أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي حياوي المؤذن - معجزة المسيح السياسية















المزيد.....

معجزة المسيح السياسية


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 09:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما نتأمل التاريخ من منظور لا يسعى للخط الزمني المألوف ، بل ينظر إليه كحقل معقد من العلاقات المتشابكة، تصبح بعض الشخصيات كأنها تموجات مفصلية في نسيج الممكن الاجتماعي والسياسي ، تفرض على الواقع إعادة قراءة قوانينه الرمزية ، وإعادة ترتيب ما ظنه الناس ثابتًا . في هذا الإطار، يمكن النظر إلى ما يُسمى بـ " معجزة المسيح" بوصفها حدثًا فلسفيًا وسياسيًا واجتماعيًا معًا ، لا يُقاس فقط بما فعله أو قاله ، بل بما أحدثه من تغيرات في إدراك الجماعة لنفسها ، في تصورها للسلطة ، وفي فهمها للقدرة على التأثير في مسار حياتها المشترك ، هذه المعجزة لا تتحقق بالمعجزات المادية ، بل بقدرة الفرد على إعادة هندسة الممكن الاجتماعي ، وتحريك القوى الرمزية داخل شبكة معقدة من القيم ، الأعراف ، السلطة ، المعايير الأخلاقية .
إذا نظرنا إليها من زاوية أخرى، فإن المعجزة ليست حدثًا معزولًا ، بل سلسلة متداخلة من الحوادث والتفاعلات الرمزية ، حيث يصبح كل فعل وكلمة وإشارة رمزية وسيلة لإعادة ترتيب النظام الاجتماعي . المسيح السياسي ، في هذه القراءة ، ليس مجرد شخصية تؤثر في اللحظة التاريخية ، بل حالة من الوعي السياسي المستمر ، الذي يتحرك داخل الهياكل الاجتماعية ، ويعيد إنتاج الممكنات الرمزية والسياسية بطريقة غير مباشرة ، لكنها أكثر قوة من القوة المادية المباشرة . إن هذا التداخل بين الفعل والوعي، بين الفرد والجماعة ، يجعل من المعجزة ظاهرة قابلة للتحليل ، لكنها مقاومة للتبسيط أو للإدراك المباشر ، فهي كما يقول الفلاسفة تجربة ممكنة ضمن حدود غير المألوف .
تجعلنا دراسة هذه المعجزة ندرك أن السياسة ليست مجرد ممارسة للقوانين أو السيطرة بالقوة ، بل فن إعادة إنتاج المعاني الاجتماعية ، وإعادة ترتيب علاقة الجماعة بالقيم ، وبالسلطة ، وبالمشروع الاجتماعي نفسه . ففي كل موقف ، وفي كل خطاب ، كان هناك تفاعل دقيق بين الفرد ومفهوم العدالة والمقبول اجتماعيًا ، بحيث تتحول القواعد القديمة إلى أدوات تمكين جديدة، وليس إلى قيود مفروضة. وهنا يكمن جوهر المعجزة السياسية حيث القدرة على خلق تغييرات بنيوية داخل الجماعة دون اللجوء إلى الإكراه المباشر ، بل عبر إعادة هندسة المشروعية الرمزية ، وإقناع الجماعة بأن الممكن قد تغيّر .
و يمكن القول إن المعجزة تبرز كـ تمرين على إعادة تشكيل وعي الجماعة ، بحيث تصبح القيم الأخلاقية والسياسية متفاعلة مع الفعل الاجتماعي بطريقة مستمرة . كل فعل رمزي ، كل تلميح ، وكل موقف يمثل تجربة في استكشاف حدود القوة الاجتماعية والرمزية ، ويحوّل الفعل الفردي إلى حدث يمتد تأثيره على كل الجماعة، ويغير تصورهم لما هو مشروع وما هو مستحيل ، إن هذه القدرة على تحريك وعي الجماعة ، وخلق توافق ضمن شبكة معقدة من القوى غير المتكافئة، تجعل من المعجزة تجربة فلسفية–اجتماعية في الممكن السياسي ، وليس مجرد حدث تاريخي بسيط .
وفي النظرية الحداثوية ، تصبح المعجزة أكثر من مجرد حدث أو شخصية ؛ إنها حالة معقدة من التفاعل بين المعرفة ، السلطة ، والوعي الاجتماعي ، حيث يتحرك الفكر ضمن بنية من القيود ، لكنه يعيد تركيب هذه القيود بطريقة تحولها من عوائق إلى أدوات تمكين . وهكذا تصبح المعجزة السياسية حالة من الفعل الفلسفي في التاريخ، حيث يختبر الممكن الاجتماعي والسياسي ، وتتحول العلاقة بين الفرد والجماعة إلى مساحة من التفاوض المستمر بين القوة والمفهوم ، بين القانون الظاهر والقانون الضمني ، بين السلطة التقليدية والمشروع الاجتماعي الجديد .
من هذا المنظور ، يمكننا أن نرى أن المعجزة السياسية ليست مجرد حدث لحظي ، بل امتداد زمني لتأثير رمزي وفكري مستمر. إنها إعادة تعريف للعلاقات الاجتماعية ، وإعادة إنتاج للمشروع السياسي في شكل أعمق وأكثر نفاذًا . إنها تجربة لا تُقاس بالسيطرة المادية ، بل بمدى قدرة الفرد على تحريك الإدراك الاجتماعي ، وإعادة تشكيل المعايير الرمزية ، بحيث يصبح كل فعل سياسي رمزًا للتغيير المستدام ، وكل قرار جماعي انعكاسًا للوعي المتحرّك الذي أطلقته تلك المعجزة .
هذه القراءة ، حين نربطها بالواقع العراقي الراهن ، تصبح أكثر إلحاحًا ، إذ يبدو العراق اليوم كمجتمع متشابك بين السلطة والفساد، بين الصراعات المذهبية والسياسية، بين القانون والممارسة ، بحيث يحتاج إلى تدخلات رمزية وفكرية تعيد إنتاج الممكن السياسي والاجتماعي بطريقة مستدامة.
المسيح السياسي ، ليس مجرد شخصية تاريخية، بل حالة من الوعي السياسي–الأخلاقي المتحرك داخل النسيج الاجتماعي ، القادر على إعادة ترتيب القيم الرمزية للسلطة، وإعادة تشكيل تصور الجماعة للعدالة والشرعية ، بعيدًا عن التحيزات المذهبية أو مصالح الفئات الضيقة . كل فعل رمزي يصبح أداة للتغيير ، وكل خطاب فكري يُعيد إنتاج الممكنات الاجتماعية ، بحيث يصبح الوعي الجمعي وسيلة لتجاوز الجمود السياسي ، وتحويل شبكة الصراعات إلى فرص للتفاوض ، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية .
في سياق العراق ، حيث تتشابك الهياكل المذهبية والسياسية والاجتماعية، تصبح المعجزة السياسية اختبارًا عمليًا للقدرة على خلق توافق داخلي بين الفصائل المختلفة، عبر إدراك أن كل جماعة، مهما كانت متباينة سياسياً أو مذهبيًا ، تتقاطع مصالحها الأساسية في بقاء الدولة واستقرار المجتمع . هنا ، يُمكن استلهام الحلول المسيحية السياسية من حيث :
اولًا : إعادة إنتاج السلطة الأخلاقية كأداة للتغيير ، بمعنى أن القيادة السياسية يجب أن تبني قدرتها ليس على القوة المباشرة، بل على استعادة الثقة الرمزية بين الشعب والدولة، وتحويل النفوذ إلى أداة توافق جماعي بدل الصراع المستمر.
ثانيًا : تفعيل العقل الجمعي بدلاً من الفردانية السياسية ،
تمامًا كما حرّكت المعجزة المسيحية وعي الجماعة نحو القيم المشتركة ، يمكن للعراق أن يخلق آليات تشاركية لإعادة صياغة المشهد السياسي ، بحيث تصبح القرارات الاجتماعية والسياسية نتيجة تفاعل رمزي ومؤسسي بين كل الفئات.
ثالثًا : إعادة تعريف الممكن السياسي والاجتماعي ، كما غيّرت المعجزة حدود الممكن في الزمان التاريخي، يمكن للعراق استخدام المشروع الوطني المستند إلى القيم الإنسانية المشتركة لإعادة صياغة ما هو مشروع ومقبول، بعيدًا عن قيود الطائفية والفساد المستشري.
رابعًا : الفعل الرمزي كوسيلة للتمكين الجماعي ، يمكن للمبادرات المدنية، وللقوى الفكرية والثقافية، أن تعمل كأدوات رمزية تعيد إنتاج الممكن، تمامًا كما حولت الرموز المسيحية الموقف الجماعي إلى تأثير مستمر، بعيدًا عن القوة المباشرة أو الهيمنة المادية.
وفي هذا السياق، تصبح المعجزة السياسية حالة عملية من خلال قدرة الفرد أو الجماعة على تحريك التاريخ الرمزي والاجتماعي والسياسي في العراق ، بحيث تتحول كل أزمة إلى فرصة لإعادة ترتيب الممكن ، وكل صراع سياسي إلى تجربة للتوافق، وكل حالة فساد أو انقسام إلى مختبر لإعادة إنتاج الثقة ، وإعادة تشكيل المشروع الوطني.
إن المعجزة هنا لا تحتاج إلى الخارق، بل إلى الوعي ، والصبر، والفعل الرمزي المدروس ، والقدرة على تحويل القيود إلى أدوات تمكين ، بحيث يصبح العراق ليس مجرد ساحة للصراعات المستمرة ، بل فضاءً لتجربة سياسية حقيقية في إنتاج الممكن الاجتماعي والسياسي، وخلق تاريخ رمزي مستمر، يعيد إنتاج معنى الدولة والمجتمع من الداخل.
ولذلك، حين نعيد قراءة هذه المعجزة من زاوية اجتماعية وسياسية، نجد أن أهم ما فيها ليس فقط تأثيرها المباشر ، بل قدرتها على خلق تاريخ رمزي مستمر، يربط بين الفعل الفردي والمجتمع، بين الإدراك الجماعي والتغيير البنيوي، بين الممكن والمستحيل، بطريقة تجعل القارئ مضطرًا لإعادة النظر في كل طبقة من طبقات المعنى في كل قراءة جديدة، ويكتشف أبعادًا لم تبرز في القراءة الأولى، سواء في فهم آليات السلطة، أو دور الرموز الاجتماعية، أو طبيعة التأثير الأخلاقي والسياسي المستمر.



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنطولوجيا النجاة
- الوعي في الفكر الإسلامي ما بين المعرفة و تحولات العولمة
- الفلسفة الأخلاقية | من النص إلى الوعي
- الأَغتيال الذي تم داخل الجسد .
- دراسة نقدية حول بحث - العولمة الاجتماعية و المجتمع المدني - ...
- دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعر ...
- الإطارات المعدنية العضوية: الجيل الجديد من المواد الذكية في ...
- حياة علم الكيمياء | الصادق مؤسسها الأَول


المزيد.....




- -عارٌ عليكِ!-.. مشادة بين نائب بالكونغرس والمدعية العامة بام ...
- من حانة متواضعة إلى شهرة عالمية.. طبق يصنع قائمة انتظار لأرب ...
- بريطانيا.. وزير خارجية سابق يطالب ستارمر بالاستقالة بسبب -فض ...
- من وراء الكواليس.. كيف يختار الأثرياء ملابسهم الفاخرة؟
- رسائل من البحر الأحمر.. إسرائيل تنفذ تمرينًا عسكريًا في إيلا ...
- صدمة في كندا بعد إطلاق نار جماعي في ثانوية تمبلر ريدج
- -عائد إلى غزة-.. شهادات عن اجتياز معبر رفح: الجيش الإسرائيلي ...
- -مؤسسة غزة الإنسانية- الأمريكية أمام دور جديد في القطاع.. هل ...
- بنغلادش تجري أول انتخابات بعد ثورة -الجيل زد- لطي صفحة حكم ا ...
- عودة 46 فلسطينيا إلى غزة عبر معبر رفح


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي حياوي المؤذن - معجزة المسيح السياسية