أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - «القلق الياباني الجميل»، من القصيدة إلى السينما















المزيد.....

«القلق الياباني الجميل»، من القصيدة إلى السينما


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 7 - 12:01
المحور: الادب والفن
    


أهمية عصر تايشو (١٩١٢–١٩٢٦)، هو السنوات التي حكم فيها الإمبراطور تايشو (اسمه الشخصي يوشيهيتو)، لا تأتي من شخص الإمبراطور نفسه، بل من التحوّلات العميقة التي شهدتها اليابان خلالها، حتى أصبحت تُعرف في الذاكرة الثقافية باسم «زمن القلق الجميل».
هذا العصر كان لحظة انتقالية في الأدب الياباني، حين خرج فيها الأدباء من عباءة الكلاسيكية ومن صرامة المدرسة الطبيعية، وبدأوا يكتبون عن الذات والقلق والحب والجسد، وعن ضعف الإنسان في مدينة تتسارع نحو الحداثة.
مدينتا طوكيو وكيوتو كانتا في تلك السنوات مختبراً كبيراً تتجاور فيه العمارة التقليدية مع الحداثة الناشئة، وتنتشر فيه المقاهي الأدبية والمجلات الصغيرة والجماعات الشعرية التي تبحث عن صوت جديد، حيث يحاول كل شاعر أن يجد لغته الخاصة، وكل ناقد أن يعيد تعريف دوره، وكل امرأة تعمل في المسرح أو المقاهي أن تجد مكاناً في عالم ثقافي يهيمن عليه الرجال.
التركيز على هذه النماذج يعود إلى الفيلم الذي سوف أتناوله بعد قليل.

في هذا المناخ ظهر ناكاهارا تشويا (١٩٠٧ ١٩٣٧) الذي وُلد في ياماغوتشي، والذي سيصبح لاحقاً أحد أبرز مجدّدي الشعر الياباني الحديث.
كتب أكثر من ثلاثمائة وخمسين قصيدة خلال حياته القصيرة، وتأثر بالرمزية الفرنسية والدادائية، وترجم رامبو حتى لُقّب بـ«رامبو اليابان».
حياته كانت سلسلة من الخسارات المبكرة، وصراعاً مع أبٍ عسكري صارم، ثم انتقالاً إلى كيوتو حيث التقى ياسُكو هاسَغاوا (١٩٠٤ - ١٩٩٣)‌، التي كانت تعمل بجد على تأسيس نفسها كممثلة، قبل أن ينتقل معها إلى طوكيو ويدخل عالم الأدب الحديث، محتكّاً بنقّاد وشعراء مثل كوباياشي هيديو (١٩٢٠ - ١٩٨٣)، ليصبح شعره مزيجاً من الموسيقى والطفولة والسُكر والوحدة.

فيلم Yukite Kaheranu (الراحل بلا عودة)، إنتاج عام ٢٠٢٥، يلتقط هذه اللحظة بدقة عبر التفاصيل الصغيرة التي كانت جوهر أدب تايشو؛ كأس ساكيه على طاولة خشبية، ومظلّة حمراء في مطر شارع ما، وغرفة ضيقة يعيش فيها شاب يحاول أن يكتب قصيدة لا يعرف إن كانت ستُقرأ، وناقد حاد لا يتردّد في قبول خيانة صديقه الشاعر.
هذه التفاصيل ليست ديكوراً، بل امتداداً لأسلوب تلك الفترة، حيث كان الأدباء يكتبون عن الأشياء الصغيرة بوصفها مرآة للروح.
تشويا نفسه كان يربط بين لحظة عابرة وشعور داخلي، بين مشهد بسيط وقلق وجودي، والفيلم يستعيد هذا الأسلوب ويحوّله إلى لغة بصرية، فيبدو كما لو أنّه قصيدة طويلة مكتوبة بالكاميرا، قصيدة تتجاور فيها الحياة اليومية مع الاضطراب الداخلي، مثل:
في حزني الملطّخ،
تتساقط عليه اليوم أيضاً ثلوجٌ صغيرة.

العلاقة بين تشويا وهيديو وتايكو ليست مجرد مثلث عاطفي، بل هي انعكاس لصراع كان يعيش داخل الأدب الياباني نفسه.
صراع بين شاعر يريد أن يعيش بحرارة، وناقد يريد أن يفهم العالم بعقلانية، وامرأة تجد نفسها بين الاثنين، فتصبح، بطريقة او اخرى، جزءاً من الحركة الأدبية التي كانت تمنح الأدب الياباني وجهاً جديداً.
تايكو ليست شخصية ثانوية، بل تجسيد للطبقة الهامشية التي أحاطت بالأدباء كالممثلات والرسّامات والعاملات في المقاهي، اللواتي كنّ جزءاً من المشهد الثقافي لكنّ التاريخ تجاهلهن. الفيلم يعيد إليهن مكانتهن، ويجعل تايكو مركزاً للحكاية، فالأدب لا يُكتب بالقلم وحده، بل يُكتب أيضاً بالعلاقات الإنسانية التي تحيط بالكاتب.

طوكيو، التي كان نجمها يسطع كحاضرة ميتروبوليتانية، هي انعكاس لروح تايشو نفسها: مدينة تتغيّر بسرعة، تجمع بين الأزقة الضيقة والشوارع الواسعة، بين الفقر المدقع والطبقة المثقفة التي تحلم بعالم جديد. تشويا يعيش في غرف صغيرة، وهيديو في فضاء أكثر اتساعاً، وتايكو تتنقّل بين المسرح الشعبي والسينما وعالم الأدباء. هذا التداخل بين العوالم هو جوهر أدب تلك الفترة، الذي كان يرى أنّ الإنسان يُعرّف من خلال علاقاته وانفعالاته.

الفيلم يعكس أيضاً التحوّل الكبير الذي حدث في الشعر الياباني خلال تلك السنوات. فتشويا كان جزءاً من حركة شعرية جديدة ترفض الرمزية الثقيلة وتبحث عن لغة أكثر مباشرة وموسيقية وارتباطاً بالحياة اليومية.
في الفيلم يظهر كشاعر يكتب من الداخل، من الألم والغيرة والحب والشعور بأنّ العالم لا يفهمه. هذه الروح هي روح تايشو نفسها، حيث تحوّل الشعر من وصف الطبيعة إلى وصف النفس، من الاحتفاء بالجمال إلى مواجهة القلق، من البكاء الإنساني إلى البكاء الحيواني الخام:
أنا حزين
أبكي مثل ماعزٍ ضائع

أما هيديو، فهو الوجه الآخر لفترة تايشو، حيث أصبح النقد جزءاً من الحياة الثقافية.
النقد الذي لا يكتفي بوصف الأدب، بل يحاول أن يفهم الإنسان من خلاله. هيديو في الفيلم رجل يعيش الأدب بوصفه طريقة لفهم العالم، ويتأرجح بين العقل والعاطفة، بين الرغبة في التحليل والرغبة في العيش، تماماً كما كان النقّاد في تلك الفترة يرون أنّ الأدب ليس نصاً بل تجربة.

يظهر المخرج نيغيشي كيتشيتارو (١٩٥٠) في هذا الفيلم بوصفه مخرجاً ينتمي إلى جيل صنع حضوره منذ الثمانينيات، جيل لم يبلغ صخب ريوسُكي هاماغوتشي ولا حضور هيروكازو كوريدا ولا حدّة كوجي فوكادا، لكنه ظلّ يحتفظ بخطّه الخاص في سينما تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تخفي تحت هذا الهدوء قدرة دقيقة على بناء المشهد، وعلى استخدام الكاميرا كأداة سردية لا كوسيط تصويري فحسب.
نيغيشي ليس مخرجاً يسعى إلى كسر القوالب، بل إلى صقلها وجعل اللقطة تنطق بما لا يقوله الحوار، وإلى تحويل الإضاءة وحركة الجسد إلى عناصر فاعلة في الحبكة نفسها. ورغم أنّ تأثير السينما اليابانية الشعبية القديمة ما زال يطلّ أحياناً في أعماله، فإنّ هذا التأثير لا ينتقص من حرفيته، بل يمنح أفلامه ملمساً خاصاً يميّزه عن الموجة المعاصرة الأكثر تجريباً.
وقد حاز نيغيشي عبر مسيرته جوائز معتبرة مثل «بلو ريبون» وجائزة مهرجان مونتريال السينمائي، وهي إشارات واضحة إلى أنّ حضوره ليس عابراً في السينما اليابانية المعاصرة.

في Yukite Kaheranu يستعيد نيغيشي القصة مستنداً إلى قصائد تشويا ومذكرات ياسوكو وإلى الإرث الأدبي الذي تركه هذا الشاعر، ليقدّم عملاً يعيد خلق روح تايشو بلغة بصرية هادئة، ويضع حياة شاعر مضطرب في قلب سرد سينمائي يوازن بين الحميمي والتاريخي.

وقد حظي الفيلم باهتمام واضح داخل اليابان لأنّه يعيد تقديم أحد أهم شعراء الحداثة، ولأنّ قصته جزء من الذاكرة الأدبية اليابانية. وبسبب خصوصيته اليابانية، أعتقد أنه لم يلق ذات الاهتمام العالمي.
مثلاً، لاحظت أن من قام بتقييمه من المشاهدين على منصة IMDb (قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت) كان حتى تاريخ كتابة هذه السطور مجرّد ٨٣ تقييماً، وهو تقييم مبكر عادةً ما يتغيّر مع اتساع المشاهدة الدولية.
عالمياً، لم ينتشر الفيلم بعد انتشاراً واسعاً، لكنه بدأ يظهر في منصّات ثقافية تهتم بالأدب الياباني، خصوصاً مع مشاريع ترجمة جديدة ستضع أعمال تشويا على رفّ عالمي جديد.

فيلم Yukite Kaheranu يمنح إحدى أهم فترات الأدب الياباني أهميةً حياةً جديدةً.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الولايات المتحدة بين التاريخ والتحوّلات المعاصرة.
- قراءة في الشعبوية الدينية من أمريكا إلى الشام
- حين غنّت تونس بيرة وشمپانيا
- المونديال: كرة الفقراء التي صارت بورصة الأغنياء
- اليابانية يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك لا كزينة سردية
- قراءة مُتأخرة «للرواية الأخيرة» لماركيز
- عبد الناصر في القامشلي
- خليل صويلح يشعل وهج الرواية السورية
- رائحة فلسطين
- مشروع محمد عُضيمة الياباني
- إيران والتهديد الأمريكي
- «الصندوق» -رواية قصيرة
- الصابئة والمندائيون
- إلى أهلي الكرد
- حياتي البيولوجية الثالثة
- المثليّة في عالم الحيوان
- بولص
- مزكين
- هندي؟
- سَعَت خشْ


المزيد.....




- بعد تسعة أشهر من توقيفه... القضاء اللبناني يوافق على الإفراج ...
- بعد توقف لعامين.. مهرجان رام الله للفنون المعاصرة يعود بحلة ...
- لبنان.. إخلاء سبيل الفنان فضل شاكر بكفالة مالية واستئناف -مل ...
- لبنان.. المحكمة العسكرية توافق على إخلاء سبيل الفنان فضل شاك ...
- روسيا توسّع مزايا -بطاقة بوشكين- لتشمل عروض السيرك وترفع قيم ...
- مشاهدة أكثر من 200 حلقة مقابل -صفر- نتائج.. نواب بريطانيون ي ...
- بطرس وفيفرونيا.. قصة الحب التي أصبحت عيد العائلة والوفاء في ...
- وفاة العازف التاريخي لأم كلثوم
- موقع التصوير هذا يقف وراء الكثير من أفلام الغرب الأمريكي.. ه ...
- الراب يربح الرهان.. -آيس جيرجيرت- النجم الأكثر شعبية في روسي ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - «القلق الياباني الجميل»، من القصيدة إلى السينما