أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جهاد حمدان - الذكرى السابعة والثلاثون لهبة نيسان المجيدة في الوجدان الأردني















المزيد.....

الذكرى السابعة والثلاثون لهبة نيسان المجيدة في الوجدان الأردني


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 20:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


سبعة وثلاثون عاماً انقضت منذ أن شقّ فجرُ الثامن عشر من نيسان عام 1989 عباءةَ الصمت العُرفي، معلناً ميلاد مرحلة جديدة في تاريخ الأردن المعاصر. لم تكن الشرارة التي انطلقت من حناجر سائقي الشاحنات في معان، لتمتد كالنار في الهشيم إلى إربد شمالاً مروراً بالكرك والطفيلة والسلط، مجرد "انتفاضة خبز" عابرة أو ردة فعل غريزية على قرارات رفع الأسعار واستجابة لإملاءات صندوق النقد الدولي. بل كانت، في جوهرها التحليلي والطبقي، انفجاراً حتمياً لتناقضات عميقة تراكمت عبر عقود من مصادرة الحريات، وتجلّياً ناضجاً لوعي وطني أدرك باكراً الترابط العضوي بين رغيف الخبز والكرامة الوطنية، وبين التبعية الاقتصادية وغياب المشاركة السياسية.
أولا: المحتوى الديمقراطي.. صدام المجتمع المدني مع السلطة البطريركية
لقد حاولت الماكينة الإعلامية الرسمية آنذاك، وبعض الأقلام المرتبكة، تسطيح الهبة ووسمها بـ"الشغب" أو حصرها في البعد المطلبي. لكنّ القراءة الموضوعية تؤكد أنّ نيسان كان إدانة جماهيرية صارخة لنظام اجتماعي-اقتصادي كرّس استقطاباً حاداً بين أقلية تحتكر الثروة والسلطة، وغالبية ساحقة من الطبقات الكادحة والمفقرة.
لقد كشفت الهبة عن نضوج موضوعي في البنية الاجتماعية الأردنية باتجاه تشكيل "مجتمع مدني" حقيقي، دخل في صدام تاريخي لا مفر منه مع الهياكل التسلطية وعقلية "السلطة البطريركية-الأبوية" التي كانت تدير البلاد بقوانين استثنائية وأدوات قمعية أثبتت عجزها المطلق أمام إرادة الجماهير العزلاء. كانت المطالب واضحة وجذرية: إلغاء الأحكام العرفية، إطلاق الحريات، تشكيل حكومة برلمانية، ومحاربة الفساد الذي نهب مقدرات البلاد.
ثانياً: التضحيات الجماهيرية واختطاف المنجزات ومأزق اليسار
إذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن الجماهير المنتفضة وطليعتها المناضلة هي من تدفع دائماً ضريبة التغيير؛ دماءً في الشوارع، وشهوراً وسنوات في الزنازين والمعتقلات. وفي المقابل، يبرز محترفو الانتهازية السياسية لاختطاف المنجزات وتجييرها لمصالحهم. لقد أدارت السلطة أزمتها بذكاء براغماتي، فامتصت الصدمة، وخرجت إلى الشعب بعباءة نيوليبرالية مزركشة بدل العباءة المقصبة التقليدية، مستغلة إياها لإعادة إنتاج ذاتها واحتواء الحالة الجماهيرية.
وفي تلك اللحظة المفصلية، خرج المناضلون الشيوعيون واليساريون من معتقلاتهم الصحراوية ليصطدموا بزلزال أممي عاصف تمثل في بوادر انهيار الاتحاد السوفيتي. هذا التقاطع التراجيدي بين الانفراجة المحلية والانكسار الأممي أحدث حالة من الفرز والاستقطاب والارتباك؛ فتراجع البعض وذاب في متاهات مُخرجات الإدارة السياسية للاقتصاد الريعي، وبحث آخرون عن عناوين سياسية تحت مظلة اليسار الديمقراطي الاجتماعي، وأحال البعض نفسه إلى التقاعد السياسي. وفي مفارقة مؤلمة، التحق شخوصٌ بفريق السلطة فاستخدمتهم، ليضعوا ما راكموه من خبرة في خدمة وحشية سياساتها النيوليبرالية!
وباستثناء حالات محدودة نجح فيها نواب يساريون في انتخابات المجلس النيابي عام 1989، على رأسهم الشيوعي عيسى مدانات، لم تتكرر الاختراقات إلا لماماً بعد فرض نظام "الصوت الواحد" بنسخه المختلفة. ومن فازوا لم يتعدوا أصابع اليد الواحدة على مدى عقود، ولم يخوضوا الانتخابات تحت المظلة المباشرة للحزب الشيوعي أو الأحزاب اليسارية المعارضة. وفي المقابل، ظلت جماعة الإخوان المسلمين وواجهتها الحزبية المرخصة تحرز نتائج ملموسة، مستفيدة من تحالفها الملتبس أحياناً مع النظام، ومن تراجع الفكر التنويري أمام هجمات الفكر الوهابي الذي ظل حتى عهد قريب يحظى بدعم السعودية، والفكر الإخواني الذي بسط حكمه بسرعة على مصر في الموجة الأولى من الربيع العربي.
وهناك، رغم ذلك، من كافح بصلابة لاستعادة دور الحزب وأمجاده النضالية، ونجح في توحيد الشيوعيين في حزب واحد يحاول اجتراح صياغة برنامج يمزج بين تجربة الشيوعيين الكفاحية وصمودهم الأسطوري زمن القمع والأحكام العرفية، وبين ظروف وتعقيدات النضال السلمي كحزب مرخص يعمل وفق قانون الأحزاب السياسية؛ وما فيه من نواقص تكبح النشاط الحزبي بدل أن تحفزه.
ثالثاً: الأزمة الراهنة.. حين يصبح الماضي مرآة للمستقبل
اليوم، ونحن نستعيد هذه الذكرى، لا نفعل ذلك من باب النوستالجيا، بل من موقع الاشتباك مع واقعٍ بات أكثر قتامة مما كان عليه عشية هبة نيسان. إن التراجع المنهجي عن استحقاقات التحول الديمقراطي أعاد البلاد إلى المربع الأول، بل إلى ما هو أسوأ.
ها هي الأرقام تتحدث بلغة الكارثة: مديونية تجاوزت الـ 47 مليار دينار (119% من الناتج المحلي الإجمالي)، وتغول غير مسبوق لسياسات صندوق النقد الدولي، وارتفاع مرعب في معدلات الفقر والبطالة. ويترافق هذا الانهيار الاقتصادي مع ردة قاسية في الحريات العامة، تتجلى في التضييق على القوى السياسية ومنع الاجتماعات العامة والتضييق على المسيرات ثم منعها، وابتكار منصة تكامل لممارسة رقابة لصيقة على النشاطات الثقافية، واعتقال الناشطين، وسيف قانون "الجرائم الإلكترونية" المصلت على رقاب الجميع.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليثير هواجس وطنية عميقة حيال الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة وما تضمنته من تسهيلات وامتيازات عسكرية واسعة. وتتضاعف هذه التساؤلات المشروعة عند قراءة تلك الامتيازات في سياق التوجهات المعلنة في "وثيقة الأمن الأمريكي 2025"، والتي تسعى لتوظيف هذا الانتشار بما يخدم استراتيجية الهيمنة الأمريكية الداعمة لدولة الكيان في المنطقة. يحدث هذا كله في وقت تتطلب فيه التحديات الوجودية، وعلى رأسها الحروب المستعرة التي يقودها الحلف الصهيو-أمريكي ضد إيران وضد لبنان وغزة وضد مقدّرات الشعوب العربية، أعلى درجات التماسك الوطني.
رابعاً: استخلاصات لا تقبل التأجيل.. رؤية الجبهة الوطنية الشعبية
إن مسؤولية القوى الوطنية والديمقراطية اليوم تقتضي الانطلاق من دروس نيسان لصياغة مشروع إنقاذ وطني. وفي هذا السياق، تكتسب الرؤية التي صاغتها "اللجنة التحضيرية للجبهة الوطنية الشعبية الأردنية" في بيانها الأخير أهمية استثنائية، إذ وضعت النقاط على الحروف وقدمت محددات واضحة للبديل الإنقاذي عبر ثلاث ركائز أساسية:
التحرر من التبعية: العمل على برنامج للتحرر من حالة الاستقطاب والتبعية للدول الاستعمارية وأدواتها الرأسمالية، من خلال توفير الشروط المحلية لبناء اقتصاد وطني منتج ومستقر، وبناء شراكات عربية واسعة بديلاً لسياسات صندوق النقد الدولي وهيمنة الاحتكارات العالمية.
حوار وطني لمواجهة التهديدات: من أجل حماية الوطن والمكتسبات التاريخية من التهديدات الموجهة أساساً من العدو الصهيوني ومشاريعه التوسعية، لا بديل عن إجراء حوار وطني شامل تشارك فيه الأحزاب والقوى الاجتماعية وصولاً إلى وثيقة برنامجية للإصلاح الوطني الديمقراطي.
إطلاق الحريات كحق طبيعي ودستوري: التوقف الفوري عن الإجراءات الإدارية والقانونية المقيدة لحرية عمل المؤسسات الجماهيرية والقوى السياسية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين؛ انطلاقاً من إدراك المؤسسة الرسمية أنّ تكاليف الإصلاح الشامل أقل كثيراً من ثمن مصادرة الحريات والاستنزاف السياسي والاقتصادي.
خاتمة: عهدٌ لم يُنقض
في ذكرى نيسان المجيدة، نقف إجلالاً لأرواح جميع شهداء الهبة دون استثناء، أولئك الذين عبدوا بدمائهم الزكية طريق الكرامة في مختلف محافظات الوطن. ونرفع تحية الفخر لرفاق الدرب والمصير، من قيادات وكوادر الحزب الشيوعي الأردني والحركة الوطنية الأردنية، الذين جعلوا من زنازين "سواقة" والعبدلي مدارس للصمود.
هبة نيسان لم تكن يوماً مجرد صفحة طويت، بل هي قانون تاريخي يؤكد أن ّإرادة الشعوب لا تُدجن، وأنّ فجر التغيير الديمقراطي والوطني آتٍ، مهما طال ليل النيوليبرالية وشرورها.



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الذكرى السابعة والثلاثين لهبّة نيسان المجيدة: صفحة من مذك ...
- بعد الصواريخ العنقودية.. إيران تشن هجوماً بـمُسيّرات النحل ع ...
- وهم -الاتفاق التاريخي- مع لبنان
- يوم العلم الأردني... يوم الوطن والشعب
- عالم يتمرّد: أمثلة غير مسبوقة على تراجع الهيمنة الأمريكية في ...
- زلزال بودابست: نهاية حقبة أوربان وتداعياتها على أوروبا والشر ...
- انكسار الغطرسة الإمبريالية: طهران تفرض شروطها وتخبط صهيوني ل ...
- وهم استقلال تايوان الكرتوني بين مطرقة التاريخ وسندان الجغراف ...
- ماذا جنى العالم من حرب ترامب-نتنياهو على إيران؟
- قانون إعدام الأسرى: قفزة فاشية صهيونية في وجه حق الفلسطينيين ...
- الذكرى الخمسون ليوم الأرض في الوجدان الفلسطيني أينما حلّ
- على هامش رحيل الفنان أحمد قعبور
- هل وصلت مقامرة ترامب-نتنياهو ضد إيران إلى طريق مسدود؟ وهل نح ...
- العدوان على إيران وجماعة اضرب الظالمين بالظالمين
- الحرب العدوانية على إيران: هل يقول نتنياهو -آخ- أولاً؟
- قراءة في كتاب -مآثر الأعلام من فلسطين أرض السلام-
- مرحى لكمْ يا رفاق
- حدود القوة عند ترامب وتابعه نتنياهو: بين غطرسة البدايات والب ...
- لبنان في عين العاصفة: عودة حزب الله للقتال ومعركة التصدي للع ...
- أكاذيب وألاعيب ترامب حول إيران (ديفيد إس. داماتو) ترجمة جهاد ...


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جهاد حمدان - الذكرى السابعة والثلاثون لهبة نيسان المجيدة في الوجدان الأردني