أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - جدعون ليفي - ظننتها صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي أو عملا فنيا... لكنها كانت صورة فلسطيني مقيد إلى عمود في غزة














المزيد.....

ظننتها صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي أو عملا فنيا... لكنها كانت صورة فلسطيني مقيد إلى عمود في غزة


جدعون ليفي

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 7 - 03:47
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


كان مستلقيا على بطنه، شبه عار، لا يرتدي سوى ملابسه الداخلية. عيناه معصوبتان بقطعة قماش، ووجهه مضغوط إلى سرير ميداني وضعه عليه خاطفوه. يداه موثقتان خلف ظهره بأربطة بلاستيكية محكمة الإغلاق، تشد معصميه بقسوة وألم. كما رُبط جذعه إلى السرير بالحبال، وتظهر على ساقه كدمتان حمراوان.
حتى هذه اللحظة، تبدو الصورة مشهدا مألوفا لفلسطيني معتقل، لكن هذه المرة أضيف إلى مشهد الإذلال عنصر غير مألوف: عمود خشبي، غُطي أعلاه بالحديد لسبب غير واضح. وقد رُبط بمحاذاة جسده بالكامل، ليبدو كأنه رمح إفريقي. وقد يخمّن المرء أن الغرض منه منع الضحية من الانحناء أو الحركة، ولو للحظة واحدة.
للوهلة الأولى، ظننت أن الصورة عمل فني احتجاجي، أو ربما صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تعكس اليأس أمام أهوال غزة. لكنها لم تكن كذلك. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أنه "تم تحديد الحادثة المعنية"، وأنها "تخضع للتحقيق على مستوى القيادة"، وأن "المتورطين سيُعاملون وفقاً لنتائج التحقيق".
ولا حاجة لإهدار الكلمات في توقع كيفية "التعامل" معهم. ففي أفضل الأحوال، قد يُعلق عمل الجنود المسيئين لساعتين فقط. فهذا، في نهاية المطاف، هو "الخدمة المهمة" التي حلموا بأدائها في غزة.
لقد شاهدنا صورا أكثر رعبا من هذه، لكنها لم تكن مرعبة بالطريقة التي ترعب بها هذه الصورة. فلا دماء فيها، ولا أطراف مبتورة، ولا أجساد ممزقة على ما يبدو. كل ما فيها رجل مقيد إلى عمود. ونحن لا نعرف من يكون هذا الرجل.
وقد سارعت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى وصفه بأنه "إرهابي"، كما تصف كل فلسطيني في غزة، من دون أن تعرف عنه شيئا. لكن هويته، أو حتى ذنوبه إن كانت له ذنوب، لا أهمية لها إطلاقا. فلا أحد يستحق مثل هذا الإذلال. كما أننا لا نعرف كم من الوقت ظل على تلك الحال: ساعة؟ شهرا؟ لكن الأهم هو ما الذي كان يدور في أذهان الجنود الذين فعلوا ذلك.
ما الذي يدفع شابا إسرائيليا، يخدم في وحدة قتالية، إلى تعذيب إنسان عبر تقييده إلى عمود؟ هل أساء إليهم بشيء؟ فهو في النهاية في العمر نفسه تقريبا. هل فكروا في حياته؟ في أحلامه؟ في ماضيه وحاضره ومستقبله؟ هل ما زال إنسانا في نظرهم، أم مجرد جسم مشبوه؟
من الواضح أنهم لا يشعرون بأي خجل مما يفعلونه. بل إنهم فخورون بما يفعلونه إلى درجة أنهم يلتقطون الصور وينشرونها على وسائل التواصل الاجتماعي. انظروا إلينا... نحن أبطال الشعب.
إنهم يعلمون أنهم أبطال إسرائيل في هذه الأيام. ومن أين جاءوا بذلك العمود؟ ربما هو العمود نفسه الذي استخدمه أولئك "المقاتلون" الممجدون في "القوة 100" في معتقل سديه تيمان، أولئك الذين اعتبروا ضحايا "فرية دموية" بحسب وصف مراسل القناة الثانية عشرة غاي بيليغ.
فكيف جرى الأمر؟ هل أحضر أحدهم العمود؟ وهل تكفل آخر بتغليف أعلاه بالحديد؟ ثم اقترح ثالث قائلا: "لنربطه إلى العمود، ستكون صورة رائعة للنشر على الإنترنت". ثم نفذ بعضهم الفكرة.
لقد شدوا ضحيتهم العاجز بإحكام، كما تربط طرد بريدي من شركة "أمازون"، ثم أضافوا العمود كأنه قطعة زينة. لا بد أنهم انفجروا ضاحكين. وربما أرسلوا الصورة عبر مكالمة فيديو إلى صديقاتهم، اللواتي سيعجبهن الأمر. وربما أيضاً إلى آبائهم وأمهاتهم، ليروا كم هم وطنيون وشجعان.
ماذا سيحمل هذا الضحية معه طوال ما تبقى من حياته؟ هل سيحكي لأطفاله وأحفاده يوما ما ما جرى له؟ وهل سينجو من معسكر التعذيب الذي اقتيد إليه، مع عشرات الآلاف من البشر الآخرين، كثير منهم أبرياء، وجميعهم محتجزون من دون محاكمة؟
أشتاق إلى زمن آخر. ففي السادس والعشرين من فبراير/شباط 1988، صوّر فريق من شبكة CBS News بقيادة الصحفي الأسطوري Bob Simon، وبرفقة المصور الإسرائيلي Moshe Alpert، أربعة جنود إسرائيليين وهم يعتدون بالضرب على شابين فلسطينيين باستخدام صخرة، ويكسرون أذرعهما على تلة صخرية قرب Nablus. وقد التقطت الصور من مسافة 300 متر تقريبا، وأثارت موجة غضب دولية.
لكن الأمر لم يقتصر على العالم. فقد ضجت إسرائيل نفسها غضبا. هل يمكن تصديق ذلك؟ لقد مضى نحو أربعين عاما. ألف طفل قتيل في غزة لم يثروا الغضب نفسه الذي أثاره آنذاك مشهد كسر الأذرع فوق سفحٍ صخري قرب نابلس.
أما صورة الرجل المقيّد إلى عمود، فلم تُثر هنا إلا قدراً ضئيلاً جداً من ردود الفعل. وهذه هي، باختصار، قصة اليأس.
إنني أشتاق إلى زمن آخر، إلى عام 1988، وإلى رد الفعل الذي شهدته إسرائيل عندما صوّر فريق CBS News أربعة جنود من الجيش الإسرائيلي وهم يضربون شابين فلسطينيين.



#جدعون_ليفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من دون صحيفة هآرتس، لما عرف الإسرائيليون أن هناك احتلالا
- في البداية قالوا إنه لا يوجد أبرياء في غزة. والآن يطبق الجيش ...
- حاول المستوطنون إحراق منازل الفلسطينيين... لكنهم اختاروا الق ...
- التطهير العرقي 3.0: كيف أصبحت إسرائيل دولة الترحيل
- دونالد ترامب حقق حلمي, الا وهو أن تدفع إسرائيل ثمن أفعالها
- بعد ان اطلق مستوطن إسرائيلي النار خمس مرات على فلسطيني من ذو ...
- هزيمة إسرائيل في إيران ليست كارثة, بل فرصة لمواجهة الحقيقة
- وجدت شوكة في المطبخ: الإرهاب اليهودي، أو الاحتلال، أو أيا كا ...
- -أطلقوا النار على طفلي-: أم فلسطينية قُتل رضيعها برصاص جندي ...
- -سنتجند ونموت- في مواجهة -سنموت ولن نتجند-
- قبل أن يعتدي المستوطن على الكلب، كان قد اعتدى بالضرب على الع ...
- في جيش إسرائيل، قتل طفل مقبول، أما إقامة علاقة عاطفية فسبب ل ...
- الحل الإسرائيلي لمشكلة غزة يسير على قدم وساق
- في دولة الفصل العنصري إسرائيل، ليست كل الأعياد متساوية
- لماذا ما زال موكب العار في نيويورك يحيّي إسرائيل في عام 2026 ...
- -أنقذني، المستوطنون قادمون: مسلحون بالعصي يعتدون على أب فلسط ...
- حول إسرائيل وغزة وفلسطين، لم يقل تاكر كارلسون, صاحب اللسان ا ...
- ترغب معظم الحكومات الأوروبية في حب إسرائيل، لو أن قادة المست ...
- يرفض المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية السماح للفلسطي ...
- قُتل فتى فلسطيني برصاص القوات الإسرائيلية. لكن موته «لا يحمل ...


المزيد.....




- مفتوح حول “السياسات الطبقية: السياسة التعليمية وأزمة البحث ...
- سجن وسوار إلكتروني.. حكم جديد على زعيمة اليمين المتطرف في فر ...
- Past, Present, and Future Dead
- What Happens When the Dream Explodes?
- The Defiant Republic: the Ideological Imperative of a Strong ...
- America 250 Flyovers: a Celebration of Militarization
- World Cup Trump Cards: Infantino, FIFA and the Meddlesome US ...
- Marxism for Activists, Activists’ Marxism
- فرنسا/ إدانة مارين لوبان: أبرز ما تضمنه حكم الاستئناف بحق زع ...
- الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط: اتفاق الإ ...


المزيد.....

- إشكاليات القوى الثورية(2من2) / عبد الرحمان النوضة
- مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة / عبد الرحمان النوضة
- الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ ... / محمد الحنفي
- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - جدعون ليفي - ظننتها صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي أو عملا فنيا... لكنها كانت صورة فلسطيني مقيد إلى عمود في غزة