أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - الفلور | الشيطان الأصفر الأكثر عدوانية في الجدول الدوري - من الموت البطيء للكيميائيين إلى حماية الأسنان وثقب الأوزون















المزيد.....



الفلور | الشيطان الأصفر الأكثر عدوانية في الجدول الدوري - من الموت البطيء للكيميائيين إلى حماية الأسنان وثقب الأوزون


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 08:14
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


يأتي الفلور، الذي يحمل الرمز F والعدد الذري 9، تاسع العناصر في الجدول الدوري، وهو أكثر العناصر تفاعلية على الإطلاق، وأكثرها سالبية كهربية، وأكثرها عدوانية تجاه جميع العناصر الأخرى تقريباً، بما في ذلك الغازات النبيلة التي كان يعتقد أنها خاملة تماماً حتى تمكن الكيميائي نيل بارتليت في عام 1962 من تحضير مركب سداسي فلورو بلاتينات الزينون XePtF₆، وبذلك دحض أسطورة خمول الغازات النبيلة. الفلور هو عنصر لا فلزي، غاز في الظروف القياسية، ثنائي الذرة F₂، لونه أصفر شاحب، له رائحة نفاذة تشبه الكلور ولكنها أكثر حدة، وهو شديد السمية والتآكل. الكتلة الذرية للفلور هي 18.998 غراماً لكل مول، وهي ثاني أخف عنصر بعد الهيدروجين والهيليوم (والليثيوم والبريليوم والبورون والكربون والنيتروجين والأكسجين بالطبع)، وكثافة غاز الفلور عند STP هي 1.696 غرام لكل لتر، أي أثقل من الهواء (1.293) بنحو 31٪. درجة غليان الفلور منخفضة جداً: 188.1 درجة مئوية تحت الصفر (85.03 كلفن)، ودرجة انصهاره 219.6 درجة مئوية تحت الصفر (53.53 كلفن). الفلور هو العنصر الأكثر وفرة بين الهالوجينات في القشرة الأرضية، حيث يحتل المرتبة الثالثة عشر بين العناصر من حيث الوفرة (حوالي 0.058٪ من كتلة القشرة، أي 585 جزءاً في المليون)، وهو أكثر وفرة من النيتروجين والكروم والزنك والنحاس والرصاص، ولكنه أقل وفرة من الأكسجين والسيليكون والألومنيوم والحديد. يتواجد الفلور في الطبيعة فقط في صورة مركبات (فلوريدات) مع عناصر أخرى، وأهم معادن الفلور هي الفلوريت (CaF₂، فلوريد الكالسيوم، المعروف أيضاً باسم "فلورسبار")، وهو معدن بلوري شفاف أو ملون (أزرق، بنفسجي، أخضر، أصفر) يستخدم في الصناعات البصرية وفي إنتاج حمض الهيدروفلوريك. معدن آخر هو الكريوليت (Na₃AlF₆)، الذي كان يستخدم في صهر الألومنيوم، لكنه أصبح نادراً الآن ويُستبدل بالفلوريد الاصطناعي. معادن أخرى تشمل الأباتيت (Ca₅(PO₄)₃F) (الفلور أباتيت)، وهو المكون الرئيسي للأسنان والعظام، والفليور ميكا (فلوريد السيليكات)، والتوباز (Al₂SiO₄(F,OH)₂). الفلور الحر (F₂) لا يوجد في الطبيعة لأنه يتفاعل مع كل شيء، لكنه ينتج بشكل طبيعي بكميات ضئيلة في بعض البراكين وفي الغلاف الجوي العلوي بفعل الأشعة الكونية، وكذلك في بعض التفاعلات الجيولوجية تحت الضغوط العالية.

قصة اكتشاف الفلور هي واحدة من أكثر القصص دراماتيكية ومأساوية في تاريخ الكيمياء، حيث دفع العديد من الكيميائيين حياتهم ثمناً لمحاولاتهم عزل هذا العنصر الشرس. بدأ الاهتمام بالفلور في القرن السادس عشر، عندما استخدم عمال التعدين معدن الفلوريت (CaF₂) كمادة صهر لخفض درجة انصهار الخامات في صهر المعادن، ولاحظوا أنه ينتج أبخرة سامة عند تسخينه مع حمض الكبريتيك. في عام 1670، اكتشف صانع الزجاج الألماني هاينريش شوانهارد أن معالجة الزجاج بحمض الفلوريت (الذي ينتج عن تسخين الفلوريت مع حمض الكبريتيك) يحفر الزجاج، وأصبح يستخدم هذه التقنية لنقش التصاميم على الزجاج. لكن لم يدرك أحد أن هذه الأبخرة تحتوي على عنصر جديد. في عام 1771، قام الكيميائي السويدي كارل فلهلم شيله بتسخين الفلوريت مع حمض الكبريتيك في وعاء زجاجي، ولاحظ أن الزجاج يتآكل، وأطلق على الحمض الناتج اسم "حمض الفلورسبار" (وهو حمض الهيدروفلوريك HF). لاحظ شيله أن هذا الحمض يختلف عن جميع الأحماض المعروفة، وأنه يذيب السيليكا (SiO₂) في الزجاج، مما يجعله فريداً. في عام 1810، اقترح الكيميائي الفرنسي أندريه ماري أمبير أن هذا الحمض يحتوي على عنصر جديد مشابه للكلور، وأطلق عليه اسم "فلورين" (من الكلمة اللاتينية "fluere" التي تعني يتدفق، إشارة إلى استخدام الفلوريت كمساعد صهر). لكن عزل العنصر نفسه كان تحدياً هائلاً. حاول الكيميائي الإنجليزي همفري ديفي (مكتشف الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم وغيرها) في عام 1813 عزل الفلور بالتحليل الكهربائي لحمض الهيدروفلوريك، لكنه أصيب بتسمم شديد وكاد أن يموت، وتوقف عن المحاولة. في عام 1836، حاول الكيميائيون الإيرلندي جورج نوكس والاسكتلندي توماس نوكس عزل الفلور بتفاعل الفلوريت مع كلوريد الفضة، لكن كلاهما أصيب بتسمم شديد، وتوفي توماس نوكس بعد سنوات من المرض. في عام 1850، حاول الكيميائي الفرنسي إدموند فريمي (أستاذ هنري مواسان لاحقاً) التحليل الكهربائي لفلوريد الكالسيوم المنصهر، لكنه فشل لأن الفلور الناتج يتفاعل فوراً مع الأقطاب الكهربائية. في عام 1869، حاول الكيميائي الإنجليزي جورج غور التحليل الكهربائي لحمض الهيدروفلوريك اللامائي، لكنه لاحظ أن الفلور يتفاعل مع الهيدروجين في الحمض مكوناً HF مرة أخرى، وأصيب هو أيضاً بتسمم. أخيراً، في عام 1886، وبعد أكثر من 70 عاماً من المحاولات الفاشلة والوفيات، نجح الكيميائي الفرنسي الشاب هنري مواسان في عزل الفلور. ابتكر مواسان جهازاً خاصاً من البلاتين والإيريديوم (لأن هذين المعدنين مقاومان للفلور)، وقام بتبريد خليط من فلوريد البوتاسيوم الحامضي (KHF₂) وحمض الهيدروفلوريك اللامائي إلى -50 درجة مئوية (لخفض التوصيلية الكهربائية وتقليل التفاعل)، ثم مرر تياراً كهربائياً بين أقطاب من البلاتين والإيريديوم. لاحظ تصاعد غاز أصفر شاحب من المصعد، وهو غاز الفلور F₂. لقد انتصر مواسان على العنصر الأكثر عدوانية في الطبيعة، وحصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1906 تقديراً لهذا الإنجاز، لكن صحته تضررت بشدة بسبب التعرض للفلور طوال سنوات تجاربه، وتوفي بعد عامين من حصوله على الجائزة عن عمر يناهز 55 عاماً. قال مواسان عن الفلور: "هذا الغاز سوف يلتهم كل شيء، ولن يترك شيئاً". لكنه كان مخطئاً في شيء واحد: البلاتين والإيريديوم يقاومانه، وكذلك بعض البوليمرات الصناعية التي طورت لاحقاً (مثل التيفلون PTFE) التي لا تتفاعل مع الفلور.

بالانتقال إلى الخواص الفيزيائية والذرية للفلور، نجد العنصر الأكثر سالبية كهربية على الإطلاق. ترتيبه الإلكتروني هو 1s² 2s² 2p⁵، أي أن لديه سبعة إلكترونات في غلاف التكافؤ (اثنان في 2s وخمسة في 2p)، وله مدار واحد شاغر يمكن أن يحتوي على إلكترون إضافي ليصل إلى التوزيع الإلكتروني المستقر للنيون (1s² 2s² 2p⁶). لذلك، فإن الفلور يميل بشدة إلى اكتساب إلكترون واحد ليصبح أيون الفلوريد F⁻، وهو أصغر أيون سالب (نصف قطره 133 بيكومتر). طاقة التأين الأولى للفلور عالية جداً (1681 كيلوجول لكل مول)، وهي أعلى من الأكسجين (1314) والنيتروجين (1402) والكلور (1251)، ولكنها أقل من النيون (2081). الميل الإلكتروني للفلور هو الأعلى بين جميع العناصر (328 كيلوجول لكل مول)، أي أنه يطلق أكبر قدر من الطاقة عند اكتساب إلكترون، مما يجعله أكثر العناصر رغبة في الحصول على إلكترون. السالبية الكهربية للفلور على مقياس بولنغ هي 3.98 (أعلى قيمة ممكنة على هذا المقياس، حيث يعتبر الفلور المعيار الذي تقاس به السالبية الكهربية للعناصر الأخرى). على مقياس ألريد-روكو، الفلور له سالبية 4.10. هذه السالبية العالية تعني أن الفلور في مركباته يسحب الإلكترونات بقوة شديدة من العناصر الأخرى، ويكون دائمًا الطرف السالب في الروابط (باستثناء الأكسجين في OF₂ حيث الأكسجين أقل سالبية، لكن هذه حالة نادرة). جزيء الفلور F₂ له رابطة تساهمية أحادية (F–F) طولها 141.8 بيكومتر، وطاقة تفكك الرابطة هي 158.8 كيلوجول لكل مول فقط، وهي طاقة منخفضة بشكل ملحوظ مقارنة بالكلور (242.6 كيلوجول لكل مول) والبروم (193.9 كيلوجول لكل مول) واليود (151 كيلوجول لكل مول). هذه الطاقة المنخفضة تعني أن الرابطة F–F ضعيفة نسبياً، مما يسهل كسرها، وهذا هو السبب في أن الفلور شديد التفاعل: يكفي القليل من الطاقة الحرارية أو الضوء لتفكيك جزيء F₂ إلى ذرتين من الفلور (جذور F•) التي تتفاعل فوراً مع أي شيء تقريباً. الفلور غاز أصفر شاحب في الظروف القياسية، وعند تبريده إلى ما دون 85 كلفن يصبح سائلاً أصفر فاقعاً، وعندما يتجمد يصبح بلورات شاحبة (أصفر باهت إلى عديم اللون). الفلور السائل والصلب شديدا التفاعل، ويمكن أن ينفجرا عند ملامستهما للمواد العضوية أو الزيوت أو المطاط. كثافة الفلور السائل عند نقطة غليانه هي 1.505 غرام لكل مليلتر، أي أثقل من الماء. قابلية الفلور للذوبان في الماء منخفضة (حوالي 0.1 غرام لكل لتر)، لكنه يتفاعل مع الماء بسرعة لتكوين حمض الهيدروفلوريك (HF) والأكسجين وغاز الأوزون وبعض الأكاسيد، وفق التفاعل المعقد: 2F₂ + 2H₂O → 4HF + O₂. هذا التفاعل طارد للحرارة بشدة، ويمكن أن يشتعل الفلور في بخار الماء. الفلور يتفاعل مع معظم المواد العضوية بعنف، حتى عند درجات حرارة منخفضة جداً، مسبباً اشتعالاً أو انفجاراً. الخشب والمطاط والزيوت والملابس والورق تشتعل تلقائياً عند ملامستها للفلور. لهذا السبب، يجب التعامل مع الفلور تحت ظروف خاضعة للرقابة، في أجهزة مصنوعة من النيكل أو الفولاذ المقاوم للصدأ أو البلاتين أو التيفلون، وتحت جو من الغازات الخاملة (الأرغون أو النيتروجين الجاف تماماً)، وبارتداء معدات حماية كاملة.

الخواص الكيميائية للفلور هي الأكثر عدوانية بين جميع العناصر. يتفاعل الفلور مع جميع العناصر الأخرى تقريباً، بما في ذلك الغازات النبيلة (الزينون والكريبتون والرادون)، ومع الذهب والبلاتين (اللذان يعتبران خاملين)، ولكن بدرجات حرارة مرتفعة. مع الهيدروجين، يتفاعل الفلور بعنف في درجة حرارة الغرفة (بل إنه ينفجر في الظلام): H₂ + F₂ → 2HF، وهو تفاعل طارد للحرارة بشدة (ΔH = -546 كيلوجول لكل مول)، ويعطي فلوريد الهيدروجين HF. HF هو غاز عديم اللون، شديد السمية، وله رائحة نفاذة، ويذوب في الماء ليشكل حمض الهيدروفلوريك، وهو حمض ضعيف في المحاليل المخففة (pKa = 3.17) لكنه شديد التآكل، لأنه يهاجم الزجاج والسيليكا: SiO₂ + 4HF → SiF₄ + 2H₂O، أو 6HF + SiO₂ → H₂SiF₆ + 2H₂O (حمض هيكسافلوروسيليسيك). هذه الخاصية تجعل HF فريداً بين الأحماض: فهو الحمض الوحيد الذي لا يمكن تخزينه في أوعية زجاجية، بل يجب تخزينه في أوعية من البولي إيثيلين أو التيفلون أو البارافين. HF يستخدم في نقش الزجاج، وفي تنقية السيليكون (الصناعة الإلكترونية)، وفي تحضير مركبات الفلور العضوية، وفي الصناعات البتروكيماوية كحفاز. HF السائل هو مذيب أيوني ممتاز، يشبه الماء في بعض خواصه، لكنه أكثر حمضية وقاعدية لويس. مع الفلزات القلوية، يتفاعل الفلور بعنف ليشكل فلوريدات أيونية مثل NaF و KF و LiF. مع الفلزات الأرضية القلوية مثل الكالسيوم، يعطي CaF₂ (الفلوريت)، وهو معدن شائع. مع الألومنيوم، يعطي AlF₃، وهو مادة صلبة تستخدم في إنتاج الألومنيوم (إلكتروليت). مع السيليكون، يعطي SiF₄ (رباعي فلوريد السيليكون، غاز سام)، ومع الكبريت، يعطي SF₆ (سداسي فلوريد الكبريت)، وهو غاز خامل وكثيف، عازل كهربائي ممتاز، يستخدم في المحولات الكهربائية عالية الجهد وفي الصناعات الإلكترونية، لكنه غاز دفيء قوي جداً (أقوى بـ 23,500 مرة من CO₂). مع الكربون، لا يتفاعل الفلور بسهولة في الظروف العادية (رابطة C–F قوية جداً، كما سنرى في التيفلون)، ولكن عند درجات حرارة عالية أو في وجود محفز، يتشكل رباعي فلوريد الكربون CF₄ (غاز دفيء) ومركبات فلورو كربونية أخرى. مع النيتروجين، يتفاعل الفلور لتكوين ثلاثي فلوريد النيتروجين NF₃، وهو غاز سام، يستخدم في صناعة الإلكترونيات (تنظيف غرف الترسيب). مع الأكسجين، يكون التفاعل صعباً لأن الأكسجين أقل سالبية من الفلور، لكن يمكن تشكيل فلوريد الأكسجين OF₂ (ثنائي فلوريد الأكسجين)، وهو غاز سام ومؤكسد قوي، يستخدم في وقود الصواريخ. مع الزينون، يتفاعل الفلور عند تسخينه لتكوين XeF₂، XeF₄، XeF₆، وهي أول مركبات للغازات النبيلة تم اكتشافها، ودحضت فكرة أن الغازات النبيلة خاملة تماماً. مع الكريبتون، يتفاعل لتكوين KrF₂، وهو أقل استقراراً. مع الرادون، يتفاعل لتكوين RnF₂ (نظرياً، لم يؤكد عملياً بسبب النشاط الإشعاعي للرادون). الفلور يتفاعل مع الذهب عند 300-400 درجة مئوية لتكوين AuF₃ و AuF₅ (ثلاثي وخماسي فلوريد الذهب)، ومع البلاتين لتكوين PtF₆ (سداسي فلوريد البلاتين)، وهو المركب الذي استخدمه نيل بارتليت لتحضير أول مركب زينون، حيث تفاعل Xe مع PtF₆ ليعطي XePtF₆. الفلور هو العنصر الوحيد الذي يتفاعل مع جميع العناصر (عدا بعض الغازات النبيلة الثقيلة التي لم تجرب بعد)، ويشكل فلوريدات مع جميع المعادن (باستثناء بعض المعادن النبيلة في ظروف معينة). هذه التفاعلية العالية تجعل الفلور مادة خطيرة جداً، لكنها أيضاً تجعله مفيداً في تحضير مركبات لا يمكن تحضيرها بأي طريقة أخرى.

من ناحية النظائر، الفلور الطبيعي يتكون من نظير واحد مستقر فقط، وهو فلور-19 (¹⁹F)، الذي يشكل 100٪ من الفلور الطبيعي. هذا النظير له دوران مغزلي (spin) 1/2، مما يجعله حساساً في الرنين المغناطيسي النووي (¹⁹F NMR)، وهو تقنية تحليلية مهمة في الكيمياء العضوية والطبية، لأن ¹⁹F له حساسية عالية (قريبة من ¹H) ومجال كيميائي واسع (حتى 600 جزء في المليون)، مما يجعله أداة قوية لتحديد بنية الجزيئات المحتوية على الفلور. النظائر المشعة للفلور تشمل فلور-18 (¹⁸F) الذي عمر نصف 109.77 دقيقة، وهو نظير شديد الأهمية في الطب النووي، ويستخدم في التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET). يتم إنتاج ¹⁸F في السيكلوترونات بقصف هدف من الماء المخصب بالأكسجين-18 (¹⁸O) بالبروتونات: ¹⁸O(p,n)¹⁸F. ثم يتم دمج ¹⁸F كيميائياً في جزيء فلوروديوكسي جلوكوز (FDG)، وهو نظير للجلوكوز حيث يحل الفلور-18 محل مجموعة الهيدروكسيل في الموضع 2 من الجلوكوز. FDG هو العامل المشع الأكثر استخداماً في PET، لأنه يتراكم في الخلايا النشطة أيضياً (مثل الخلايا السرطانية، خلايا الدماغ، عضلة القلب) التي تستهلك الجلوكوز بكميات كبيرة، مما يسمح بتصوير الأورام السرطانية وتحديد مراحلها، وتقييم استجابة العلاج، وتشخيص أمراض القلب والأوعية الدموية، ودراسة نشاط الدماغ. الإنتاج العالمي من ¹⁸F يبلغ آلاف الجرعات يومياً في مراكز الطب النووي حول العالم، مما يجعله من أهم النظائر المشعة في التشخيص. نظائر أخرى مثل فلور-17 (¹⁷F، عمر نصف 64.5 ثانية) وفلور-20 (²⁰F، عمر نصف 11.0 ثانية) ليس لها تطبيقات تذكر بسبب قصر عمرها. النظير فلور-21 (²¹F) عمر نصف 4.2 ثانية، وفلور-22 (²²F) عمر نصف 4.2 ثانية، وفلور-23 (²³F) عمر نصف 2.2 ثانية، وفلور-24 (²⁴F) عمر نصف 0.4 ثانية، وفلور-25 (²⁵F) عمر نصف 0.25 ثانية، وكلها قصيرة العمر ولا تستخدم عملياً.

طرق تحضير الفلور العنصري F₂ لم تتغير كثيراً منذ زمن مواسان، رغم تحسينات كبيرة في المواد والسلامة. الطريقة الصناعية الأساسية هي التحليل الكهربائي لمصهور فلوريد البوتاسيوم الحامضي (KHF₂) في خليط مع حمض الهيدروفلوريك اللامائي، عند درجة حرارة حوالي 70-100 درجة مئوية (حيث يكون الخليط سائلاً). يستخدم وعاء من النيكل أو الفولاذ المقاوم للصدأ المطلي بالنيكل (مونل)، وأقطاب من الكربون (غرافيت) أو النيكل. التفاعل عند المهبط: 2HF₂⁻ + 2e⁻ → H₂ + 4F⁻ (يتصاعد الهيدروجين). عند المصعد: 2F⁻ → F₂ + 2e⁻ (يتصاعد الفلور). يتم فصل غازي الهيدروجين والفلور بواسطة حاجز أو غشاء، ويتم ضغط الفلور وتنقيته. الخلايا الكهربائية الحديثة تعمل بتيار عالٍ (آلاف الأمبيرات) وتنتج عدة أطنان من الفلور يومياً. الفلور الناتج يحتوي على شوائب من HF و OF₂ و CF₄، ويتم تنقيته بالتبريد أو بالامتصاص على فلوريد الصوديوم. يتم تخزين الفلور في أسطوانات فولاذية خاصة (مطلية بالنيكل) تحت ضغط منخفض (حتى 20 ضغط جوي)، ولكن النقل والتخزين صعب وخطير، لذلك يفضل تحضير الفلور في الموقع (عند الاستخدام) في معظم التطبيقات الصناعية. الإنتاج العالمي من الفلور الغازي يبلغ حوالي 100,000 طن سنوياً (بما يعادل عدة ملايين من الأسطوانات)، ويستخدم معظمه في إنتاج مركبات الفلور (الهيدروفلوروكربونات HFCs، كلورو فلورو كربونات CFCs، التيفلون، وغيرها). هناك طرق بديلة أقل شيوعاً لتحضير الفلور: التفكك الحراري لمركبات الفلور (مثل تفكك PbF₄ عند 300 درجة مئوية، أو تفكك CoF₃ عند 400 درجة مئوية)، أو التفكك الكهروكيميائي لمركبات الفلور في محاليل غير مائية (طرق مخبرية). لكن الطريقة الكهربائية تبقى السائدة.

الدور البيولوجي للفلور هو من أكثر المواضيع إثارة للجدل في الكيمياء الحيوية والصحة العامة. الفلور ليس عنصراً أساسياً للحياة (على عكس الكربون والهيدروجين والأكسجين والنيتروجين والكبريت والفوسفور والكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم والصوديوم والكلور والحديد والزنك والنحاس والمنغنيز والسيلينيوم والموليبدينوم واليود والكوبالت وغيرها)، ولكن كميات صغيرة جداً من أيون الفلوريد (F⁻) لها تأثيرات مفيدة على صحة الأسنان، حيث يمنع تسوس الأسنان عن طريق تثبيت مينا الأسنان. تتكون مينا الأسنان من هيدروكسي أباتيت Ca₁₀(PO₄)₆(OH)₂، وهو معدن فوسفات الكالسيوم. عندما يذوب أيون الفلوريد في اللعاب، يحل محل أيون الهيدروكسيل (OH⁻) في شبكة الهيدروكسي أباتيت لتكوين فلور أباتيت Ca₁₀(PO₄)₆F₂، وهو أكثر مقاومة للحمض البكتيري (الذي تفرزه البكتيريا في البلاك) من هيدروكسي أباتيت. كما أن الفلوريد يعزز إعادة تمعدن المينا بعد التآكل الحمضي، ويمنع نمو البكتيريا المسببة للتسوس (Streptococcus mutans). لذلك، يتم إضافة الفلوريد إلى معجون الأسنان (بتركيز 1000-1500 جزء في المليون)، وإلى غسولات الفم (225-1000 جزء في المليون)، وإلى مياه الشرب في بعض البلدان (0.7-1.2 جزء في المليون) في برامج فلورة المياه العامة التي بدأت في الولايات المتحدة في أربعينيات القرن العشرين، واعتمدتها منظمة الصحة العالمية كإجراء فعال وآمن للحد من تسوس الأسنان بنسبة 25-40٪، خاصة بين الأطفال والفقراء. لكن فلورة المياه أثارت جدلاً كبيراً منذ بدايتها: المعارضون يزعمون أن الفلوريد مادة سامة، وأنه يسبب تسمماً عصبياً، وسرطان العظام، وتأثيرات هرمونية، وتشوهات خلقية، وحتى انخفاض معدل الذكاء عند الأطفال. لكن الأدلة العلمية الكبيرة (من دراسات على ملايين الأشخاص على مدى 70 سنة) تدعم سلامة فلورة المياه عند المستويات الموصى بها، ولا توجد أدلة قوية على الآثار الضارة المزعومة (باستثناء التسمم بالفلور في حالة الجرعات العالية جداً، كما سيأتي). الجرعة اليومية الموصى بها من الفلوريد للبالغين هي 3-4 ملغ يومياً (من جميع المصادر: الماء، معجون الأسنان، الطعام، الشاي، الأسماك، الخضروات، إلخ). الجرعة السامة الحادة هي 5-10 ملغ لكل كيلوغرام من وزن الجسم (أي 350-700 ملغ لشخص بالغ وزنه 70 كغ)، والجرعة المميتة هي 15-30 ملغ لكل كيلوغرام (أي حوالي 1-2 غرام من فلوريد الصوديوم، أي ما يعادل 0.5-1 ملعقة صغيرة من معجون أسنان كامل). التسمم الحاد بالفلوريد يسبب الغثيان، القيء، آلام البطن، الإسهال، نقص الكالسيوم في الدم، اضطراب نظم القلب، صدمة، وفشل كلوي، وقد يؤدي إلى الموت. التسمم المزمن (التسمم بالفلور، Fluorosis) يحدث نتيجة تناول جرعات زائدة من الفلوريد على مدى سنوات (أكثر من 4-8 ملغ يومياً للبالغين، أو 2-4 ملغ يومياً للأطفال)، ويسبب تسمماً عظمياً (Osteofluorosis) يؤدي إلى تصلب العظام، آلام المفاصل، انخفاض مرونة العظام، وزيادة خطر الكسور، وتشوهات في الأسنان (تسمم الأسنان بالفلور، Dental Fluorosis) الذي يظهر على شكل بقع بيضاء أو بنية على مينا الأسنان، أو خطوط أو حفر في الحالات الشديدة، خاصة عند الأطفال دون سن 8 سنوات الذين يتعرضون لجرعات زائدة أثناء تكوين الأسنان الدائمة. التسمم بالفلور شائع في بعض المناطق التي تحتوي مياهها الجوفية على مستويات عالية طبيعية من الفلوريد (أكثر من 2-4 جزء في المليون)، مثل بعض مناطق الهند والصين والشرق الأوسط وإفريقيا. تعالج هذه المناطق عن طريق إزالة الفلوريد من مياه الشرب باستخدام التبادل الأيوني، التناضح العكسي، أو الامتزاز على الألومينا المنشطة. أما بالنسبة للكائنات الأخرى، فالفلوريد سام للأسماك واللافقاريات المائية عند تركيزات أقل من 1-5 جزء في المليون، ويمكن أن يتراكم في النباتات (خاصة في المناطق القريبة من مصانع الألومنيوم أو مصانع الفوسفات)، مما يسبب تلف الأوراق وتقزم النمو. النباتات تمتص الفلوريد من التربة والماء والهواء (على شكل HF أو SiF₄)، وتخزنه في الأوراق، وعندما تأكلها الحيوانات، ينتقل الفلوريد إلى السلسلة الغذائية. عشب الرعي في المناطق الصناعية قد يحتوي على 100-200 جزء في المليون من الفلوريد، مما يسبب تسمماً للماشية (أعراض: ضعف الأسنان، هشاشة العظام، فقدان الوزن، انخفاض إنتاج الحليب). لذا، حددت وكالات حماية البيئة حدوداً صارمة لانبعاثات الفلوريد من المصانع (مثل صناعة الألومنيوم، الأسمدة الفوسفاتية، السيراميك، الزجاج)، وفرضت أنظمة مراقبة.

التطبيقات الصناعية للفلور ومركباته هائلة ومتنوعة، وتشكل صناعة بمليارات الدولارات سنوياً. التطبيق الأول من حيث الحجم هو إنتاج مركبات الفلور العضوية: مركبات الهيدروفلوروكربون (HFCs) المستخدمة كبدائل لمبردات الكلوروفلوروكربون (CFCs) التي تدمّد الأوزون. HFCs لا تحتوي على الكلور (لذا فهي آمنة للأوزون)، لكنها غازات دفيئة قوية جداً، وهي حالياً قيد الطرح التدريجي واستبدالها ببدائل أقل ضرراً بيئياً (مثل HFOs). التطبيق الثاني هو إنتاج البوليمرات الفلورية، وأشهرها التيفلون (PTFE - بولي تترافلورو إيثيلين)، الذي اكتشفه روي بلونكيت من شركة دوبونت بالصداقة في عام 1938 عندما كان يحاول صنع مبرد جديد، ووجد أن غاز رباعي فلورو إيثيلين (TFE) يتبلمر تلقائياً على جدران الأسطوانة المبردة ليشكل مادة شمعية بيضاء زلقة لا تلتصق بها أي مادة. التيفلون يتميز بمقاومته العالية للحرارة (حتى 260 درجة مئوية)، ومقاومته للمواد الكيميائية (لا يتفاعل مع أي حمض أو قاعدة أو مذيب)، ومعامل احتكاك منخفض جداً (أقل من أي مادة صلبة)، مما يجعله مادة تشحيم جافة ممتازة، وطلاء غير لاصق (أواني الطهي غير اللاصقة)، وعازل كهربائي ممتاز (كابلات التيفلون)، وألياف مقاومة للماء والزيوت (الأقمشة المقاومة للبقع)، ومادة حشو للأوعية والمفاعلات الكيميائية. بوليمرات فلورية أخرى: FEP (فلورو إيثيلين بروبيلين)، PFA (بيرفلورو ألكوكسي)، PVDF (بولي فينيلدين فلوريد) المستخدم في البطاريات والأغشية، و ETFE (إيثيلين تترافلورو إيثيلين) المستخدم في تغطية المباني والأسلاك. التطبيق الثالث هو إنتاج حمض الهيدروفلوريك (HF) ومركبات الفلوريد غير العضوية: HF يستخدم في نقش الزجاج، وفي تنقية السيليكون (صناعة الإلكترونيات)، وفي إنتاج اليورانيوم المخصب (تحويل UO₂ إلى UF₆، وهو مركب سائل يتصاعد عند 56 درجة مئوية، ويتم فصله نظائرياً بواسطة الطرد المركزي أو الانتشار الغازي)، وفي صناعة الألومنيوم (تستخدم فلوريدات الألومنيوم والصوديوم في إلكتروليت صهر الألومينا)، وفي حفر المعادن، وفي البتروكيماويات، وفي الأدوات الجراحية، وفي المبيدات الحشرية، وفي صناعة الأدوية. التطبيق الرابع هو في الصناعات الإلكترونية وأشباه الموصلات: يستخدم غاز NF₃ (ثلاثي فلوريد النيتروجين) لتنظيف غرف الترسيب الكيميائي للبخار (CVD) من رواسب السيليكون والنيتريد، ويستخدم WF₆ (سداسي فلوريد التنغستن) في ترسيب أغشية التنغستن على الرقاقات، ويستخدم SiF₄ (رباعي فلوريد السيليكون) في بعض عمليات الترسيب. التطبيق الخامس هو في صناعة الأدوية: حوالي 20-30٪ من الأدوية الحديثة تحتوي على ذرة فلور أو أكثر في جزيئها، لأن إدخال الفلور في جزيء دوائي يغير عادة خواصه الحيوية: يزيد من ثباته الأيضي (يمنع تفككه في الكبد)، يحسن امتصاصه، يزيد من تقاربه للمستقبلات، ويقلل من سمية الأيضات. أشهر الأدوية المحتوية على الفلور: فلوكستين (بروزاك، مضاد للاكتئاب)، سيبروفلوكساسين (مضاد حيوي)، ليفوفلوكساسين (مضاد حيوي)، فلوكونازول (مضاد فطري)، فلوتيكازون (كورتيكوستيرويد، مضاد للالتهاب في الربو)، أتورفاستاتين (ليبيتور، لخفض الكوليسترول)، وروزيجليتازون (للسكري). التطبيق السادس هو في الصناعات النووية: UF₆ (سداسي فلوريد اليورانيوم) هو المادة الأولية لتخصيب اليورانيوم، وهو مركب شديد التآكل، يتفاعل مع الماء لتكوين HF و UO₂F₂ (فلوريد يورانيل). يتم تخزين UF₆ في أسطوانات فولاذية ثقيلة، ويتم تخصيبه في مصانع الطرد المركزي. التطبيق السابع هو في الصناعات العسكرية: مركبات الفلور تستخدم في وقود الصواريخ (مثل ClF₃ و OF₂ كعوامل مؤكسدة قوية)، وفي الأسلحة الكيميائية (بعض غازات الأعصاب تحتوي على الفلور، مثل السارين، لكنها محظورة دولياً). التطبيق الثامن هو في الصناعات البصرية: الكوارتز المنصهر مع فلوريد الكالسيوم (CaF₂) يستخدم في العدسات البصرية فائقة الجودة (عدسات الكاميرات والتلسكوبات والمجاهر)، لأن CaF₂ شفاف للأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء، وله معامل انكسار منخفض وتشتت منخفض. التطبيق التاسع هو في الطب: مركبات الفلور العضوية تستخدم كعوامل تباين في التصوير بالرنين المغناطيسي (¹⁹F MRI)، وفي عوامل التخدير (سيفوفلوران، ديسفلوران، إنفلوران)، وفي مضادات الفيروسات (أوسيلتاميفير، تاميفلو)، وفي مضادات السرطان (5-فلورويوراسيل، دواء كيميائي لسرطان القولون والثدي). التطبيق العاشر هو في المواد ذاتية التنظيف والأسطح فائقة الكارهة للماء: مركبات السيلان والفلور (مثل PTFE، FEP، والألكيل سيليكونات الفلورية) تستخدم في طلاءات واقية للزجاج والمنسوجات والأسطح المعدنية، مما يجعلها مقاومة للماء والزيوت والبقع، وتستخدم في السترات المقاومة للمطر، والأحذية، والأرائك، والسيارات، والسفن. التطبيق الحادي عشر هو في الصناعات الغذائية: بعض مركبات الفلور (مثل hexafluorophosphate) تستخدم كمبيدات حشرية، وبعضها الآخر (مثل الفلوريد) يستخدم كإضافات غذائية للحد من التسوس (معجون الأسنان، مكملات الفلورايد، مياه الشرب المفلورة). التطبيق الثاني عشر هو في التعدين: يستخدم فلوريد الهيدروجين في استخلاص بعض المعادن (التنغستن، الموليبدينوم، الفاناديوم)، وفي تنقية خامات الفوسفات.

أما بالنسبة لكيمياء التنسيق وحالات الأكسدة، فالفلور يظهر حالة أكسدة واحدة فقط في جميع مركباته المستقرة: -1 (أيون الفلوريد F⁻). لا توجد حالات أكسدة إيجابية للفلور في مركباته المستقرة، باستثناء مركبات مع الأكسجين (OF₂) حيث يحسب الفلور حالة -1 والأكسجين +2، وفي مركبات مع الفلور الأكثر سالبية (وهي غير موجودة لأن الفلور هو الأكثر سالبية). لذا، الفلور هو العنصر الوحيد الذي له حالة أكسدة ثابتة (-1) في جميع مركباته (عدا حالات خاصة لا تحتسب، حيث يعتبر مؤكسداً دائماً). في معقدات التنسيق، يمكن للفلوريد أن يكون ربيطة أحادية السن (ترتبط بذرة فلز واحدة)، أو ربيطة جسرية (تربط بين ذرتي فلز أو أكثر)، وتكون هذه المعقدات عادة مستقرة حرارياً، وتستخدم في التخليق الكيميائي وفي التحليل الطيفي (¹⁹F NMR). الفلوريد له قدرة عالية على تكوين روابط هيدروجينية بسبب صغر حجمه وسالبية عالية، لكنه ليس متبرعاً جيداً بروابط هيدروجينية مقارنة بالأكسجين والنيتروجين. في المحاليل المائية، أيون الفلوريد هو قاعدة ضعيفة جداً (pKa للHF هو 3.17، أي أن HF هو حمض ضعيف، وF⁻ هو قاعدة ضعيفة جداً). في الكيمياء غير العضوية، مركبات الفلوريد عالية التكافؤ (مثل SF₆، UF₆، WF₆، XeF₆) لها هندسات جزيئية متناظرة (ثمانية الأوجه، مربع الوجه، إلخ) ويكون الفلور فيها غالباً في حالة -1، مع روابط تساهمية قوية بسبب تداخل مدارات p من الفلور مع مدارات s أو d من العنصر المركزي.

من ناحية التحديات والاتجاهات المستقبلية، يواجه الفلور عدة تحديات بيئية وصحية. أولاً، مركبات الكلوروفلوروكربون (CFCs) التي كانت تستخدم كمبردات ومواد دافعة في بخاخات الأيروسول، تبين أنها تسبب تدمير طبقة الأوزون الستراتوسفيرية، مما أدى إلى توقيع بروتوكول مونتريال (1987) الذي حظر إنتاجها تدريجياً. تم استبدالها بـ HFCs (هيدروفلوروكربونات) التي لا تحتوي على الكلور، وبالتالي لا تؤثر على الأوزون، لكنها غازات دفيئة قوية جداً (مثل HFC-134a، GWP = 1430). لذلك، تم تعديل بروتوكول مونتريال في اتفاقية كيغالي (2016) للحد من إنتاج HFCs واستبدالها ببدائل ذات GWP منخفض، مثل HFOs (هيدروفلورو أوليفينات) التي تتحلل بسرعة في الغلاف الجوي ولها GWP منخفض جداً (أقل من 1). التحدي الثاني هو مركبات PFAS (المواد المشبعة بالفلور الألكيلية، والمعروفة أيضاً بـ "المواد الكيميائية الأبدية" لأنها لا تتحلل في البيئة)، وتشمل حمض البيرفلورو أوكتانويك (PFOA) وحمض البيرفلورو أوكتان سلفونيك (PFOS)، التي كانت تستخدم في طلاءات مقاومة الماء والدهون والزيوت، وفي رغوات مكافحة الحرائق، وفي منتجات التنظيف، وفي عبوات المواد الغذائية المقاومة للدهون. تبين أن هذه المركبات تتراكم في جسم الإنسان والحيوان، وتسبب آثاراً صحية ضارة (ارتفاع الكوليسترول، خلل في الغدة الدرقية، تثبيط المناعة، انخفاض وزن المواليد، وسرطان الخصية والكلى والكبد)، وأنها تنتشر في البيئة (المياه الجوفية، التربة، مياه الشرب) ولا تتحلل طبيعياً. لذلك، قررت وكالات التنظيم (EPA، وكالة المواد الكيميائية الأوروبية) وضع حدود صارمة لـ PFAS في مياه الشرب (حدود 4-70 جزءاً في البليون)، وحظر استخدامها في التعبئة والتغليف الغذائي وفي رغوات مكافحة الحرائق العسكرية، واستبدالها ببدائل أقل ضرراً. تقنيات إزالة PFAS من المياه تشمل الكربون المنشط، والتبادل الأيوني، والتناضح العكسي، والتحليل الكهربائي، والأكسدة المتقدمة، لكنها جميعاً مكلفة وغير فعالة بنسبة 100٪. التحدي الثالث هو سمية الفلوريد نفسها في المناطق التي تعاني من التسمم بالفلور الطبيعي، حيث يلزم توفير مياه شرب خالية من الفلوريد أو معالجة المياه بإزالة الفلوريد بطرق اقتصادية (مثل باستخدام الألومينا المنشطة، أو مسحوق العظام، أو الفحم الحيوي، أو الأغشية). التحدي الرابع هو انبعاثات الفلوريد من الصناعات (مصانع الألومنيوم، مصانع الفوسفات، مصانع الأسمنت، مصانع الزجاج، مصانع السيراميك، مصانع الصلب)، حيث تطلق غازات مثل HF و SiF₄ و CF₄ التي تسبب تآكل المباني والأثرية، وتؤذي النباتات (خاصة الصنوبريات)، وتدخل في السلسلة الغذائية. لذلك، تفرض التشريعات البيئية استخدام أجهزة غسل الغازات (سكربرات) وفلاتر الرذاذ (مصافي) واحتجاز الغازات لإعادة تدويرها أو تحويلها إلى مركبات مفيدة. في الجانب الإيجابي، الأبحاث الحالية تتجه نحو استخدام الفلور في مجالات جديدة وواعدة: تطوير بطاريات أيونات الفلوريد (Fluoride-ion batteries) التي قد تكون أخف وزناً وأعلى كثافة طاقية من بطاريات الليثيوم، باستخدام مواد كاثود مثل فلوريدات المعادن الانتقالية، وإلكتروليت صلب من الفلوريد. تطوير مواد جديدة فائقة التوصيل تحتوي على الفلور (مثل فلوريد الحديد والنحاس) لتحسين كفاءة نقل الطاقة. تطوير أدوية جديدة تحتوي على الفلور لمكافحة الأمراض المستعصية (السرطان، الزهايمر، باركنسون، السكري، الفيروسات). تطوير مواد حفازة فلورية لتحويل CO₂ إلى وقود أو مواد كيميائية مفيدة. تطوير أغشية فلورية لتحلية المياه وفصل الغازات. تطوير دهانات وطلاءات فلورية ذاتية الإصلاح لصناعة الطيران والسيارات.

ختاماً، الفلور هو أعدى عناصر الطبيعة وأكثرها عدوانية، لكنه أيضاً أكثرها فائدة وأكثرها تناقضاً. هو الذي أودى بحياة العديد من الكيميائيين الشجعان الذين حاولوا كشف أسراره، وهو الذي يحمي أسناننا من التسوس ويمنح أدويتنا فعالية أكبر، وهو الذي مكننا من الطيران إلى الفضاء عبر الوقود المؤكسد، وهو الذي يهدد طبقة الأوزون التي تحمي الحياة على الأرض، وهو الذي يلوث مياهنا بمواد كيميائية أبدية لا تتحلل. الفلور هو التجسيد الحي لمقولة "القوة العظمى تأتي مع مسؤولية عظمى". نحن البشر، بإرادتنا، نتحكم في كيفية استخدام هذه القوة: إما أن نستخدمها بحكمة لخدمة الإنسانية والبيئة، أو نستخدمها بتهور فندمر ما حولنا. في عصر تغير المناخ والتلوث البيئي، أصبحت إدارة مركبات الفلور مسؤولية أخلاقية وعلمية مشتركة. وكما قال هنري مواسان بعد نجاحه في عزل الفلور: "لقد فتحت الباب لعالم جديد، لكن هذا العالم قد يكون جحيماً إذا لم نتعلم السيطرة عليه". علينا أن نتذكر دائماً أن الفلور، رغم شراسته، لا يزال عنصراً من عناصر الطبيعة، وأنه جزء من نظام الأرض المعقد. فهمنا لكيميائه وتفاعله ودورته في البيئة هو مفتاح التعايش معه والاستفادة منه دون أن ندمر أنفسنا أو كوكبنا. كل ذرة فلور في معجون أسنانك، وفي دوائك، وفي كابل الكهرباء، وفي عدسة الكاميرا، وفي عازل السفينة، تحمل في طياتها قصة من الجهد العلمي والتضحية البشرية، وتذكرنا بعظمة الكيمياء وقدرتها على تحويل أخطر المواد إلى أدوات للحياة والرفاهية، أو العكس. الخيار لنا.



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النيون | ضوء المدينة الخالد والغاز النبيل الأكثر تمرداً على ...
- العراق بين انهيار الدولة وسقوط الإنسان | قراءة في الأزمة الا ...
- النيتروجين | العنصر الخامل الذي يغذي الحضارة ويهدد النظم الب ...
- الأكسجين | روح الاحتراق ونبض الحياة - من ثورة لافوازييه إلى ...
- البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير ال ...
- الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنو ...
- البيريليوم | الفلز الغامض بين الخفة والقوة - من الزمرد إلى ا ...
- الليثيوم | الفلز الخفيف الذي شحن العالم - من معادن البغماتيت ...
- الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض ...
- الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى ...
- السيد السيستاني آخر العظماء
- بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو ...
- الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا ...
- هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم
- أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية
- بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ ...
- العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
- معجزة المسيح السياسية
- أنطولوجيا النجاة
- الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة


المزيد.....




- صرخته أقوى من الطائرة.. رجل يحطم الرقم بأعلى صوت في العالم
- الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال بعثة لدعم جيش لبنان وتعزيز سلطة ...
- روبيو يطمئن الخليج: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الحلفاء
- -الخماسية الأوروبية- تسعى لتعميق الشراكة بين الناتو وأوكراني ...
- قاضية فيدرالية تمنع ترامب من تطبيق شرط تقديم دليل المواطنة م ...
- ماكرون: هناك تقارب بين الأوروبيين والأمريكيين بشأن أوكرانيا ...
- حادثة صادمة.. موظفات في -وينديز- يقدمن لزبونة طعاما من سلة ا ...
- تل أبيب تجابه واشنطن.. لن ننسحب من لبنان
- الجزائر تستنفر جاليتها في مصر قبل الانتخابات التشريعية
- وزارة الصحة  الإسرائيلية في حالة صدمة: سرقة طحينة ملوثة بالس ...


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - الفلور | الشيطان الأصفر الأكثر عدوانية في الجدول الدوري - من الموت البطيء للكيميائيين إلى حماية الأسنان وثقب الأوزون