ولا بتوزيعهم الجغرافي، فهذه مهمة الإحصاءات والدراسات السكانية، لكنها تخبرنا بشيء لا تستطيع الأرقام أن تقوله، وهو كيف عاش الناس الهجرة وكيف أحبوها أو خافوا منها وكيف غيرتهم وكيف غيرت علاقتهم بالوطن وبالآخرين وبأنفسهم. لعل هذه هي القيمة الحقيقية للسينما، فهي لا تحفظ ذاكرة الأحداث فحسب، وإنما تحفظ أيضًا ذاكرة المشاعر، وتذكرنا دائمًا بأن الهجرة تبدأ أحيانًا بخطوة خارج الوطن، لكنها تنتهي دائمًا برحلة طويلة داخل الإنسان.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...
- من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماع ...
- هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-احتراق مقر فيلق ثأر الله الإيراني جراء ضربات ...
- مع تصاعد التوتر.. أين تقع مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن؟
- بعد تقارير عن صواريخ باتريوت.. بولندا تعلن عدم وجود إمدادات ...
- هل يمكن تحليل نشاط الدماغ لتحسين أداء الرياضيين؟
- لبنان يفاوض إسرائيل في روما وعون يعوّل على ترامب.. اختبار حق ...
- استطلاع: 4 من كل 5 أمريكيين يتوقعون حربًا طويلة مع إيران
- بسعر زهيد.. عرض قرية ألمانية كاملة للبيع في ولاية تورينغن!
- تحركات عسكرية مصرية تركية تقلق إسرائيل
- البحرين: السجن المؤبد لثلاثة مدانين بالتخابر مع الحرس الثوري ...
- مستقبل البشرية بين فلسفتي -الصفقة- و-الدولة-


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - الهجرة والاغتراب في السينما المصرية