أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جهاد حمدان - وجوه وأقنعة: ذكريات من مطعم الجامعة الأردنية














المزيد.....

وجوه وأقنعة: ذكريات من مطعم الجامعة الأردنية


جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 04:52
المحور: كتابات ساخرة
    


حمل عام 1974 نكهة خاصة في أروقة قسم اللغة الإنجليزية وآدابها. ذات نشاط، قررت اللجنة الثقافية لاتحاد طلبة القسم كسر وقار المحاضرات الأكاديمية المعتاد، ودعت الأساتذة والطلبة إلى "فعالية تنكرية" تُقام في مطعم الجامعة في تمام الخامسة مساءً؛ دعوةٌ بدت حينها مغامرة سريالية تليق بأجواء السبعينيات الحافلة بالتمرد والتجديد.
تحول مطعم الجامعة إلى مسرحٍ من نوع آخر. توافد الأساتذة، وجلّهم في شرخ الشباب، حقيملؤهم حماس العائدين حديثاً من جامعات بريطانيا وأمريكا، بأقنعتهم مع دقات الخامسة، ولبى الدعوة عدد غير قليل من طلبة القسم الذين أتوا متنكرين.
ومع ذلك، لم يتنكر الجميع؛ فالبعض آثروا الحضور بوجوههم الحقيقية. وكنت من القلة الذين اختاروا مراقبة ذلك المشهد دون أقنعة. اختبأت خلف أقنعة الأساتذة الورقية والقماشية ملامح صارمة صهرتها قواميس "أكسفورد" وقواعد "تشومسكي"، واختلط الطلبة بأساتذتهم على طاولات المطعم في فضاء تلاشت فيه الحواجز التقليدية، ليمتزج أصحاب الوجوه الحقيقية بأصحاب الأقنعة في حوار لا يخلو من طرافة.
انطلقت الفعالية باللغة الإنجليزية؛ ولم تكن مجرد قراءات عادية، بل ساحة "مبارزة خطابية"، تبارى فيها الشجعان بإلقاء قصائد وخواطر مشحونة بالتهكم، مستعرضين عضلاتهم اللغوية في صياغة النكات والمفارقات.
وفي ذروة التفاعل، اعتلى المنصة المرحوم الدكتور يوسف الذي كان يتمتع بحضورٍ آسر وجاذبية خاصة، واختار أن يشارك بنكتة صيغت بتهكم بريطاني جاف، تعكس عبثية البيروقراطية والغباء البشري المتوارث. ارتدى قناع السخرية الراقية، وبدأ السرد:
"في إحدى حانات لندن، جلس موظفان يعملان لدى شركتين إنجليزيتين عريقتين، يحتسيان الجعة ويتبادلان هموم المهنة، أو بالأحرى، يتنافسان في إثبات أيّ من مديريهما أكثر غباءً من الآخر.
انطلق الأول متأففاً: تخيل مديري جون! إنه كتلة من الغباء المتحرك. ناداني صباح اليوم، وأعطاني ورقة من فئة عشرة باوندات فقط، وقال: اذهب فوراً إلى السوق واشترِ لي سيارة أوستن حديثة! أخذت المال وذهبت، لكنني عدت إليه بعد نصف ساعة خائب الأمل .
هزّ الثاني رأسه مواسياً وسأله: وماذا حدث؟
رد الأول بحنق: قلت له: للأسف يا سيدي، لم أتمكن من شراء السيارة اليوم.. لأن جميع محلات بيع السيارات مغلقة، يبدو أنك نسيت أنّ اليوم هو الأحد!
أخذ الثاني نفساً عميقاً، وقال باستهزاء: يا صاحبي، ليت مديري بذكاء مديرك! مديري أغبى بمراحل. تصور أنه استدعاني إلى مكتبه وقال لي بغطرسة: بدي أبعثك مشوار عالبيت في خدمة. فقلت له: حاضر يا سيدي، ماذا تريد؟
فقال لي بكل جدية: اذهب إلى منزلي، واسأل عني.. متى سأعود إلى البيت اليوم؟
شهق الأول مذهولاً: وماذا فعلت؟
أجابه الثاني بكبرياء مجروح: لقد ذهبت بالفعل! لكنني في منتصف الطريق تذكرت شيئاً هاماً، فعدت أدراجي فوراً ودخلت على مكتبه. فسألني مستغرباً: ما بك؟ لماذا عدت؟ ما الذي تذكرته؟
أجبت وأنا أشعر بالانتصار: تذكرت شيئاً عبقرياً.. لماذا لا تتصل يا سيّدي بالهاتف من مكتبك، وتسألهم بنفسك متى ستصل؟ "
ضجت أرجاء المطعم بالضحك والتصفيق، ولم يكن الضحك مجرد تفاعل مع النكتة، بل احتفاءً بتلك المفارقة العميقة، حيث لم يدرك أيّ من الموظفيْن أنه يسبح في سديم الغباء ذاته الذي يرمي به مديره.
وبعد أن هدأت عاصفة الضحك، انتقلت الفعالية إلى فقرة من الدردشات الحرة. وبينما كنت أقف بملامحي المكشوفة أراقب صخب الأقنعة، تقدمت مني شابّة أخفت وجهها بقناع غزال. بعد تبادل عبارات المجاملة المعتادة، باغتتني ببوح لم أتوقعه، قائلة:
"كنتُ دائماً تواقة للحديث معك. في إحدى المرات، وتحديداً في مادة القصة الطويلة، رغبتُ بشدة في الإفادة من دفتر ملاحظاتك، لكنني لم أجرؤ على طلبه منك مباشرة".
توقفت لبرهة، ثم أضافت مبررة:
"صورتك عندي أنكّ طالب صارم وجاد زيادة عن اللزوم. لذلك، رجوت زميلة كنت أراها تشاركك في بعض نشاطات اتحاد الطلبة أنْ تستعير دفترك وتعطيني إياه، بعد أن أخذتُ عليها عهداً بأن تخفي السر. لقد أفدت من دفترك كثيراً، وساعدني بالفعل في رفع علاماتي في تلك المادة".
ابتسمتْ من خلف قناع الغزال، وتابعت:
"وها أنا أشكرك، ربما بعد عام كامل على تلك الحادثة".
ثم رمت جملة عابرة تنم بوضوح عن رغبة مبطنة في التواصل. كانت تقف بمحاذاتي، توازت قامتانا تقريباً، مما سهّل عليّ أن أشم عبق عطرها الذي بدا ساحراً في تلك اللحظة.
شكرتها على إطرائها، ولم تفُتني الفرصة لألمح، بشيء من الدعابة، إلى "جبنها" في تجنب مواجهتي آنذاك. ثم نظرتُ في عينيها من خلال ثقبي القناع وقلت مبتسماً:
"وجهي أمامك مكشوف، ووجهكِ مختبئ خلف غزال.. من أنتِ؟"
ردت:
معقول لم تميز صوتي؟
قلت:
"صوتك جميل، ولكني لم أسمعه يحادثني عن قرب."
تراجعت خطوة إلى الوراء. أدارت ظهرها، ومضت لتتوه بين جموع المتنكرين.



#جهاد_حمدان_Jihad_Hamdan (هاشتاغ)       Jihad_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة فايز ابراش النقدية في قصة -آه يا زريفة- لجهاد حمدان
- على هامش زيارة ترامب للصين: المسلمون مسيرة عابرة للتاريخ
- ستارمر بين تصدعات وستمنستر ومياه هرمز: مناورة جيوسياسية أم ا ...
- عولمة التقشف وتآكل الحماية الاجتماعية: مقاربة نقدية بين المر ...
- بكم تزهو الكراسي الدوّارة
- بعد إيران.. هل يهرب ترامب إلى الأمام ويهاجم كوبا؟
- ألشيخ الأحمر والاحتفال بعيد العمال مرة أخرى
- كوبا والصين... شراكة تحت الشمس تكسر الحصار الأمريكي
- صديقي الوحداتي حسين الحلو
- مفاوضات شراء الوقت بين لبنان وحكومة الكيان في أتون الصراع ال ...
- شهداء هبة نيسان المجيدة ومعتقلوها منارات خالدة يهتدي بنورها ...
- الذكرى السابعة والثلاثون لهبة نيسان المجيدة في الوجدان الأرد ...
- في الذكرى السابعة والثلاثين لهبّة نيسان المجيدة: صفحة من مذك ...
- بعد الصواريخ العنقودية.. إيران تشن هجوماً بـمُسيّرات النحل ع ...
- وهم -الاتفاق التاريخي- مع لبنان
- يوم العلم الأردني... يوم الوطن والشعب
- عالم يتمرّد: أمثلة غير مسبوقة على تراجع الهيمنة الأمريكية في ...
- زلزال بودابست: نهاية حقبة أوربان وتداعياتها على أوروبا والشر ...
- انكسار الغطرسة الإمبريالية: طهران تفرض شروطها وتخبط صهيوني ل ...
- وهم استقلال تايوان الكرتوني بين مطرقة التاريخ وسندان الجغراف ...


المزيد.....




- رحيل حارس الضاد.. أكاديميون ومثقفون يودعون الدكتور خالد فهمي ...
- يولاندا حديد أم ابنتها بيلا.. من الأكثر أناقة في مهرجان كان ...
- محمد رمضان يكتسح شباك التذاكر بفيلم -أسد- وتعثر حاد لمحمد سع ...
- الفنان فارس الحلو: -عودتي للكوميديا صعبة ودموع أمهات سوريا ل ...
- مهرجان كان السينمائي-بيدرو ألمودوفار يعود إلى الكروازيت مع ف ...
- -الأمل-.. خيال علمي كوري سريالي يُبهر مهرجان كان السينمائي
- مواجهة شرسة بين -كانال بلوس- ومعارضي نفوذ الملياردير بولوريه ...
- في عالم بوليوود الشهير.. السينما تنصف فئات اجتماعية وثقافات ...
- -المحطة- أوّل فيلم يمني يعرض في مهرجان كان السينمائي
- فريق من ذوي الأطراف المبتورة يبحر بقارب من غزة إلى مهرجان كا ...


المزيد.....

- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جهاد حمدان - وجوه وأقنعة: ذكريات من مطعم الجامعة الأردنية