أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جهاد حمدان - عمرٌ واحدٌ أم عُمران والشمس والقمر يحسبان؟














المزيد.....

عمرٌ واحدٌ أم عُمران والشمس والقمر يحسبان؟


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 04:47
المحور: كتابات ساخرة
    


بدأت القصةُ بفضولٍ بسيط؛ أردتُ أن أحسبَ عدد السنين التي مرت على رحيلِ "فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة" أبي حيان التوحيدي، صاحب "الإمتاع والمؤانسة" و"أخلاق الوزيرين". عدتُ إلى المصادر، فوجدتُ أن التاريخَ المتفق عليه لوفاته هو عام 414 هجري. وبحسبةٍ بسيطة، قلتُ في نفسي: سأحسبُ كم مرَّ من الزمن منذ ذلك الرحيل، وسأذكرُ التاريخَ بالتقويمين؛ الهجري (تقويم القمر الرشيق) والميلادي (تقويم الشمس الوقور).
وهنا.. وقعتُ في الفخ!
حين بدأتُ الحساب، اكتشفتُ أنني أمام "متاهةٍ زمنية". فبناءً على التقويم الهجري الذي نحن فيه الآن (عام 1448 هـ)، يكون قد مرَّ على رحيل التوحيدي 1034 سنة قمرية. ولكن، حين انتقلتُ للتقويم الميلادي (الذي يوافق وفاة التوحيدي عام 1023 م)، وجدتُ أنَّ الزمنَ المنقضي هو 1003 سنوات شمسية فقط!
هنا كانت المفارقة: ثلاثون سنةً كاملة من الفرق بين الحسابين! وكأنَّ التوحيدي رحل في زمنين مختلفين تماماً. هل رحلَ قبل ألفٍ وأربعٍ وثلاثين سنة، أم قبل ألفٍ وثلاث سنوات؟ الإجابة الصحيحة هي: "نعم" لكليهما! فالتوحيدي، بذكائه الذي أرهق به أرباب زمانه، يبدو أنه اختار أن يرحل في المنطقة الرمادية بين الشمس والقمر، ليترك لنا نحن اللاحقين حيرةً لا تنتهي بين حسابات الفلك وسجلات التاريخ.
وهذه الورطة الرقمية لم تعد حبيسةَ الكتب أو حصراً على "أبي حيان"، بل صارت تطاردني في حياتي اليومية. فبينما أنا في عامي الثاني والسبعين (بالتوقيت الشمسي)، واجهني صديقٌ بسؤالٍ مباغت: "كم عمرك يا دكتور جهاد حمدان؟". فأجبته بكل ثقة: "بلغتُ الثانية والسبعين". جحَرني الصديقُ بنظرةٍ فاحصة ثم قال: "لا بد أنك تمزح! هل تقصد بالسنين الميلادية أم الهجرية؟".
تجمدتُ في مكاني! فلو احتسبتُ عمري هجرياً (بما أنني مولود في 30 تموز 1954 م)، لوجدتُ أن عمري أربعةً وسبعين عاماً هجرياً بتاريخ 30 تموز 2026 م أي أنني "أكبر" من نفسي بأكثر من عامين كاملين!
أكملتُ لصديقي مازحاً: "يبدو أنني أعيشُ في زمنين؛ زمنٌ تؤكد لي فيه الشمسُ أنني في الثانية والسبعين، وزمنٌ يصرُّ فيه القمرُ على أنني استهلكتُ عمري المهني قبل الأوان". والحقيقةُ أنَّ هذا التناقض يتجاوز الرقمَ ليمسَّ "جوهر الأيام"؛ فبينما يمنحني العمر الشمسي 26,298 يوماً من العيش، يأتي القمرُ ليخبرني أنني كبرتُ "74 عاماً" اشتملت على 26,222 يوماً فقط! وهكذا نجد أنفسنا في عالمنا العربي والإسلامي نحسب بداية ونهاية كل شيء وفق دورتين مختلفتين، فصار لكل شيءٍ عُمران. وهكذا لا عجب أن نختلف على عدد السنين التي مرت على حرب العبور عام 1973 تبعا للتسمية التي نختارها: "حرب تشرين" أو "حرب رمضان" و غيرها من الأحداث؛ فالتاريخ عندنا ليس "حدثاً" بقدر ما هو "توقيت"، والتوقيت عندنا "قرار" يمكن أن تحدد السلطات مرجعيته.
لكنَّ الطرفةَ الكبرى بالنسبة لي تكمنُ في "ساعة الحقيقة"؛ أي موعد التقاعد. تخيلوا لو أنَّ إداراتِنا قررت ذات يومٍ "دكتاتوريةَ الزمن"، وفرضت الحساب القمري بدلاً من الشمسي في قرارات إنهاء الخدمة! لكنتُ أنا وغيري ضحايا لسرعة القمر الفائقة. لو اعتمدت الجامعةُ الأردنية، التي بدأتُ رحلتي فيها طالباً عام 1972 م، وعضواً في هيئة تدريسها منذ 1994 م وحتى تقاعدي عام 2024 م، الحسابَ القمري، لكنتُ قد ودعتُ مكتبي قبل عامين كاملين من اليوم الذي غادرتُ فيه، فقط لأن "الهلال" قرر أنني كبرتُ عامين إضافيين في ليلةٍ وضحاها. إنها "خديعةٌ فلكية" بامتياز؛ فهذا الفرق الفلكي ليس مجرد رقمٍ عابر، بل هو "قصفٌ منظم" للمسيرة المهنية. إنه يعني خصماً جائراً من سنوات احتساب الضمان الاجتماعي، ونهباً لمكافأة نهاية الخدمة بفضل تسارعِ الأهِلّة.
نحن في الحقيقة نملكُ أياماً نمضيها في العمل والكدّ، ولكننا لا نملكُ عُمراً واحداً نعتمدُ عليه. نحن نراوغُ الزمن، وهو يراوغنا؛ يخاتلنا القمرُ كلما تقدمنا في السن، وتراقبنا الشمسُ وهي تعيدُ حساباتنا ببطءٍ شديد.
آن الأوان أن نبتسم لهذه المفارقة. فبدلاً من أن ننشغل بكوننا "شُبّان الشمس" أو "شُيوخ القمر"، لنترك التوقيت لعلماء الفلك.. لعلنا في نهاية المطاف ما زلنا أنتمتع بالنضارة، بشرط أن نتوقف عن سؤال القمر عن أعمارنا، ونكتفي بابتسامة الشمس وهي تشرق كل صباح، لتذكرنا بأن العمرَ الحقيقيَّ ليس في الأرقام، بل في عددِ المرات التي صحونا فيها في الصباح والدم يتدفق في عروقنا، والابتسامة تعلو مُحيّانا!



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محنة العقل: تتغير الأماكن والأزمان ولا يتغير بطش السلطان
- قراءة لغوية نفسية في رواية روبنسون كروزو: اللغة كأداة للهيمن ...
- حملة مكافحة الفساد في العراق بين فك الاشتباك السياسي وتصفية ...
- إن غدا لناظره قريب وسيسقط اتفاق الإطار كما سقط اتفاق 17 أيار
- الذكرى السابعة والستون لاستشهاد فرج الله الحلو: الأيقونة الت ...
- ستارمر يستقيل قبل أن تتحرك بوارجه نحو هرمز
- مشاركة أكاديمية وسياسية واسعة في فعالية اليوم العالمي للحوار ...
- سيرة كلمة: -بنك- وعطلة البنوك
- تأملات فلسفية لمرآة جندرية
- قراءة لغوية تداولية في قصيدة ظفر الرهان للشاعر محمد خالد الن ...
- ألبانيا تنتفض ضد استعمار رأس المال وجرافات كوشنير
- قراءة لسانية رمزية في قصيدة -وشمٌ في القلب- للشاعر نضال برقا ...
- هل اضطر ترامب للاستماع إلى إيران فأوقف إطلاق النار في لبنان؟
- كومونة باريس: فجر الطبقة العاملة وشعلة البروليتاريا
- نحتفي بالاستقلال ونحرس البوصلة
- وجوه وأقنعة: ذكريات من مطعم الجامعة الأردنية
- قراءة فايز ابراش النقدية في قصة -آه يا زريفة- لجهاد حمدان
- على هامش زيارة ترامب للصين: المسلمون مسيرة عابرة للتاريخ
- ستارمر بين تصدعات وستمنستر ومياه هرمز: مناورة جيوسياسية أم ا ...
- عولمة التقشف وتآكل الحماية الاجتماعية: مقاربة نقدية بين المر ...


المزيد.....




- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...
- إرث التراث والحداثة.. ما تركه الأمير الوالد للثقافة العربية ...
- وزير السياحة يعلن دخول مصر قائمة الكبار عالميا
- بعد عقود من الإغلاق.. البيت السويسري في قصر كوسكوفو يفتح أبو ...
- EUObserver: قمة أنقرة تحولت إلى مسرحية هزلية تبادل فيها قادة ...
- تعددت الروايات -من المونديال للموت-.. أول تعليق لوالد اللاعب ...
- جدل واسع حول تصريحات الممثلة جوري بكر بشأن زواج ذوي الهمم
- مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا ...
- تريتياكوف يجمع أشهر روائع بوريسوف-موساتوف في معرض استثنائي ( ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جهاد حمدان - عمرٌ واحدٌ أم عُمران والشمس والقمر يحسبان؟