أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جهاد حمدان - بكم تزهو الكراسي الدوّارة














المزيد.....

بكم تزهو الكراسي الدوّارة


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 00:49
المحور: الادب والفن
    


لم يكن هاتف "أبو المجد" قد توقف عن الرنين والاهتزاز منذ أن تسرّب خبر ترفيعه. في تلك اللحظة الفارقة، وبمجرد أن قرأ اسمه مقترناً بلقبه الجديد، منتقلاً من رتبة "مدير قسم" إلى "مدير دائرة" في إحدى الصحف اليومية المعروفة، حدث له تحول فيزيولوجي ونفسي مفاجئ؛ اعتدلت قامته تلقائياً، وتنحنح بصوت جهوري لم يعهده من قبل، وشعر بأن نظارته الطبية لم تعد تليق إلا بنظرات ثاقبة تتأمل مستقبل المؤسسة المشرق على يديه.
​جلس على أريكته يفرز إشعارات التطبيقات، يتنقل بخفة جنرال منتصر بين رسائل "الواتس" و"الماسنجر" كمن يفرز غنائم الحرب. كانت رسائل أصدقائه الحقيقيين تبدو باهتة ومخيبة لآماله الجديدة؛ رسائل مقتضبة تقول: "مبروك يا أبو المجد، الله يعينك على هالمسؤولية". أحس بضيق من هذه الكلمات الجافة التي تخلو من أي إيقاع موسيقي يليق بعظمة المرحلة.
​لكن ما كان يطرب أذنيه، هو ذلك السيل الجارف من رسائل "ماسحي الجوخ" المحترفين، أولئك الذين يمتلكون قدرة عجيبة على مطّ حرف الواو في كلمة "مبروووووووك" لتبدو وكأنها زفة موسيقية بحد ذاتها. قرأ رسالة أحدهم بابتسامة عريضة: "الرجل المناسب في المكان المناسب، والله إن المناصب بكم تزهو، والكرسي قد نال شرف جلوسكم عليه". للحظة، تخيل "أبو المجد" أن الكرسي في مكتبه الجديد يبتسم له فعلاً بانتظار قدومه الميمون!
​وفي مكان آخر من هذا المشهد، كان "ممدوح"، كبير سدنة النفاق، يعيش حالة من الطوارئ القصوى. ممدوح لا يترك شيئاً للصدفة، فهو يمتلك أرشيفاً كاملاً للقص واللصق. بأصابع ترتجف من فرط الحماس ليكون أول المهنئين، قام بنسخ أفخم قالب لديه: "سيدي وصاحب الفضل، بكم تزهو المناصب وتشرئب الأعناق، أنتم القامة والقمة...". وبسرعة البرق، ضغط على زر "إرسال".
​لكن، في غمرة حماسه وتسرعه، انزلقت سبابته على شاشة الهاتف، لترسل هذه المعلقة بالخطأ للمسؤول السابق، "أبو طارق"، الذي صدر قرار إحالته على التقاعد في الصحيفة نفسها!
​في شرفة منزله، كان "أبو طارق" يرتشف قهوته الصباحية التي بدت أكثر مرارة من المعتاد. اهتز هاتفه برسالة ممدوح. أدرك الرجل بحدسه الإداري المخضرم حقيقة الأمر. ابتسم بمرارة، وقرر أن يلقن هذا المنافق درساً صغيراً، فكتب له:
"أهلاً ممدوح. يبدو أن رسالتك قد ضلت طريقها. عن أي مناصب تتحدث يا عزيزي؟ هل تقصد كرسي الخيزران في شرفة منزلي الذي يزهو بي الآن؟ وفر كلماتك لمن يجلس على الكرسي الدوار، وبلغه تحياتي".
​أما ممدوح، فبعد أن تمنى لو تنشق الأرض وتبلعه، مسح العرق عن جبينه ورد بسرعة محاولاً "ترقيع" الكارثة: "العفو يا سيدي! قصدت أن المناصب هي التي كانت تزهو بكم، والآن التقاعد هو الذي سيزهو بقامتكم!". ثم، وبدون تضييع ثانية، نسخ الرسالة الأولى وأرسلها لـ "أبو المجد"، المدير الجديد، مع إضافة خبيثة: "أعانكم الله على تنظيف تركة من سبقكم!".
​ابتسم أبو المجد بانتشاء. وفي تمام الثامنة صباحاً، كان يخطو أولى خطواته داخل مبنى الدائرة الحكومية. ولأنه يقفز لأول مرة إلى كرسي "مدير دائرة التحديث الإداري"، توقع أن يجد نظرات الرهبة والانبهار. لكن ما وجده كان موظفين يركضون للحاق بجهاز البصمة، وعامل نظافة يمسح الأرضية بملل دون أن يرفع رأسه.
​توجه بخطوات ثقيلة نحو جناحه الإداري. هناك، كان في استقباله "صابر"، مدير المكتب المخضرم. قال أبو المجد بصوته الجهوري: "صباح الخير يا صابر. أتمنى أن تكون ملفات التحديث جاهزة، أمامنا مرحلة حاسمة من التغيير الجذري!".
​رد صابر بنبرة رتيبة: "صباح النور عطوفتك. أهلاً وسهلاً. البريد المستعجل جاهز لتوقيع مغادرات الموظفين، ومندوب الصيانة سيأتي بعد قليل لإصلاح تسريب الماء في حمام الإدارة".
​دخل أبو المجد مكتبه الفسيح، وتوقف لثانية يتأمل الكرسي الحكومي الدوار الذي "تزهو به المناصب". استدار وجلس عليه ببطء، مغمضاً عينيه ليتشرب عظمة السلطة. تمايل قليلاً إلى الخلف... فصدر عن الكرسي صرير معدني حاد، متبوعاً بهبوط اضطراري وميلان حاد إلى جهة اليسار كاد أن يلقي بصاحب العطوفة على الأرض!
​تثبّت أبو المجد بحافة المكتب وقلبه يخفق بشدة. وفي تلك اللحظة الحرجة، رن الهاتف الداخلي، فجاءه صوت صابر ببروده المعتاد:
"عذراً عطوفتك، نسيت أن أحذرك. زمبرك الكرسي الدوار مكسور ومائل منذ عهد المدير السابق، والإدارة المالية تماطل في الموافقة على طلب شراء كرسي جديد..".
​أضاءت شاشة هاتف أبو المجد برسالة جديدة على "الماسنجر" تقول: "هنيئاً للمنصب بك، فأنتم السند والعماد الذي تتكئ عليه الدائرة!".
​نظر أبو المجد إلى الرسالة، ثم إلى كرسيه المائل، وقبض على حافة المكتب بقوة ليحافظ على توازنه، وأجاب صابر بصوت فقد الكثير من وقاره:
"لا بأس يا صابر.. سأبقى هنا. يبدو أن أولى مهام التحديث الإداري في هذه الدائرة، هي أن أتعلم كيف أميل مع الكرسي الدوار لأتمكن من المحافظة عليه وعلى توازني، خصوصاً وقت اتخاذ القرارات التي تستعصي.. على التدوير



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد إيران.. هل يهرب ترامب إلى الأمام ويهاجم كوبا؟
- ألشيخ الأحمر والاحتفال بعيد العمال مرة أخرى
- كوبا والصين... شراكة تحت الشمس تكسر الحصار الأمريكي
- صديقي الوحداتي حسين الحلو
- مفاوضات شراء الوقت بين لبنان وحكومة الكيان في أتون الصراع ال ...
- شهداء هبة نيسان المجيدة ومعتقلوها منارات خالدة يهتدي بنورها ...
- الذكرى السابعة والثلاثون لهبة نيسان المجيدة في الوجدان الأرد ...
- في الذكرى السابعة والثلاثين لهبّة نيسان المجيدة: صفحة من مذك ...
- بعد الصواريخ العنقودية.. إيران تشن هجوماً بـمُسيّرات النحل ع ...
- وهم -الاتفاق التاريخي- مع لبنان
- يوم العلم الأردني... يوم الوطن والشعب
- عالم يتمرّد: أمثلة غير مسبوقة على تراجع الهيمنة الأمريكية في ...
- زلزال بودابست: نهاية حقبة أوربان وتداعياتها على أوروبا والشر ...
- انكسار الغطرسة الإمبريالية: طهران تفرض شروطها وتخبط صهيوني ل ...
- وهم استقلال تايوان الكرتوني بين مطرقة التاريخ وسندان الجغراف ...
- ماذا جنى العالم من حرب ترامب-نتنياهو على إيران؟
- قانون إعدام الأسرى: قفزة فاشية صهيونية في وجه حق الفلسطينيين ...
- الذكرى الخمسون ليوم الأرض في الوجدان الفلسطيني أينما حلّ
- على هامش رحيل الفنان أحمد قعبور
- هل وصلت مقامرة ترامب-نتنياهو ضد إيران إلى طريق مسدود؟ وهل نح ...


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جهاد حمدان - بكم تزهو الكراسي الدوّارة