أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير المستقبل















المزيد.....



البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير المستقبل


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 07:17
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


يأتي البورون، الذي يحمل الرمز B والعدد الذري 5، خامس العناصر في الجدول الدوري، وأول العناصر التي تبدأ بملء المدار p بعد اكتمال المدار 1s و 2s. يتميز البورون بكونه شبه فلز (metalloid) أو شبه موصل، يقع في المنطقة الحدودية بين الفلزات واللافلزات، ويجمع في خواصه بين صلادة الفلزات و تفاعلية اللافلزات في آن واحد. يظهر البورون في الطبيعة بشكلين بلوريين رئيسيين: البورون البلوري، وهو مادة سوداء قاتمة شديدة الصلادة، ذات بريق معدني خافت، و البورون اللابلوري (غير المتبلور)، وهو مسحوق بني غامق يشبه الغبار. البورون هو العنصر الخفيف الوحيد الذي لا يتبع قاعدة الثمانيات الإلكترونية بشكل اعتيادي في مركباته، مما يجعله كيميائياً فريداً بين جميع العناصر، قادراً على تشكيل مركبات إلكترونية ناقصة (electron-deficient) وهياكل عنقودية استثنائية، وأشهرها عائلة البورانات وأيونات الكاربورانات.

إن قصة اكتشاف البورون و عزلته هي ملحمة من الكيمياء الرائدة. عرف الإنسان مركبات البورون منذ العصور القديمة، وخاصة مركب البوراكس، وهو بورات الصوديوم المائية الطبيعية (Na₂B₄O₇·10H₂O)، الذي كان يستخدمه القدماء في تحضير الزجاج و التزجيج و تليين المياه و كمادة حافظة للمومياوات في مصر القديمة و كمساعد في صهر المعادن. كانت قوافل التجارة تنقل البوراكس من بحيرات البورات في التبت و صحراء غوبي إلى أوروبا وآسيا الصغرى تحت اسم "تينكال". لكن لم يدرك أحد حتى أواخر القرن الثامن عشر أن هذه الأملاح تحتوي على عنصر جديد. في عام 1702، نجح الكيميائي الفرنسي فيلهلم هومبيرج في تحضير حمض البوريك من البوراكس، وأطلق عليه اسم "ملح مهدئ" (sal sedativum) لاستخداماته الطبية المزعومة. في عام 1741، ميز الكيميائي السويدي كارل فلهلم شيله - أحد أعظم الكيميائيين التجريبيين في التاريخ - بين حمض البوريك وحمض الكربونيك وأحماض أخرى، وأشار إلى أنه قد يكون مشتقاً من "أرض جديدة". لكن الفضل الأكبر في اكتشاف البورون كعنصر يعود إلى الكيميائيين الفرنسيين جوزيف لويس غي-لوساك و لويس جاك تينار، وإلى السير همفري ديفي في إنجلترا، وذلك في عام 1808 بشكل متزامن تقريباً، و لكن من دون علم كل فريق بالآخر. كان كل من غي-لوساك و تينار قد سمعا تقارير عن تجارب ديفي في التحليل الكهربائي، فقررا محاولة عزل العنصر الجديد من حمض البوريك. استخدما تفاعل تسخين حمض البوريك مع فلز البوتاسيوم في وعاء نحاسي، فنتج لديهما مادة بنية اللون أطلقا عليها اسم "بوره" أو "بورون". و في نفس العام، وبشكل مستقل، نجح ديفي في إجراء تحليل كهربائي لحمض البوريك الرطب باستخدام أقطاب البلاتين، فحصل على مادة بنية داكنة أطلق عليها اسم "بوراسيوم". استغرق الأمر عدة عقود لتأكيد أن البورون ليس فلزاً قلوياً بل شبه فلز، وأن شكله النقي البلوري لا يمكن الحصول عليه إلا بطرق خاصة. في عام 1856، نجح الكيميائي الفرنسي هنري سانت كلير ديفيل (الذي عزل الألومنيوم أيضاً) في تحضير بلورات صغيرة من البورون البلوري بتسخين كلوريد البورون مع بخار الهيدروجين فوق فلز الألومنيوم. ثم في عام 1892، نجح الكيميائي الفرنسي هنري مواسان (الحائز على جائزة نوبل لتحضيره الفلور) في تحضير بورون بلوري عالي النقاوة بطريقة اختزال أكسيد البورون بالمغنيسيوم. أما الشكل اللابلوري فكان معروفاً من قبل. ولكن حتى خمسينيات القرن العشرين، لم يكن البورون البلوري النقي جداً متاحاً، و كانت الدراسات البلورية و الفيزيائية عليه محدودة. في عام 1951، تمكن الباحثون من مختبرات بيل في الولايات المتحدة من إنتاج بلورات بورون نقية بطريقة ترسيب البخار الكيميائي (CVD) من كلوريد البورون و الهيدروجين، مما فتح الباب لفهم فيزياء البورون و إلكترونياته.

من حيث الوفرة الطبيعية، البورون عنصر نادر نسبياً في القشرة الأرضية و النظام الشمسي، حيث يبلغ تركيزه حوالي 10 أجزاء في المليون وزناً، أي أنه أكثر وفرة من الرصاص و الذهب و البلاتين و الفضة، ولكنه أقل وفرة من النيتروجين (25 جزءاً) والكربون (200 جزء). لا يوجد البورون في الطبيعة بشكله الحر أبداً، بل يتواجد دائماً في صورة بورات، أي أملاح لحمض البوريك مع عناصر أخرى، خاصة الصوديوم و الكالسيوم و المغنيسيوم. أهم المعادن الحاملة للبورون هي: البوراكس (Na₂B₄O₇·10H₂O)، و هو معدن أبيض أو رمادي يوجد في بحيرات الملح الجافة والقيعان الملحية الجافة في المناطق القاحلة، مثل صحراء موهافي في كاليفورنيا و صحراء أتاكاما في تشيلي و بحيرات التبت. الكيرنيت (Na₂B₄O₇·4H₂O) هو معدن بوراكس مجفف جزئياً، يوجد في نفس المناطق. الكوليمانيت (Ca₂B₆O₁₁·5H₂O) هو معدن بورات كالسيوم، يوجد في رواسب كبيرة في تركيا و الولايات المتحدة (كاليفورنيا و نيفادا). الأوكسينيت (NaCaB₅O₉·8H₂O) معدن مختلط. البوراسيت (Mg₃B₇O₁₃Cl) معدن يحتوي على المغنيسيوم و الكلور. أهم احتياطيات البورون في العالم توجد في تركيا، التي تمتلك حوالي 70-75 بالمئة من الاحتياطيات العالمية، وتتركز في منطقة إسكي شهير و كوتاهيا و باليكسير، حيث توجد رواسب هائلة من الكوليمانيت و البوراكس و الأوكسينيت. الولايات المتحدة (خاصة كاليفورنيا) تأتي في المرتبة الثانية، ثم روسيا و الصين و تشيلي و الأرجنتين و بوليفيا. تقدر الاحتياطيات العالمية المؤكدة من البورون (على أساس محتوى أكسيد البورون B₂O₃) بنحو 1.2 مليار طن، تكفي لأكثر من 500 عام بمعدلات الاستهلاك الحالية. يستخرج البورون بطريقتين: إما من رواسب البوراكس و الكيرنيت بالتعدين المكشوف و التبخير الشمسي للمحاليل الملحية، أو من معادن الكوليمانيت و البوراسيت بالتعدين الجوفي، ثم تُعالج المعادن بالماء الساخن أو الأحماض لاستخلاص حمض البوريك أو البوراكس، الذي يحول بعد ذلك إلى مركبات البورون المختلفة.

بالانتقال إلى الخواص الفيزيائية والذرية، نجد أن البورون هو العنصر الأكثر تعقيداً وغرابة بين عناصر الدورة الثانية. ترتيبه الإلكتروني هو 1s² 2s² 2p¹، أي أن لديه ثلاثة إلكترونات تكافؤ (اثنان في 2s وواحد في 2p)، لكن بسبب صغر حجم ذرته (نصف القطر الذري حوالي 90 بيكومتر) وطاقة تأينه العالية نسبياً، فإن البورون لا يشكل أيون B³⁺ البسيط في الظروف العادية، بل يشكل مركبات تساهمية بالكامل تقريباً. طاقة التأين الأولى للبورون هي 800.6 كيلوجول لكل مول، وهي أعلى من طاقة تأين البريليوم (899.4؟ لا، بالمراجعة: البيريليوم 899.4، البورون 800.6، لكن البورون أقل من البريليوم لأن إزالة إلكترون p أسهل من إزالة إلكترون s من غلاف مغلق. هذا صحيح. إذن البورون له طاقة تأين أقل من البريليوم. لكن طاقة التأين الثانية للبورون عالية جداً (2427 كيلوجول لكل مول)، والثالثة (3659 كيلوجول لكل مول)، لذلك لا يمكن للبورون أن يشكل B³⁺ في المحاليل المائية، وتكون مركباته دائماً تساهمية أو ذات ترابط أيوني جزئي. السالبية الكهربية للبورون على مقياس بولنغ تبلغ 2.04، وهي أعلى من السيليكون (1.90) وأقل من الكربون (2.55) والنيتروجين (3.04)، مما يجعله شبه فلز حقيقي. الخواص الكهربائية للبورون مثيرة: البورون اللابلوري هو شبه موصل له فجوة طاقة (band gap) تتراوح بين 1.5 و 1.7 إلكترون فولت، مما يجعله شبيهاً بالسيليكون (1.12 إلكترون فولت) ولكنه أقل ناقلية. البورون البلوري، بسبب تعقيد بنيته البلورية (هناك عدة أطوار بلورية للبورون، أهمها البورون بيتا-رومبوهدري والبيتا-رباعي)، هو شبه موصل ذو فجوة طاقة حوالي 1.5 إلكترون فولت أيضاً، ويمكن أن يضاف إليه شوائب مثل الكربون لتعديل خواصه الكهربائية. لكن البورون نادراً ما يستخدم في الإلكترونيات كشبه موصل مباشر، بل يستخدم في شكل مركبات مع النيتروجين (نتريد البورون) أو الكربون (كربيد البورون) أو في شكل عنقوديات.

من أكثر الخواص الفيزيائية شهرة للبورون هي صلابته الفائقة. البورون البلوري هو ثاني أصلب مادة معروفة بعد الألماس و نتريد البورون المكعب، حيث تصل صلابته على مقياس موس إلى حوالي 9.3 إلى 9.5، أي أنه يخدش كل المواد تقريباً ما عدا الألماس ونتريد البورون المكعب وبعض أشكال الكربون النانوية. معامل مرونة البورون مرتفع جداً (حوالي 450 جيجاباسكال)، وهو قريب من معامل الألماس (1050 جيجاباسكال)، لكن البورون هش جداً، فإذا تعرض لصدمة فإنه يتشقق بدلاً من أن يتشوه. هذا الهشاشة، مع ارتفاع درجة انصهاره (حوالي 2076 درجة مئوية، وغليانه حوالي 3927 درجة مئوية)، تجعل من الصعب تشكيل البورون إلى أشكال مفيدة، ولذلك يستخدم في الغالب كمسحوق أو في مركباته الصلبة. البورون اللابلوري أقل صلابة (حوالي 5-6 على موس) وأكثر تفاعلية كيميائياً بسبب مساحته السطحية الكبيرة.

الكثافة النوعية للبورون البلوري هي 2.34 غرام لكل سنتيمتر مكعب، وهي أقل من الألومنيوم (2.70)، مما يجعله خفيف الوزن نسبياً. الموصلية الحرارية للبورون البلوري متوسطة (حوالي 27 واط لكل متر لكل كلفن)، أي أقل من الألومنيوم بكثير ولكنها أعلى من الفولاذ. عند درجة حرارة الغرفة، البورون عازل سيئ (مقاومته الكهربائية تتناقص بشدة مع ارتفاع الحرارة، أي أنه شبه موصل نموذجي). من الظواهر المثيرة للاهتمام أن البورون يبدو "بالونياً" في بعض تجارب القوس الكهربائي: إذا مرر تيار كهربائي عالٍ عبر مسحوق البورون، فإنه يتوهج بضوء أبيض ويصدر شرراً، وقد يستخدم في القنابل الفلاشية.

الخواص الكيميائية للبورون تجعله عنصراً استثنائياً. في درجة حرارة الغرفة، البورون البلوري خامل نسبياً ولا يتفاعل مع الأكسجين، ولكن البورون اللابلوري يمكن أن يتأكسد ببطء في الهواء الرطب. عند التسخين فوق 700 درجة مئوية، يحترق البورون بلهب أخضر زاهي ليشكل أكسيد البورون B₂O₃، وهو تفاعل شديد الطرد للحرارة. أكسيد البورون هو مادة صلبة زجاجية بيضاء، تتفاعل مع بخار الماء لتشكيل حمض البوريك H₃BO₃، الذي هو حمض ضعيف قابل للذوبان في الماء. في الواقع، حمض البوريك هو الشكل الشائع للبورون في المحاليل المائية، وهو يستخدم كمطهر خفيف للعين (محلول بوري) وكمادة حافظة. البورون لا يتفاعل مع الماء في درجة حرارة الغرفة، لكنه يتفاعل ببطء مع بخار الماء عند التسخين ليعطي أكسيد البورون والهيدروجين.

يتفاعل البورون بعنف مع الهالوجينات عند التسخين ليشكل هاليدات البورون الثلاثية التساهمية. ثلاثي فلوريد البورون BF₃ هو غاز عديم اللون شديد التفاعل، يستخدم كحفاز في التفاعلات العضوية (ألكلة وأسيلة فريدل-كرافتس). ثلاثي كلوريد البورون BCl₃ هو غاز سام ودخان، يستخدم في تنقية الألومنيوم وفي صناعة ألياف البورون. ثلاثي بروميد البورون BBr₃ و ثلاثي يوديد البورون BI₃ هما مواد صلبة تستخدم في التخليق العضوي. هذه الهاليدات كلها أحادية الترابط (البورون فيها له 6 إلكترونات فقط حوله، أي أنها ناقصة الإلكترون)، مما يجعلها أحماض لويس قوية جداً، قادرة على الارتباط بجزيئات مانحة للإلكترون (مثل الأمونيا، الماء، الإيثرات) لتشكيل معقدات بأربعة روابط (مثل BF₄⁻ في رباعي فلورو بورات).

أهم ما يميز كيمياء البورون هو تكوينه للبورانات (boranes)، وهي مركبات من البورون والهيدروجين فقط، وصيغها العامة BₙHₙ₊₄ و BₙHₙ₊₆ و BₙHₙ₊₂، و هي مركبات ناقصة الإلكترون بشكل فاحش، حيث لا توجد إلكترونات كافية لتشكيل روابط تساهمية ثنائية الإلكترون ثنائية المركز (2c-2e) بين كل زوج من الذرات. بدلاً من ذلك، تشكل البورانات روابط متعددة المراكز، وأشهرها الرابطة ثلاثية المراكز ثنائية الإلكترون (3c-2e) التي تتضمن ثلاث ذرات بورون تشترك في إلكترونين فقط. هذا المفهوم، الذي وضعه الكيميائي الفيزيائي الأمريكي ويليام ليبسكومب (الحائز على جائزة نوبل عام 1976)، أحدث ثورة في الكيمياء اللاعضوية. أبسط بوران هو ثنائي بوران B₂H₆، وهو غاز سام وقابل للاشتعال تلقائياً في الهواء، له بنية جسرية: ذرتا بورون مرتبطتان بذرتي هيدروجين جسرية (كل هيدروجين يرتبط بذرتي بورون) وأربع ذرات هيدروجين طرفية. هذه البنية غير التقليدية جعلت الكيميائيين يعيدون كتابة قواعد التكافؤ. من البورانات الأكبر: تيترابوران B₄H₁₀، بنتابوران B₅H₉ و B₅H₁₁، هيكسابوران B₆H₁₀، ديكابوران B₁₀H₁₄ (وهو بوران مهم يستخدم كوقود للصواريخ وفي تخليق الكاربورانات)، و أيزومرات مختلفة. ديكابوران B₁₀H₁₄ هو مادة صلبة بيضاء تتبخر ببطء، سامة، وتتفاعل مع الأكسجين. هذه البورانات كانت مادة للدراسة المكثفة خلال الحرب العالمية الثانية و الحرب الباردة كوقود عالي الطاقة للطائرات والصواريخ (مشروع ZIP fuel في أمريكا)، لكن سُميتها و عدم استقرارها حال دون استخدامها على نطاق واسع.

أحد أكثر فروع كيمياء البورون إدهاشاً هو الكيمياء العنقودية للكاربورانات (carboranes)، وهي مركبات تتألف من ذرات البورون والكربون والهيدروجين في هياكل شبيهة بالأقفاص (closo-, nido-, arachno-)، وأشهرها هي الكاربوران C₂B₁₀H₁₂ الذي له بنية إيكوساهدرون (عشروني الوجوه) حيث تحتل ذرتا كربون مكان ذرتي بورون في القفص. للكاربورانات ثلاثة أيزومرات (ortho-, meta-, para-) تختلف في موقع ذرتي الكربون، وكلها مستقرة حرارياً بشكل مذهل (تتحمل حتى 400 درجة مئوية دون تفكك)، وقادرة على ربط أيونات معدنية وأجزاء عضوية متنوعة، مما يجعلها مرشحة للتطبيقات الطبية (نقل النيوترونات لعلاج السرطان) و الكيمياء التنسيقية. الكاربورانات هي من أكثر الجزيئات استقراراً حرارياً بين الجزيئات العضوية المعدنية، وقد أدت إلى تطوير أدوية جديدة ومواد بوليمرية فائقة المقاومة للحرارة.

من ناحية النظائر، البورون الطبيعي يتكون من نظيرين مستقرين: بورون-10 (¹⁰B) بنسبة 19.9 بالمئة تقريباً، و بورون-11 (¹¹B) بنسبة 80.1 بالمئة. هذه النسبة ليست ثابتة تماماً في الطبيعة، حيث توجد اختلافات طبيعية تصل إلى 0.003 في المئة بسبب عمليات التجزئة الجيولوجية والبيولوجية، و تستخدم هذه الاختلافات في علم الجيولوجيا النظائرية لتتبع المصادر والعمليات. بورون-10 له مقطع تصادم هائل للنيوترونات الحرارية (حوالي 3840 حظيرة)، وهو عالٍ جداً، مما يجعله من أفضل المواد لامتصاص النيوترونات وأكثرها استخداماً في قضبان التحكم في المفاعلات النووية ودرع الحماية الإشعاعية. عندما يمتص بورون-10 نيوتروناً، يحدث التفاعل ¹⁰B + n → ⁷Li + α (جسيم ألفا، وهو نواة هيليوم)، ويطلق طاقة بمقدار 2.79 مليون إلكترون فولت. جسيمات ألفا و الليثيوم الناتجة لها مدى قصير جداً في المادة (عدة ميكرومترات)، لكنها عالية التأين وتسبب ضرراً بيولوجياً موضعياً كبيراً. هذا هو الأساس لعلاج السرطان بالتقاط النيوترونات من البورون (BNCT) الذي سنتحدث عنه لاحقاً. بورون-11 هو النظير الآخر، له مقطع تصادم منخفض مع النيوترونات، وهو مستخدم في التحليل الطيفي بالرنين المغناطيسي النووي لبورون-11 (¹¹B NMR) الذي يشبه في مبادئه ¹³C NMR و ¹H NMR، ويساعد في تحديد بنية البورانات والكاربورانات. لا توجد نظائر مشعة للبورون ذات عمر نصف طويل يذكر؛ فقط نظائر قصيرة العمر تُنتج في المسرعات، مثل بورون-8 (عمر نصف 770 ميلي ثانية) وبورون-9 (عمر نصف 8 × 10⁻¹⁹ ثانية)، وليس لها تطبيقات عملية.

طرق تحضير البورون النقي تختلف حسب الشكل المطلوب (بلوري أو لابلوري) ودرجة النقاوة. للحصول على بورون لابلوري (مسحوق بني)، الطريقة التقليدية هي اختزال أكسيد البورون B₂O₃ (أو حمض البوريك H₃BO₃) بمعدن المغنيسيوم أو الألومنيوم عند درجات حرارة عالية: B₂O₃ + 3Mg → 2B + 3MgO. الناتج هو خليط من البورون وأكسيد المغنيسيوم وربما بوريدات المغنيسيوم، ثم يُغسل الخليط بحمض الهيدروكلوريك المخفف لإذابة أكسيد المغنيسيوم والشوائب، ويتبقى البورون اللابلوري بنقاوة 90-95 بالمئة. للحصول على نقاوة أعلى، يُعالج البورون بمعالجات كيميائية متكررة. للحصول على بورون بلوري عالي النقاوة (أكثر من 99.9 بالمئة)، تُستخدم طريقة ترسيب البخار الكيميائي (CVD) من غاز كلوريد البورون BCl₃ أو ثلاثي بروميد البورون BBr₃ مع الهيدروجين على سلك ساخن من التنغستن أو التنتالوم عند درجات حرارة تتراوح بين 1000 و 1300 درجة مئوية: 2BCl₃ + 3H₂ → 2B + 6HCl. يترسب البورون البلوري على السلك على شكل طبقة بلورية كثيفة. يمكن أيضاً استخدام التحليل الكهربائي لمصهور خليط من أكسيد البورون والفلوريدات عند درجات حرارة عالية (800 درجة مئوية)، لكن هذه الطريقة أقل شيوعاً. الإنتاج العالمي من البورون (في صورة بوراكس وحمض بوريك وأكسيد بورون) يبلغ حوالي 4-5 ملايين طن سنوياً (معادل B₂O₃)، بينما الإنتاج من البورون الفلزي نفسه صغير جداً (بضع مئات من الأطنان سنوياً) لأنه يستخدم في تطبيقات خاصة وليس بشكل واسع.

الدور البيولوجي للبورون هو موضوع مثير للجدل ومتطور. لسنوات عديدة، اعتُبر البورون غير ضروري للنباتات والحيوانات والإنسان، ولكن في العقود الأخيرة تراكمت أدلة قوية على أن البورون هو عنصر أساسي (ضروري) لنمو النباتات العليا، وخاصة النباتات ثنائية الفلقة، وأن نقص البورون يؤدي إلى تشوه النمو، موت الأطراف، ضعف الثمار، وتقصف الأنسجة. الآلية الدقيقة لا تزال غير مفهومة تماماً، لكن يُعتقد أن البورون يلعب دوراً هيكلياً في جدران الخلايا النباتية عبر ارتباطه ببيكتات الهامة (rhamnogalacturonan II) مما يعطي صلابة لجدار الخلية، و يساهم في استقرار الأغشية، ويساعد في نقل السكريات و الهرمونات، وربما له دور في تنظيم التعبير الجيني. بالنسبة للحيوانات والبشر، يعتبر البورون "عنصراً أساسياً محتملاً"، أي أنه قد يكون ضرورياً بكميات ضئيلة جداً، لكن نقصه نادر ولا توجد متلازمة نقص واضحة لدى الإنسان. بعض الدراسات تشير إلى أن البورون بتركيزات منخفضة جداً (1-3 ملغ يومياً) قد يحسن استقلاب الكالسيوم و المغنيسيوم، ويدعم صحة العظام و المفاصل، ويساعد في التئام الجروح، ويؤثر على مستويات هرمون الاستروجين والتستوستيرون، وربما يخفف من أعراض التهاب المفاصل. لكن هذه النتائج أولية ولم تتبناها الهيئات الصحية الرسمية كتوصيات غذائية. بالمقابل، البورون ومركباته (خاصة حمض البوريك والبوراكس) سامة إذا تناولت بكميات كبيرة (جرعة سامة تبدأ من 5-10 غرام للبالغين، والجرعة المميتة حوالي 15-20 غرام). أعراض التسمم الحاد تشمل الغثيان، القيء، الإسهال، آلام البطن، الطفح الجلدي (تسمم البورون معروف بطفح جلدي أحمر يشبه حروق الشمس يسمى "حمامى البورون")، وفي الحالات الشديدة، انخفاض ضغط الدم، غيبوبة، فشل كلوي و موت. التسمم المزمن (على مدى أسابيع أو أشهر) قد يسبب تساقط الشعر، فقر دم، تشوهات في العظام، وضمور الخصيتين في الذكور. بسبب سميته، تم منع استخدام حمض البوريك و البوراكس كمادة حافظة للأغذية في معظم البلدان، ويقتصر استخدامهما في المستحضرات الصيدلانية والمواد التجميلية بتركيزات منخفضة جداً (أقل من 5٪) وبتحذيرات. لحسن الحظ، البورون ومركباته لا تتراكم في الجسم بشكل كبير، بل تطرح بسرعة عن طريق البول، لذا فالتعرض الحاد هو الأخطر.

التطبيقات الصناعية للبورون ومركباته هائلة ومتنوعة، تجعله واحداً من أكثر العناصر غير المعدنية أهمية في الاقتصاد الحديث، بعد الكربون والسيليكون والأكسجين. التطبيق الأكبر من حيث الحجم (حوالي 50-60 بالمئة من استهلاك البورون العالمي) هو في صناعة الزجاج والألياف الزجاجية. إضافة كميات صغيرة من أكسيد البورون (B₂O₃) إلى خليط الزجاج (الذي يتكون أساساً من السيليكا) يخفض درجة انصهار الزجاج، ويقلل من لزوجته، ويمنع التبلور (يثبته في الحالة الزجاجية)، ويحسن مقاومته للصدمات الحرارية والتآكل الكيميائي. زجاج البوروسيليكات، الذي اخترعته شركة كورنينغ في عام 1915 ويسوق تحت الاسم التجاري "بايركس" (Pyrex)، يحتوي على حوالي 13-15 بالمئة من B₂O₃، وهو معروف بمقاومته العالية للتمدد الحراري (معامل تمدد منخفض جداً 3.3 × 10⁻⁶ لكل كلفن، مقابل 9 × 10⁻⁶ للزجاج العادي)، مما يجعله لا يتشقق عند تسخينه أو تبريده فجأة. أواني الطبخ من بايركس، أنابيب المختبرات، المعدات الكيميائية، التلسكوبات، والعدسات البصرية العالية الجودة تصنع من زجاج البوروسيليكات. الألياف الزجاجية المستخدمة في عزل المباني (فايبرغلاس) وفي تقوية البلاستيك (GRP) تحتوي أيضاً على B₂O₃ لتحسين معالجة الألياف ومتانتها.

التطبيق الثاني الكبير (حوالي 20-25 بالمئة) هو في صناعة المنظفات والمبيضات. البوراكس (بورات الصوديوم العشرية المائية) له قدرة على تنظيم الأس الهيدروجيني (pH) وتليين المياه (بسبب ترسيبه لأيونات الكالسيوم والمغنيسيوم)، ويستخدم في مساحيق الغسيل، منظفات غسل الأطباق، معجون الأسنان، وكمبيض للأسطح. كما أن حمض البوريك يستخدم كمبيد حشري خفيف (لقتل الصراصير والنمل) وكمادة حافظة للأخشاب ضد الفطريات والحشرات.

التطبيق الثالث (حوالي 10-15 بالمئة) هو في الزراعة كأسمدة دقيقة. في المناطق التي تعاني تربتها من نقص البورون (مثل الترب الرملية والترب الجيرية)، تُضاف أسمدة تحتوي على البوراكس أو حمض البوريك بكميات صغيرة جداً (0.5-2 كجم لكل هكتار) للمحاصيل الحساسة مثل بنجر السكر، عباد الشمس، الكرنب، البروكلي، التفاح، والعنب. يؤدي نقص البورون إلى "تعفن القلب" في بنجر السكر و"تشقق الساق" في الكرفس و"تساقط الثمار" في التفاح. لكن الإفراط في إضافة البورون سام للنباتات، فيتحول لون الأوراق إلى الأصفر ثم البني وتسقط.

التطبيق الرابع والأكثر حداثة (حوالي 5-10 بالمئة) هو في صناعة المواد المتقدمة والمركبات فائقة الصلابة. كربيد البورون B₄C (أو B₁₂C تقريباً) هو ثالث أصلب مادة معروفة بعد الألماس ونتريد البورون المكعب، حيث تصل صلابته إلى حوالي 9.5 على مقياس موس، وكثافته منخفضة (2.52 غ/سم³). يُستخدم كربيد البورون في صناعة الدروع الواقية للبدن (السترات الواقية من الرصاص)، ودروع المركبات العسكرية (مدرعات خفيفة)، وقذائف المدفعية الثاقبة، وفوهات رش الماء الرملي (لقطع المعادن)، وفي الصناعات الكاشطة (عجلات التجليخ، مساحيق الصنفرة). كما يستخدم كربيد البورون في قضبان التحكم في المفاعلات النووية، لأنه، بالإضافة إلى احتوائه على البورون-10 طبيعياً (حوالي 20% بورون-10)، فإن ذرات الكربون تساهم في صلابته ومقاومته الحرارية. نتريد البورون (BN) له عدة أشكال: نتريد البورون السداسي (h-BN) يشبه الغرافيت في بنيته، أبيض اللون، يسمى "الغرافيت الأبيض"، وهو مادة تشحيم صلبة، عازل كهربائي جيد، وموصل حراري عالي، يستخدم في مستحضرات التجميل (كزبدة التجميل) وفي الأجهزة الإلكترونية كوسادة حرارية. نتريد البورون المكعب (c-BN) هو ثاني أصلب مادة بعد الألماس، ولكن له ميزة أنه لا يتفاعل مع الحديد والصلب في درجات الحرارة العالية (بينما الألماس يتفاعل كربيداً عند حرارة عالية)، لذلك يستخدم كربيد البورون المكعب في صناعة أدوات القطع والطحن للمعادن الحديدية والصلب عالي السرعة، وفي قوالب السحب السلكية.

في مجال الطاقة، يستخدم البورون في وقود الصواريخ والمركبات الفضائية المضافة (مثل البورانات ومركبات الكاربوران)، حيث يزيد من قيمة التسخين الحجمي. كما يستخدم البورون في الخلايا الشمسية، حيث يضاف إلى السيليكون كشائب من النوع p (مستقبل للإلكترونات) لصنع تقاطعات p-n. في المفاعلات النووية، تستخدم ألواح كربيد البورون أو سبائك البورون-الفولاذية كقضبان تحكم تمتص النيوترونات وتنظم التفاعل المتسلسل. في الطب، يُستخدم نظير البورون-10 في علاج السرطان بالتقاط النيوترونات (BNCT - Boron Neutron Capture Therapy)، وهو علاج تجريبي لأورام الدماغ السرطانية (الأورام الأرومية الدبقية) وأورام الرأس والعنق. في هذا العلاج، يُحقن المريض بمركب يحتوي على البورون-10 يميل إلى التراكم في الخلايا السرطانية أكثر من الخلايا السليمة (مثل محلول البورونوفينيل ألانين BPA أو كبريتات ميركابتونديكاهيدرو دوديكابوران BSH). بعد يوم أو يومين، يُعرض الورم لشعاع نيوتروني حراري (طاقة منخفضة). النيوترونات تخترق الأنسجة وتلتقطها نوى البورون-10 داخل الخلايا السرطانية، مسببة تفاعلاً ينتج جسيمات ألفا وليثيوم-7، وهذه الجسيمات المشحونة لها مدى قصير جداً (حوالي 10 ميكرومتر) أي أقل من قطر الخلية الواحدة، فتدمر الخلايا السرطانية من الداخل دون أن تؤذي الخلايا السليمة المجاورة. BNCT لا يزال تجريبياً ويتطلب مفاعلات نووية أو مسرعات نيوترونية متطورة، لكنه يعطي أملاً في علاج أورام لا تستجيب للعلاج الإشعاعي التقليدي أو الكيميائي.

في المجال العسكري، استخدمت البورانات (خاصة ديكابوران) كوقود عالي الطاقة للطائرات والصواريخ في مشاريع ZIP Fuel بين الخمسينيات والسبعينيات، لكن سميتها العالية وعدم استقرارها وقابلية نواتج احتراقها (أكاسيد البورون) للتسبب في تآكل المحركات دفعت إلى إلغاء المشروع. لكن لا تزال البورانات تستخدم في بعض المحركات النفاثة التجريبية والصواريخ الصغيرة، وكذلك في مشاعل الإشعال ونظم البدء للمحركات الصاروخية. كما تستخدم مركبات البورون كمثبطات للهب (flame retardants) في المواد البلاستيكية والمنسوجات والإلكترونيات، حيث عند تسخينها تتحلل وتطلق أكسيد البورون الذي يغطي السطح ويمنع وصول الأكسجين إلى المادة القابلة للاحتراق.

في مجال الإلكترونيات، ثنائي بوريد المغنيسيوم MgB₂ هو مادة فائقة الناقلية تم اكتشافها عام 2001، وتعمل عند درجة حرارة 39 كلفن (أي 234 درجة مئوية تحت الصفر)، وهي أعلى درجة حرارة لناقلية فائقة في مادة بسيطة (غير مؤكسدة). MgB₂ رخيص الثمن، ويمكن تصنيعه بسهولة، ويستخدم في تطبيقات الحوسبة فائقة السرعة والمغناطيسات فائقة التوصيل ذات المجال المتوسط، خاصة في أجهزة الرنين المغناطيسي منخفضة التكلفة ومحولات الطاقة. هذا الاكتشاف فتح مجالاً واسعاً من الأبحاث على "ناقليات فائقة حرارية عالية" من البوريدات.

من ناحية كيمياء التنسيق وحالات الأكسدة، البورون يظهر حالة أكسدة +3 في جميع مركباته المستقرة تقريباً. هناك مركبات مثل ثنائي بورون B₂ (في حالات خاصة تحت ضغوط عالية) تظهر حالة أكسدة صفرية، ولكنها غير مستقرة. يمكن للبورون أن يكون حالة أكسدة +1 في بعض البورانات الإستثنائية و في الكاربورانات ذات الفجوة، لكنها نادرة. الكيمياء التنسيقية للبورون تتميز بقدرته على تشكيل معقدات مع جزيئات مانحة للإلكترون، مثل BF₄⁻ و BCl₄⁻ و BH₄⁻ (بوروهيدريد). بوروهيدريد الصوديوم NaBH₄ هو عامل مختزل مهم جداً في المختبرات العضوية، يستخدم لاختزال الكيتونات والألدهيدات والإسترات والأميدات إلى كحولات وأمينات. معقدات البورون مع الكربون في الكاربورانات هي فريدة من حيث استقرارها وتعدد أشكالها.

أما بالنسبة للتحديات والاتجاهات المستقبلية، فإن البورون يواجه آفاقاً واعدة. من ناحية الموارد، الاحتياطيات العالمية وفيرة وتكفي لعدة قرون، لكن التركيز الجغرافي للإنتاج (70% في تركيا) يخلق مخاطر جيوسياسية وارتباط أسعار بالاستقرار السياسي. يجرى تطوير عمليات إعادة تدوير البورون من النفايات الإلكترونية (مثل شاشات زجاج البوروسيليكات) و من مياه الصرف الصناعي (مثل مياه صناعة الألياف الزجاجية)، ولكنها لا تزال غير مجدية اقتصادياً بسبب انخفاض سعر البوراكس. في مجال الطاقة النظيفة، البورون قد يكون مكوناً رئيسياً في وقود الاندماج النووي من الجيل الثالث (وقود البورون-11 والبروتون: p + ¹¹B → 3α)، وهو تفاعل اندماجي "خالٍ من النيوترونات" تماماً، أي لا ينتج نيوترونات خطرة ولا تلوث إشعاعي طويل الأمد، وهذا هو حلم مفاعلات الاندماج النظيفة. لكن درجة الحرارة المطلوبة لتحقيق هذا التفاعل هي 3 مليار درجة مئوية (أعلى بعشر مرات من وقود D-T)، ولا تزال بعيدة عن متناول التقنيات الحالية (مفاعلات ITER و NIF تعمل على D-T). لكن إذا تم تطوير مفاعل اندماجي يعمل بالبورون-11، فسيغير قواعد الطاقة على الأرض: وقود نظيف، لا نفايات مشعة، ولا خطر للانتشار النووي. هناك مشاريع نظرية وتجريبية صغيرة (مثل مفاعل HB11 الأسترالي) تحاول تحقيق ذلك باستخدام ليزر فائق القوة، لكنها في مرحلة إثبات المبدأ. في مجال تكنولوجيا النانو، يتم استكشاف أنابيب البورون النانوية و أحادي طبقة البوروفين (borophene)، وهو نظير البورون للغرافين، الذي تم اكتشافه في عام 2015. البوروفين له بنية بلورية ثنائية الأبعاد مع خواص إلكترونية و مغناطيسية فريدة، وقد يكون مستقبلاً للموصلية الفائقة في درجات حرارة مرتفعة، أو للبطاريات فائقة السعة، أو للمستشعرات الكيميائية الفائقة الحساسية. لكن تحضير البوروفين صعب ويتطلب ركائز خاصة، وهو غير مستقر في الهواء، ويحتاج إلى أبحاث إضافية لتثبيته وتطبيقه. في مجال تخزين الهيدروجين، البورانات ومركبات البورون-هيدروجين مثل هيدريد البورون (NH₃BH₃) و بوري هيدريد الليثيوم (LiBH₄) تخزن كميات كبيرة من الهيدروجين (تصل إلى 18٪ وزناً)، لكن إطلاق الهيدروجين منها يتطلب درجات حرارة عالية جداً (فوق 400 درجة مئوية)، والمواد المتبقية صعبة إعادة الهدرجة. هناك أبحاث مكثفة لتطوير محفزات لتخفيض درجة حرارة التفكك وتحسين دورة الحياة.

ختاماً، البورون هو شبه الفلز الاستثنائي الذي يقدم نموذجاً مذهلاً لكيف أن عنصراً بسيطاً بخمسة بروتونات فقط يمكن أن ينتج أغنى كيمياء تناظرية وأكثرها تنوعاً بين العناصر الخفيفة. من الصلادة الفائقة لكربيد البورون، إلى الحلاوة السامة لأكسيد البورون، إلى اللمعان الأخضر لاحتراقه، إلى قبضته القاتلة على النيوترونات في مفاعلاتنا النووية، إلى هيكله الشبيه بالأقفاص في البورانات التي حيّرت الكيميائيين لعقود، ومن ثم إلى آماله في علاج السرطان بالنيوترونات، وفي اندماج لا ينتج نفايات، وفي بطاريات المستقبل. لم يكن البورون معروفاً لدى العامة مثل الكربون أو السيليكون، لكنه خلف الكواليس، يبني زجاج أطباقنا، ويحمي جنودنا بدروعهم، ويشحذ أدواتنا، وينظم تفاعلاتنا الكيميائية، وربما يوماً ما يشعل شمساً مصغرة على الأرض. ربما أكثر ما يميز البورون هو قدرته على انتهاك القواعد: فالطبيعة تعلمنا أن الذرات تسعى لثمانية إلكترونات حولها، لكن البورون راضٍ أحياناً بستة، وأحياناً يتشارك في روابط من ثلاثة مراكز، وأحياناً يبني أقفاصاً من عشرين وجهاً. في هذه "الشذوذات" تكمن قوة البورون وقدرته على أن يكون جسراً بين الكيمياء التقليدية و الكيمياء الحديثة، بين الفلزات واللافلزات، بين الماضي والمستقبل. إنه بلا شك أحد أروع شخصيات الجدول الدوري، وإن كان متواضعاً في الوزن واللون، فهو عظيم في الإمكانات والغموض.

أ. حسين علي حياوي المؤذن



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنو ...
- البيريليوم | الفلز الغامض بين الخفة والقوة - من الزمرد إلى ا ...
- الليثيوم | الفلز الخفيف الذي شحن العالم - من معادن البغماتيت ...
- الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض ...
- الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى ...
- السيد السيستاني آخر العظماء
- بين ركام التردد وإرادة الشباب : قصة قانون حماية المسعف التطو ...
- الضربة الإيرانية لمركز الاستمطار السري في الإمارات – الحرب ا ...
- هرمز : الممر الذي كاد أن يشعل العالم
- أدبيات حزب الله اللبناني القتالية وفق التطورات الدولية
- بين ملمحة خرمشهر الموسيقية وخرمشهر الصاروخية : سقطت أسطورة إ ...
- العقل والتاريخ في مواجهة الأسطرة اللاهوتية
- معجزة المسيح السياسية
- أنطولوجيا النجاة
- الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
- الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
- الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
- دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني - ...
- دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر ...
- الإطارات المعدنية العضوية: الجيل الجديد من المواد الذكية في ...


المزيد.....




- دراسة تكشف أربعة عوامل رئيسية وراء معظم النوبات القلبية
- طنين الأذن قد يكون إنذارا مبكرا لفقدان حاسة السمع.. والأطباء ...
- اكتشاف مقبرة غامضة لحيتان عمرها 5 ملايين عام في قاع المحيط
- أربع دول أوروبية تعلن استعدادها لرفع العقوبات عن إيران دعما ...
- الضفة الغربية: مستوطنون يشعلون النار في مركبات ويهاجمون مسجد ...
- مخاوف من اختراق أمني بالبيت الأبيض بعد نشر تفاصيل اجتماعات س ...
- الاحتلال ينفذ أعمال هدم غير مسبوقة في جنين بالضفة
- السويسريون يرفضون مبادرة يمينية بتحديد سقف لعدد السكان
- كوريا الشمالية تؤكد أن وضعها كدولة نووية -لا رجعة فيه-
- ارتفاع إصابات -إيبولا- في الكونغو إلى 710 حالات


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير المستقبل