أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جهاد حمدان - محنة العقل: تتغير الأماكن والأزمان ولا يتغير بطش السلطان














المزيد.....

محنة العقل: تتغير الأماكن والأزمان ولا يتغير بطش السلطان


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 04:48
المحور: قضايا ثقافية
    


لا تُعدُّ محنة أبي حيان التوحيدي، أو نفيُ ابن رشد، أو مأساة الحلاج وابن المقفع، أو حتى محاكمة طه حسين، حوادثَ عرضيةً في تاريخنا الثقافي؛ فهي أعراضٌ لمرضٍ عضالٍ أصاب علاقة العقل بالسلطة في التجربة العربية.في تاريخنا نصيبٌ وافرً للمحن، ولاحتكار"الحقيقة" التي تبنتها السلطة، سواء كانت سلطةً دينيةً، سياسيةً، بيروقراطيةً أو نيوليبرالية.
أولاً: مأزق الدور.. حين تُصادرُ السلطة استقلالية المثقف
لم تكن السلطةُ العربيةُ يوماً محايدةً تجاه الفكر. فقد قامت الدولة منذ العصور الوسيطة وصولاً إلى الدولة الوطنية الحديثة على عقيدة التوجس من كل فكرٍ نقدي يهددُ مركزيةَ القرار. هنا يبرزُ مأزقُ المثقف الذي يسعى لربطِ فكرهِ بهمومِ المجتمعِ وقضايا العدالة، بينما تصرُّ السلطةُ على حصرِ دوره في "الشرعنة"؛ وهي عمليةُ إضفاءِ صبغةِ القبولِ العقلي والأخلاقي على قراراتِ الحاكم، وتحويلِ المثقفِ من صاحبِ فكرٍ مستقلٍّ إلى "مُسوِّغٍ" لسياساتِ السلطة، يُجمّلُ واقعَها، ويُحوّلُ قراراتِها إلى نظرياتٍ تبدو رصينةً لتخفيفِ مقاومةِ المجتمع. وعندما يرفض المثقفُ أن يكون "ورّاقاً"، بتعبير التوحيدي، أو موظفاً، بتعبيرنا المعاصر، يصير فوراً مصدراً للتهديد وجب قمعه.
ثانياً: نماذجُ المحنة.. حين تغتالُ السلطة العقل والروح
تنوعت أشكالُ الاستئصال الفكري والروحي عبر التاريخ، لتشملَ كلَّ من حاول كشفَ الحقيقةِ ورفضَ الانصياعِ لسطوةِ المؤسسة، وصولاً إلى التصفية الجسدية:
ابن المقفع: المعلمُ الأول الذي حاول هندسةَ الفكرِ بذكاءٍ أدبيٍّ رفيع
لم تُطق السلطة ناصحاً يمتلكُ من البيانِ ما يفضحُ عوارَها، فارتكبت بحقه تصفيةً جسديةً وحشية، لتُسكتَ صوتاً ظنَّ أنَّ الكلمةَ الرصينة كفيلةٌ بتهذيبِ الجبروت.
الحلاج: ذروةَ الصدامِ بين المؤسسة والفرد العارف
لم تكن محنتُه خلافاً عقدياً، بل صراعاً على سلطة المعنى؛ إذ رأت السلطةُ في رؤاهُ الصوفية التي تجاوزت الأطرَ الرسمية تهديداً لمركزيتها، فصلبته وأحرقت جسدَه، معلنةً أنَّ أيّ روحٍ لا تدورُ في فلكِها مآلها الفناء.
ابن رشد والتوحيدي
جُوبه الأول بالفقيه الذي استدعى سيفَ السلطان لإنهاءِ مشروعهِ العقلاني، وواجه الثاني الوزيرَالصاحب بن عبّاد الذي استدعى سياطَ الإذلال لكسرِ كرامتهِ الروحية. عانى كلاهما من محاولةِ السلطة إخضاعِ الفكرِ والمنطقِ لخدمةِ أجندتها.
طه حسين
واجه بـ "منهجه النقدي" مؤسسةً اجتماعيةً متصلبة حاكمته بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي" في محاولةً من السلطة لترهيبِ كلِّ صوتٍ يمسُّ الأسسَ التي تبني عليها سطوتَها، مقدمة مثالا على قدرتها، بتحالفاتها التقليدية، على تفعيلِ آلياتِ العقابِ ضد العقل.
ثالثاً: السلطة تستبدلُ محاكم التفتيش بمحاكم القوانين
يتطلبُ فهمُ القمعِ إدراكَ تحوّلِ أدواتهِ. كانت السلطةُ في الماضي تستخدمُ الفقيهَ ذراعاً أيديولوجياً لتكفيرِ المخالفِ وشرعنةِ إقصائه.
أما اليوم، فقد ألبست السلطةُ استبدادَها ثوباً قانونياً. لم تعد التهمةُ هرطقةً، بل أصبحت مخالفةً للقوانين، تهديداً للأمن القومي، أو إخلالاً بالسلم المجتمعي. إنّ قوننة القمع أخطرُ بكثير من القمعِ الغوغائي؛ فهي تمنحُ السلطةَ غطاءً شرعياً يبدو في ظاهره متحضراً، ويهدف في جوهره إلى تحويل المثقف إلى مجرمٍ قانوني في كل مرة يحلو لها فيها أن تزعم أنّه خرق تابوهاتها.
رابعاً: السلطة تضع المثقف بين مطرقة التهميش وسندان التغييب
أنتجت السلطة المعاصرة، عبر نشر ثقافةِ الاستهلاك، استراتيجيةَ الإغراق بالمحتوى التافه؛ فبينما تُقيّد القوانينُ الحادةُ حريةَ المثقف وتُغلقُ منابره، تُغرقُ السلطةُ الفضاءَ العامَ بسيلٍ من المعلوماتِ والترفيه الممنهج الذي يصرفُ الناسَ عن القضايا الجوهرية. وقد دفعت هذه السياسةُ بعض المثقفين إلى عزلةٍ قسرية، إذ وجدوا أنفسَهم محاصرينً ببيروقراطيةٍ تمنعهم من التأثير، وبواقعٍ اجتماعيٍّ مشغولٍ بالتفاهةِ عن سماعِ صوتهم، مما جعلُ نتاجَهم الفكريَّ معزولاً قليل التأثير.
الخاتمة: سلسلةُ الأحرارِ في مواجهةِ القمعِ المستمر
ليست محنةُ العقلِ اليوم حكراً على قمع السلطة، فالمجتمعُ، بفعلِ التضييقِ والإلهاء،بدأ يفقدُ القدرةَ على الإنصات. وتؤكدُ استمراريةُ هذا التاريخِ من المحنِ أنَّ السلطةَ لم تتغير في جوهرِها، لكنها جعلت القمعَ أكثرَ ذكاءً وأقلَّ صخباً.
مع ذلك، يظلُّ المثقفُ العضويُّ حارسَ المعنى الذي يرفضُ أن يُدجّن. فمحنتَه التاريخية، من ابن المقفع والحلاج، مروراً بالتوحيدي وابن رشد، وصولاً إلى طه حسين، ليست فصلاً من فصولِ الفشل، إنما مدرسةٌ للوعي، تُثبتُ أنَّ الحقيقةَ عصيّةٌ على القوانين، وأنَّ الإنسانَ يظلُ حراً بمقدار رفضه أن يكون وراقاً في بلاطِ أحد، ومُصراً على أن يظلَّ صوتاً خارجَ القطيعِ وخارجَ سلطةِ الوصايةِ، مهما كانت ضريبةُ ذلك.



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لغوية نفسية في رواية روبنسون كروزو: اللغة كأداة للهيمن ...
- حملة مكافحة الفساد في العراق بين فك الاشتباك السياسي وتصفية ...
- إن غدا لناظره قريب وسيسقط اتفاق الإطار كما سقط اتفاق 17 أيار
- الذكرى السابعة والستون لاستشهاد فرج الله الحلو: الأيقونة الت ...
- ستارمر يستقيل قبل أن تتحرك بوارجه نحو هرمز
- مشاركة أكاديمية وسياسية واسعة في فعالية اليوم العالمي للحوار ...
- سيرة كلمة: -بنك- وعطلة البنوك
- تأملات فلسفية لمرآة جندرية
- قراءة لغوية تداولية في قصيدة ظفر الرهان للشاعر محمد خالد الن ...
- ألبانيا تنتفض ضد استعمار رأس المال وجرافات كوشنير
- قراءة لسانية رمزية في قصيدة -وشمٌ في القلب- للشاعر نضال برقا ...
- هل اضطر ترامب للاستماع إلى إيران فأوقف إطلاق النار في لبنان؟
- كومونة باريس: فجر الطبقة العاملة وشعلة البروليتاريا
- نحتفي بالاستقلال ونحرس البوصلة
- وجوه وأقنعة: ذكريات من مطعم الجامعة الأردنية
- قراءة فايز ابراش النقدية في قصة -آه يا زريفة- لجهاد حمدان
- على هامش زيارة ترامب للصين: المسلمون مسيرة عابرة للتاريخ
- ستارمر بين تصدعات وستمنستر ومياه هرمز: مناورة جيوسياسية أم ا ...
- عولمة التقشف وتآكل الحماية الاجتماعية: مقاربة نقدية بين المر ...
- بكم تزهو الكراسي الدوّارة


المزيد.....




- أمريكا تكشف عن مقاطع فيديو رُفعت عنها السرية للأجسام الطائرة ...
- عون: لبنان سيمضي في المفاوضات
- الجثث المجهولة الهوية.. فصل معاناة جديد
- وزير الخارجية الإيراني يزور سلطنة عُمان لبحث تطورات مضيق هرم ...
- الجيش الصومالي يصدر بيانا بعد فيديو مهين لأمريكا
- 5 أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي يعلنون توصلهم لاتفاق مع البي ...
- -ميدل إيست أي-: روسيا لم تظهر أي عداء عسكري تجاه أي دولة في ...
- واشنطن تخطط لبناء أسطول جوي حكومي خاص بالترحيل ونقل المسؤولي ...
- الدبلوماسية تعود إلى الواجهة بعد يومين من الضربات المتبادلة ...
- جهود لإحياء الوساطة... ترامب يوافق على استئناف المفاوضات وطه ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جهاد حمدان - محنة العقل: تتغير الأماكن والأزمان ولا يتغير بطش السلطان