أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جهاد حمدان - ألشيخ الأحمر والاحتفال بعيد العمال مرة أخرى














المزيد.....

ألشيخ الأحمر والاحتفال بعيد العمال مرة أخرى


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 00:13
المحور: الادب والفن
    


لمناسبة عيد العمال، الأول من أيار عام 2019، نشرت المقال أدناه، وثقتُ فيه مشهداً أثر في نفسي لشيخ جليل لم أكن أعرف هويته آنذاك، لفت نظري بصموده وإصراره على حمل الراية، سميته حينها "الشيخ الأحمر". واليوم، بعد أن عرفت من هو، أعيد نشر المقال كما كتبته حينها، لأختمه بتعريف مقتضب يليق به.
أيار 2019
عدت للتو من فعالية مهمة نظمها الملتقى الوطني للأحزاب والقوى القومية واليسارية الأردنية. سأخط هنا جانبا يسيرا من انطباعاتي وما تركته هذه الفعالية من أثر عميق في نفسي.
تجمّع المشاركون أمام مكتبة الأمانة وسط العاصمة عمان. بسرعة وجدت نفسي ورفيقي، الذي يشاركني الكدح بذهنه في عالم الأكاديميا، وسط المشاركين بل أقرب إلى المقدمة. الرايات الحمراء ترفرف فوق الرؤوس فتملؤني زهوا. كيف لا وهي من جادت عليّ فأعطتني لونها وأنا لم أكمل السادسة عشرة. أما الهتافات فتركزت حول التخلص من سطوة رأس المال وسن قانون عمل يحمي حقوق العمال ويزيل ما لحق بهم من ظلم، علاوة على المطالبة بفك الارتباط مع صندوق النقد الدولي. ولكن الهتاف الأكثر أصالة وامتدادا في تاريخ النضال الوطني والطبقي في الأردن فكان "خبز، حرية، عدالة اجتماعية". وأكاد أجزم أن هذا الهتاف، الشعار، هو ما حرّكني شابا لأراني كما أنا اسما ولونا.
تحرك المشاركون وصولا إلى الساحة الهاشمية وتوالت الهتافات وتبعتها الخطابات. لحظتُ رفاقا وأصدقاء قدامى حييت إيماء من لم أجاورهم الوقوف وصافحت من وجدتني بجانبهم. موقف واحد شدّني ولم أستطع منه فكاكا.
وقع نظري، مرة واحدة هكذا، على شيخ كبير يرفع راية حمراء كبيرة تحمل المطرقة والمنجل، ثبّت ساريتها في وسطه علّ حزامه يساعده على إبقائها مرفوعة خفاقة أطول فترة ممكنة. لفتّ انتباه رفيقي إلى هذه المشهدية وسألته كم تقدّر عمر الشيخ فقال أظنه ناف عن التسعين.
ما الذي حمل هذا الشيخ الأحمر الجليل تجشّم مشاق النزول إلى وسط البلد ووصول مكان الفعالية والانضمام إلى جموع المشاركين؟ بل ما الذي حمله ليذهب إلى الشاب المسؤول عن الرايات ليأخذ راية كبيرة قد يخذله جسمه النحيل فلا يتمكن من الوفاء بمتطلبات احتضانها ورفعها عالياً لمدة قد تطول أو تقصر؟ لم أشهد كامل هذا السيناريو الذي حاكه مِخيالي، لكنني أظن انّ الشاب، الذي ناوله الراية، لم ينبس بكلمة قد تجرح كرامة الشيخ فتشعره بضعفه الجسدي. وربما كان مثلي يرقبه عن بعد معجبا بصنيعه ويريده أن ينجح في مهمته.
لم يشهد إرنست همنغواي ما شهدْتُه عندما كتب رائعته الشيخ والبحر. كان سانتياغو في عمر شيخنا عندما عانده البحر أربعة وثمانين يوما. يمتطي مركبه مع أنفاس الصباح الأولى ويعود بعد أن يرخي الليل سدوله دون أن يصطاد سمكة واحدة. لم يسمح لليأس أن يتسلل إلى قلبه وعزيمته. فتابع ركوب البحر ليلْحَظ ابتلاع سمكة عملاقة لخطافه. تحاول السمكة الفكاك، تتمرد على حظها، تجرّب قلب القارب وسانتياغو يكافح إلى أن ظهرت إلى السطح فيطعنها بحربته فتهدأ ويربطها إلى قاربه. ويبدأ رحلة العودة مزهوا بانتصاره. ولكن فرحته لم تكتمل فرائحة الدم حرّكت شهوة أسماك القرش فأخذت تنهش حلم سانتياغو، سمكة المارلين العملاقة. واستمر الصياد في رحلة العودة. وعندما وصل كان الفجر قد بزغ. ويا لهول المفاجأة. لم يبق من السمكة إلا هيكلها العظمي. نظرها سانتياغو بألم وحسرة. غلبه التعب، ركن قاربه ونام. فموعده الغد في رحلة كفاح جديدة.
عودة إلى شيخنا الأحمر. فعقده التاسع ينبئ أنه من عمر الرايات الحمراء في بلادنا. ربما رفعها أول مرة في نيسان ١٩٥١ وربما قبل ذلك. وربما شارك في رفعها في فعاليات انتخابات ١٩٥٦، التي حملت اثنين من رفاقه إلى سدة البرلمان، يعقوب زيادين وفايق ورّاد، وأتت بحكومة سليمان النابلسي التي عبرت عن رغبة الشعب في بناء أردن ديموقراطي وفي الخلاص من التبعية الأجنبية. ولم تطل فرحة الشيخ فأطاحت أسماك القرش بحكومة الشعب. ربما كان شيخنا بين من سيقوا بعدها إلى سجن الجفر الصحراوي حيث قضى حملة الرايات الحمر ثماني سنوات متصلة. ومن يدري فقد يكون شيخنا ممن أعادوا رفع الراية في هبة نيسان ١٩٨٩. ولكن مكتسبات الهبة لم تطُل. وعادت أسماك القرش لتنهش المكتسبات فأتت ببدعة الصوت الواحد وتراجعت الحرية والديموقراطية. لم ييأس الشيخ. ظلّ صامدا تعلو الراية هامته حتى انتهاء الفعالية. غادرْتُ المكان ولم أعرف اسم الشيخ ولم أحادثه، لكنه صنع لي مساء جميلا رائعا. خِلْتُه قال لي وهو يبتسم دون أن يعرف اسمي ودون أن يراني: أجل، ما زلنا نقبض على الحلم، ما هُنّا يوما ولن نهون. وأراني رددت تحيته وقلت له شيئا يشبه ما أنهى به سانتياغو يومه الصعب: قد تتباطأ خطواتنا ونخسر بعض معاركنا لكن لا شيء في هذا العالم قادر على قهرنا وهزيمتنا.
أيار 2026
أما "الشيخ الأحمر" الذي ألهمني في ذلك اليوم، فلم يكن إلا الرفيق حسين سعيد عوض الله (1931-2021) الذي كرس حياته للعمل الوطني والطبقي ضمن صفوف عصبة التحرر الوطني ووريثها الحزب الشيوعي الأردني، مكابداً مرارة الاعتقال في سجني المحطة والجفر في الخمسينيات، قبل أن يقضي عقوداً من حياته في العمل السري ضمن فريق "الجهاز" المسؤول عن المطبعة وإصدار جريدة الجماهير والكراسات الحزبية وتوزيعها، متخفياً بأسماء مستعارة حتى عام 1989، ثابتاً على عقيدته النضالية التي لم يتزحزح عنها حتى آخر يوم في عمره.



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كوبا والصين... شراكة تحت الشمس تكسر الحصار الأمريكي
- صديقي الوحداتي حسين الحلو
- مفاوضات شراء الوقت بين لبنان وحكومة الكيان في أتون الصراع ال ...
- شهداء هبة نيسان المجيدة ومعتقلوها منارات خالدة يهتدي بنورها ...
- الذكرى السابعة والثلاثون لهبة نيسان المجيدة في الوجدان الأرد ...
- في الذكرى السابعة والثلاثين لهبّة نيسان المجيدة: صفحة من مذك ...
- بعد الصواريخ العنقودية.. إيران تشن هجوماً بـمُسيّرات النحل ع ...
- وهم -الاتفاق التاريخي- مع لبنان
- يوم العلم الأردني... يوم الوطن والشعب
- عالم يتمرّد: أمثلة غير مسبوقة على تراجع الهيمنة الأمريكية في ...
- زلزال بودابست: نهاية حقبة أوربان وتداعياتها على أوروبا والشر ...
- انكسار الغطرسة الإمبريالية: طهران تفرض شروطها وتخبط صهيوني ل ...
- وهم استقلال تايوان الكرتوني بين مطرقة التاريخ وسندان الجغراف ...
- ماذا جنى العالم من حرب ترامب-نتنياهو على إيران؟
- قانون إعدام الأسرى: قفزة فاشية صهيونية في وجه حق الفلسطينيين ...
- الذكرى الخمسون ليوم الأرض في الوجدان الفلسطيني أينما حلّ
- على هامش رحيل الفنان أحمد قعبور
- هل وصلت مقامرة ترامب-نتنياهو ضد إيران إلى طريق مسدود؟ وهل نح ...
- العدوان على إيران وجماعة اضرب الظالمين بالظالمين
- الحرب العدوانية على إيران: هل يقول نتنياهو -آخ- أولاً؟


المزيد.....




- مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر ...
- في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما ...
- غموض يحيط بانفجار بيت شيمش.. والإعلام الإسرائيلي يشكك بالروا ...
- معرض كتاب الرباط 31.. نجاح تنظيمي تخدشه حوادث -منع- وجدل حول ...
- مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م ...
- مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا ...
- -اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع ...
- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...
- هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
- هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جهاد حمدان - ألشيخ الأحمر والاحتفال بعيد العمال مرة أخرى